حصريا

منطلقات العلاقة القويمة بين الزوجين-د. فتيحة محمد بوشعالة-الجزائر-

0 1٬379

 

تتمحور فكرة هذا المقال حول الأسس الصحيحة التي تبنى عليها العلاقة الزوجية، ومن ثمة الأسرة، وعنونته ب: (منطلقات العلاقة القويمة بين الزوجين)، لما رأيت من غياب كبير للمفاهيم الأساسية  للزواج عند الناس عامة، وهو مانتج عنه كثير من المشاكل في العلاقات الأسرية، وكثير من الانحرافات التي مست الأسرة المسلمة، والأسرة هي نواة المجتمعات، فإذا ضاعت الأسرة ضاع المجتمع كما هو معلوم.

ما أريد التحدث عنه هو تصحيح بعض المفاهيم عن الزواج وعن طبيعة العلاقة الزوجية، وعن بعض الممارسات الخاطئة نتيجة منطلقات وتصورات خاطئة في بناء تلك العلاقة ،

والأصل الذي نستقي منه تلك الأسس والمنطلقات هو القرآن الكريم والسنة والنبوية وسيرة النبي ﷺ.

  • والقرآن الكريم أنزله الله تعالى ليكون منهاج حياة, وليس للقراءة على الأموات، أو لحفظ حروفه، وترتيل كلماته، والتباهي بذلك.، بل أنزل للعمل به واتباع أوامره واجتناب نواهيه، يقول الله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۗ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} البقرة/121.

فالتلاوة هنا بمعنى الاتباع، وليس مجرد القراءة، ودليل ذلك قوله تعالى:{أَفَمَنْ كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَامًا وَرَحْمَةً ۚ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۚ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ ۚ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ ۚ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ}هود: ١٧

قال الزمخشري: ويتلوه يتبع ذلك البرهان شاهد منه، أي شاهد يشهد بصحته.

قال الطبري أن التلاوة بمعنى الاتباع بدليل قوله تعالى: ﴿والقمر إذا تلاها﴾ وذكر أن هذا إجماع أهل الحجة من العلماء، وقال الماوردي: هو قول الجمهور.

يقول الحسن البصري: حتى إن أحدهم ليقول: قد قرأت القرآن كله، فما أسقطت منه حرفا، وقد (والله ) أسقطه كله، ما يُرى له القرآن في خلق ولا عمل،

وقد نقل النووي عن الحسن في آداب حملة القرآن قوله: “إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم، فكانوا يتدبرونها بالليل، ويتفقدونها بالنهار”

فما معنى أن يكون القرآن منهاج حياة؟ كتالوج ننقل منه ونتبع التعليمات الواردة فيه ليكون ما نبنيه على منواله، مستقيما صحيحا سليما ، لا اعوجاج فيه.

  • من أجل إنشاء أسرة مستقرة وآمنة، لا بد أن تبنى على أسس سليمة وفق مراد الله ومراد رسوله ﷺ.

ولكي تبنى هذه الأسرة لا بد لها من منطلقات سليمة تنطلق منها، فمتى كانت المنطلقات صحيحة، كانت الأسرة مستقيمة، وكانت المشاكل التي تواجهها مقدور عليها، لا تكسرها.

وقد صغت هذه المنطلقات في صيغة استشكالات هي:

1/إدراك مقاصد الزواج: لماذا نتزوج؟

ينبغي على كل إنسان أن يسأل نفسه هذا السؤال، لأن جوابه ينبني عليه مسار الأسرة في تاريخها الطويل، وتنبني عليه طبيعة العلاقة بين الزوجين وبين الأبناء.

من أجل المتعة؟ من أجل أن كل الناس تتزوج؟ من أجل مصالح مادية؟ من أجل إرضاء العائلة؟ من أجل التحصين والستر؟ من أجل متعة الأبناء؟ من أجل بناء أسرة مسلمة؟ من أجل تكثير سواد المسلمين؟

لا بد أولا من فهم حقيقة هذه العلاقة، علاقة الزواج، فهي ليست أمرا عاديا يحدث كل يوم، أو معاملة مدنية بين اثنين، مثل البيع والشراء، وغيرها من المبادلات، بل هو معجزة تحدث عند كل زواج، كيف ذلك؟ امرأة تذهب عند رجل غريب عنها كل الغربة، لا تعرف عنه إلا أشياء بسيطة، تترك لأجله أحب الناس إليها، والديها، إخوتها، أهلها كل محيطها التي نشأت وترعرعت فيه، حتى بلغت سن الزواج، ثم الأعجب يصير هذا الغريب هو محل سرها، وأمانيها وأمنياتها، وأحب الناس إليها تثق فيه أكثر من كل الناس. ويصير هو سندها وحاميها، أليس ذلك آية من آيات الله وسننه الكونية؟ وكذلك هو يدخل حياته امرأة غريبة عنه كل الغربة، ويقربها إليه، وتصبح هي محل سره وأحلامه وأمنياته ومشاريعه، تصير أحب إليه من كل الناس، أليس هذا آية من آيات الله، وقد عبر القرآن عن ذلك بقوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ} الروم: ٢٠ –الملاحظ للسياق الذي وردت فيه الآية يكتشف أنها جاءت في معرض الحديث عن معجزات ربانية وعلامات على قدرته سبحانه، وآية الزواج ذكرت في وسط تلك الآيات. ولهذا المعنى سمى المولى تبارك وتعالى العقد الذي يربط بينهما (ميثاقا غليظا)، لأنه رباط وعقد مقدس ليس كباقي العقود {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} النساء: ٢١

فالزواج آية من آيات الله وسننه الكونية ، وليست مجرد جهاز وعرس، وفرحة وزغاريد، ومدعوين وبيت وسيارة، وعلاقة.  وإن كان كل ذلك مباحا، ومقصودا، ولكنه ليس هدفا، بل وسيلة لا أكثر من أجل غاية أكبر.

هل الزواج مرغوب من أجل المتعة؟  إذا كان الجواب نعم، فلن تكون أسرة قويمة مستقرة، لأن المتعة رغم كونها مشروعة إلا أنها ليست مقصودة لذاتها، بل هي وسيلة لاستمرار النوع ولتكثير أمة محمد، وللقيام بأعباء الخلافة وللنجاح في الامتحان {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} الملك: ٢

  • المتعة مقصودة في الزواج، ولكنها ليست مقصودة لذاتها، بل للتقوّي على الطاعة وللتحصين، جاء في الحديث الصحيح المتفق عليه: (عن جابر رضي الله عنه ، قال : هلك أبي وترك سبع أو تسع بنات ، فتزوجت امرأة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ” تزوجت يا جابر ” قلت : نعم ، قال : ” بكرا أمثيبا ” قلت : ثيبا ، قال : ” هل اجارية تلاعبها و تلاعبك ، أو تضاحكها و تضاحكك ” قلت : هلك أبي فترك سبع أو تسع بنات ، فكرهت أن أجيئهن بمثلهن ، فتزوجت امرأة تقوم عليهن ، قال : ” فبارك الله عليك.)  جابر شاب قوي وسيم، والشاب الذي يتزوج عجوزا قد يفوته مقصد التحصين، هذا ما أراد الحديث التلميح إليه، لكن مقصد جابر رضي الله عنه كان أيضا نبيلا. ينم عن عقل راجح وتقديم مصالح الغير عن مصالح النفس.

فالمتعة دافع قوي للزواج، وهي حكمة عظيمة من الله عز وجل، وهي في الرجل آكد وأكثر بروزا، وتلك حكمة ثانية.

أما الحكمة الأولى : فلو أن الله لم يغرس في الأنفس هذه الفطرة. فطرة طلب الآخر والرغبة في الركون إليه، لانقرض النوع الإنساني. ولما قامت عمارة الأرض وغابت سنة الاستخلاف.

الحكمة الثانية: لأن الزواج مسؤولية، قرنها الباري عز وجل بهذه الفطرة ليقوى الإنسان على حملها وهو راض ومستمتع. ولذا كانت في الرجل أكثر، لأنه هو المخول بتحمل المسؤولية والقوامة على الأسرة وإدارة شؤونها وحمايتها والكد لأجلها، فلو كلف بذلك دون تلك الفطرة الجامحة لثقلت عليه المهمة وتركها، فجعل الله تلك الرغبة والمتعة دافعا قويا للصبر والاستمرار. {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ  عَلَى  النِّسَاءِ  بِمَا  فَضَّلَ  اللَّه  بَعْضَهُمْ  عَلَىٰ بَعْضٍ  وَبِمَا أَنْفَقُوا  مِنْ  أَمْوَالِهِمْ ۚ  فَالصَّالِحَاتُ  قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ۚ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} النساء: ٣٤

فلا تقف عند الدافع بل تخطاه للمقصد حتى تنال الرضا في الدارين، عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: (وفي بضع أحدكم صدقة ، قالوا : يا رسول الله ، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال : ” أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر).

أي حين تنوي أن تحقق بالدافع مقصدا نبيلا يكون فعلك عبادة ومتعة في آن واحد، تحصن نفسك وتبتعد عن الحرام.

حين ندرك أنها وسيلة لا غاية، لا نتوقف عندها بل نتجاوزها الى المقاصد والغايات، ذلك أنه إذا توقفنا عندها نكون قد انحرفنا عن مقاصد الزواج بل مقصد الحياة ككل وهو قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} الذاريات: ٥٦

ّ{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} الملك: ٢

2/ الحكمة من تشريع الاستخارة، لماذا شرع الدين الاستخارة؟

الإنسان بإمكانه تقييم الظواهر، أما السرائر فلا يعلمها إلا الله عز وجل، ولذا أرشدنا الله تعالى إلى أمور نستعين بها ونسترشد بها في حياتنا حتى لا نخطئ الطريق، ومن ذلك تشريع الاستخارة.

فالاستخارة ليست مجرد شعيرة تعبدية (طقوس)، بل لها أبعاد عقدية كالتسليم لله، والتبرؤ من الطول والحول والقوة. وأبعاد روحية مفادها أنك بمعية الله من أول الطريق، وأبعاد نفسية، حتى لا تلوم نفسك مرة أخرى، فكل شيء بقدر الله، وأبعاد اجتماعية، تعينك على بناء أسرة سوية.

فبعد الاستخارة في اختيار الشريك، يطمئن المؤمن أنه قد سار في تأسيس هذه الأسرة بمعية الله وتوفيقه، فإن قدر الله عليه ابتلاء في حياته مع ذلك الشريك لا يحزن ولا يجزع، بل يؤمن أنه امتحان من الله تعالى ليختبر مدى إيمانه وصبره. ويؤكد هذا الابتلاء قوله:{وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا}الفرقان:20.

ومن صور الامتحان أيضا: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿١٤﴾ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ۚ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴿١٥﴾ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ ۗ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿١٦﴾}التغابن: ١٤ – ١٦

فالحياة الزوجية هي جزء من حياة المؤمن رجلا وامرأة، يعتريها ما يعتري الحياة من كرب وبلاء، على المؤمن أن يتسلح فيه بالإيمان والصبر والحكمة، حتى يثبته الله.

3/العلاقة تبنى أيضا على ركيزتين:

المودة والرحمة قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22)} الروم: ٢٠ – ٢٢

لماذا عبر المولى بالمودة ولم يعبر بالحب، لأن المودة مزيج من العواطف والمشاعر فيها حب وفيها شفقة وفيها حنان وفيها استمرارية، في حين ما يعبر عنه بالحب بين الجنسين هو ثورة عارمة آنية حالما تنطفئ بعد حين، مع ظروف الحياة قد تخبو، في حين المودة تأتي بعد العشرة والتعرف إلى الآخر والسكون إليه.

الرحمة ذكرها بعد المودة، فقد تغيب المودة، ولكن لا ينبغي أن تغيب الرحمة، :قال رسول الله صلىا لله عليه وسلم : (لايفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا رضي منها آخر)

وقال تعالى مؤكدا على هذا الخلق الثاني وهو الرحمة إذا غابت المودة:{ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} النساء:19.

لا بد أن نجسد هذا في علاقاتنا بمجاهدة النفس واليقين في الله، وليس باتباع هوى النفس.

4/معرفة سنة التفاضل واستيعابها:

هي سنة كونية جعلها الله مركبة في كل زوجين، من إنسان وحيوان ونبات، فما هي سنة التفاضل؟…مضمونها أن الله عز وجل جعل لكل من الرجل والمرأة مزايا وخصال يفضل بها أحدهما الآخر، ففي المرأة مزايا لا توجد في الرجل، وإن وجدت فبدرجة أقل، مثل الصبر والقدرة على التحمل، تهيئةً لها لأعباء الأمومة ورعاية الأسرة، الحنان والعطاء، والقدرة على أداء مهام كثيرة في آن واحد.

وميز الرجل بالقوة البدنية والجلد والقدرة على مجابهة الصعاب، والقدرة على القيادة والحزم وإعمال العقل أكثر من العاطفة تهيئة له على حماية الأسرة وقيادتها، فهي ليس لها الفضل في ذلك، كما أنه ليس له فضل في ذلك، بل هي منح ربانية جعلها في كل واحد منهما لحكمة.

يقول الحق تبارك وتعالى: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا }النساء:32.

لا تتمني أيتها المرأة ما ميز الله به الرجل عنك، ولا تتمن أيها الرجل ما فضل به المرأة عنك، بل اسألوا الله من فضله الذي تتقووا به على أداء ما أوكل إليكم.

ذلك أن هذا التفاضل ليس تفضيل لأحد عل الآخر، وإنما لحكمة وهي إيجاد التكامل بينهما، التفاضل من أجل التكامل. حيث لا يستقيم الأمر بوجود الصفات نفسها في الطرفين، سيحدث تنافر، مثل قوانين الفيزياء، الموجب مع الموجب لا يستقيم، والسالب مع السالب لا يستقيم، يحدث تنافر وتباعد.

5/ المساواة في الحقوق والواجبات: إلا ما خصصه الشرع

قال تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} البقرة: 228.

هذه الآيةلخصت كل الحقوق وكل الواجبات التي سطرتها القوانين والمواثيق الدولية، فكما تحب أن تكون لك زوجتك، يجب أن تكون لها، وهي أيضا كما تحبين أن يكون لك زوجك كوني له. فلا تبنى العلاقة على المطالبة بالحقوق، بل بالبذل المتبادل.

6/ لا ينتظر كل منهما المثالية من الآخر،

كثير من شبابنا يرسم صورة مثالية في ذهنه عن شريك حياته، ويريد أن يجده كما تصوره،

ثم يصدم بالواقع. فينتج عن ذلك تنافر وتباعد قد يصل إلى العداوة أو ربما الانفصال.

في حين لا هو محمد ﷺ، ولا هي خديجة رضي الله عنها، لكل عيوبه ومزاياها، على العاقل أن ينطلق من هكذا تصور، لا يوجد الإنسان الكامل، بحسب امرئ من النبل أن تعد معايبه، يخطبها ذات جلباب ونقاب، ويتصور أن خلف اللباس عائشة وزينب وعاتكة، وهي تختاره ذو لحية طويلة لا يفارقه السواك، أو لا يكاد يغادر المسجد، وتراه عمرا أو أبا بكر، وحين المعاشرة تنكشف المعايب فتحدث الخيبة،  في حين حتى هؤلاء الصحابة الكرام، كانت لهم معايب ومشاكل أسرية، ولكن تجاوزوها لأنهم بنوا حياتهم على الصدق مع الله ومع ذواتهم فعلا وعملا لا قولا وتصنعا، يغفروا الزلات، ويتجاوزوا العثرات ويقفوا عند حدود الله لا يتعدوها حال الخصومات، وهكذا قامت بيوتات الصحابة والمجتمع المسلم الأول.

7/ ماذا يمثل كل واحد منهما للآخر؟

حدد القرآن الكريم هذه الزاوية من العلاقة في آية، مفادها ستر كل واحد منهما للآخر، نستشفها من قوله تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ} البقرة: ١٨٧.

على الرجل أن يكون سترا للمرأة يحميها ويصونها ولا يفضح عوراتها، وهي تستره ولا تفضحه. ونجد الآية بدأ ت بالمرأة لمعانٍ، منها أن الرجل عادة وعرفا ورجولة لا يتكلم عن زوجته أمام الناس، من باب الغيرة وحفظ العرض، وإن كان يحدث ذلك أحيانا، خاصة في حال الخصومات.

في حين المرأة هي من يكثر من ذلك بسبب طبيعتها وضعفها ومزاجيتها. فتجدها تتحدث عن زوجها أمام النساء فقد تصف كرمه كما تصف بخله، تصف رجولته كما تصف جبنه، تحكي تفاصيل كثيرة عنه، طباعه، سلوكه، تصرفاته، فتفضحه بقصد أو بغير قصد، ولهذا السبب مدح الله عز وجل النساء المؤمنات اللواتي لا يفعلن ذلك، في إشارة إلى قبح ذلك الفعل، {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} النساء: 34.

8/ معيار الخيرية عند كل واحد:

لا بد أن يعرف كل واحد من الزوجين ما هو معيار الخيرية فيه كزوج، فالشرع قد قرر ذلك في آية وحديث.

أما خيرية المرأة كزوجة، أي مدى صلاحها كزوجة حدده قوله تعالى: {فالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} النساء: 34.

الزوجة الصالحة من هي: هي القانتة، أي الطائعة، التي لا تتمرد، ولا تنشز، الحافظة للغيب،هي التي تحفظ زوجها في عرضه وماله وولده ولا تفشي له سرا، ولا تفضح له عيبا.بما حفظ الله.

وأما خيرية الزوج فحددها الحديث الصحيح: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي).

9/ ماذا تطلب منها وماذا تطلب منك؟

جميل أن يكون بيتك نظيفا ومرتبا، وجميل أن ترى أبناءك في أحسن مظهر ومنظر،

ولكن لا تقف عند ذلك، لابد أن تربط كل ذلك بما خلقت له، وهو الطاعة والامتثال وطلب الآخرة، لأنك إذا وقفت عنده انحرفت عن منهج العبودية والعمل للآخرة، {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} القصص:77.

أي لا تبالغ، لا إفراط ولا تفريط…منزلة وسطا.

{وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى}  طه: ١٣١ – ١٣٢

ومن هنا لا تكن كل طلباتك من زوجتك: هو المتعة والمأكل والملبس والنظافة وترتيب المنزل، والحرص على علامات الأبناء وتفوقهم الدراسي فحسب.

ولا يكن أنت حرصك على زوجك في توفير المال، والبيت الفاخر والسيارة والرحلات والجواهر وغيرها من ملذات الدنيا. {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} الكهف: ٢٨

بل احرص على زوجتك أن تؤدي صلاتها في وقتها، وأن تقرأ القرآن، وأن تطالع سير الصالحين والصالحات، أن تثقف نفسها فيما يخص تربية الأولاد، وفي نجاح العلاقات الأسرية، وأن تربي أبناءك تربية ربانية ينتفع بهم الوطن والأمة. وتصرفهم عن الأهداف المادية المصلحية البحتة، بل تحرص على تعليهم العلم الذي ينفعهموينفع وطنهم وأمتهم. تزرع فيه الرسالية والأهداف السامية.

واحرصي أنت في زوجك على أن يكون كسبه حلالا، على الالتزام بصلاته، على ملازمة المسجد، على مصاحبة الصالحين، على صلة رحمه، على تعلم كتاب الله، على حسن مرافقته لأبنائه.

لا تحرصوا على توفير المأكل والملبس والرفاهية للأسرة، وتغفلون عن غذائها الروحي والعقلي، عما يحسن علاقتها بالله، فليحرص كل واحد على أن تكون الأسرة أفرادا صالحين نافعين لأمتهم.

واعلم أيها الزوج أن هذه الزوجة ليست ملكك، هي حرة مستقلة عنك كيانا، إنسان مكلف مثلك، بينكما تكامل في الحياة الزوجية، بينكما تفاضل لحكمة ربانية، وهي قيادة سفينة الأسرة، ولقد فرق الله عز وجل في الأحكام بين الأمة وبين الحرة، زوجتك ليست ملك يمينك، هي حرة. إذا نظرت إليها بهذه الرؤية تستقيم الحياة بينكما ويسود الاحترام والمودة.

” ألا واستوصوا بالنساء خيرا، فإنما هن عوان عندكم، ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك

مفهوم (العوان) أي أسيرات عندكن، ولكن في أمر واحد وهو حق المتعة بهن، ولذا جاء في الحديث (ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك) أي أن زوجتك في هذا الأمر مقصورة عليك، لا يحق لها ولا يحل لها أن تنظر إلى رجل آخر سواك، في أي جانب.

وفي الأخير، نقول إن الأسرة المسلمة إذا بنيت على أساس هذه المنطلقات  القويمة لا تتفكك أو تنحرف، وإن واجهتها صعاب  كثيرة، لأنها بنيت على أساس متين، وهذا ما يعنيه القرآن حين قال:{وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا }النساء: ٢١

فما كان لله دام واتصل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page