حصريا

مُفكرات على طريق الرشد” حنان لحام أنموذجا”-أ. ليلى نبيل الكردي-سوريا-

0 691

 

في إحدى المَجالس النافعة مع الأستاذ الشّيخ ‘ جَودت سعيد ‘ سألتُه عن خطوة لم تأخذ حقّها من البحث والدراسة في التعامل مع كتاب الله ، ‘ خاصّة ضمن مناهجنا الشرعية ‘ فكانت له إجابة مُطوّلة حول أهمية معرفة التّاريخ ودراسة السّنن الإلهية بغية فهم آليّة التغيير وقوانينه على مستوى الأفراد والأمم ، تلك السّنن التي تحكم تاريخ البشر والمجتمعات ونهضة الحضارات وسقوطها ولا يمكن لأحد أن يمتلك أدنى درجات التّعالي على  سنن الله عز وجل الصالحة لكل زمان ومكان ..

يوافق في ذلك من نادى قبله من علماء التّفسير المتأخرين بوجوب الاهتمام بالسّنن الإلهية لتكون علماً مُستقلاً بذاته مأخوذاً من كتاب الله عز وجل ، ومن هؤلاء العلماء الشيخ ‘ محمد عبده ‘ والذي جعل الإلمام بهذا العلم شرطاً أساسيّاً للمُفسر عندما يقول ” علم أحوال البشر ، فقد أنزل الله هذا الكتاب وجعله آخر الكتب ، وبيّن فيه مالم يبينه في غيره ، بيّن فيه كثيراً من أحوال الخلق وطبائعهم ، والسنن الإلهية في البشر ، وقصّ علينا أحسن القصص عن الأمم وسيرها الموافقة لسننه فيها ، فلا بد للناظر في هذا الكتاب من النظر في أحوال البشر في أطوارهم ، وأدوارهم ، ومناشئ اختلاف أحوالهم ، من قوة وضعف ، وعز وذل ، وعلم وجهل ، وإيمان وكفر ، ومن العلم بأحوال العالم الكبير ، ويحتاج في هذا إلى فنون كثيرة من أهمها التاريخ بأنواعه ‘ بل ويستنكر الشيخ لمن يتعرض لتفسير كتاب الله دون الاعتبار بهذا العلم والوقوف على فهمه ومراده ، فيقول : ” أنا لا أعقل كيف يمكن أن يفسر  قوله تعالى : ” كان الناسُ أمّة واحدةً فبعث الله النّبيين مبشرين ومنذرين ” ( البقرة ، 213 ) وهو لا يعرف أحوال البشر ، كيف اتحدوا ؟ وكيف تفرقوا ؟ وما معنى تلك الوحدة التي كانوا عليها ؟ وهل كانت نافعة أم ضارة ؟ وماذا كان من آثار بعثة النبيين فيهم ..

وعلّل الشيخ عدم تدوين هذا العلم في عهد الصحابة رضوان الله عليهم ، لا لعدم اهتمامهم أو لتقصيرهم في فهم كتاب الله عز وجل ، بل لأنهم وهم أقرب الناس من أيام نزول الوحي قد كانوا مهتدين بهذه السنن وعالمين بمراد الله تعالى من ذكرها بما لهم من معرفة أحوال القبائل العربية والشعوب القريبة منهم، وبما مُنحوا من الذكاء والحذق وقوّة الاستنباط ، كانوا يفهمون المراد من سنن الله عز وجل ويهتدون بها في حروبهم  وفتوحاتهم وسياستهم ، وما كان لهم من العلم بالتجربة والعمل أنفع من العلم النظري البحت ..

وما أحوجنا اليوم في الحقيقة لدراسة التاريخ والسنن والقوانين الإلهية وقد ابتعدنا عنها بابتداع حلولٍ لمشكلاتنا لم تزدنا إلا بُعدا وغرقاً في التّيه والكلالة والتخلف عن كل مظاهر التقدم والتحضر ..

ولئن شهدنا جهود بعض العلماء الربانيين والمفكرين في هذا الشأن إلا أنه لم يكن لإدراك أهمية هذا الوعي مكاناً في الساحة الدعوية النسائيّة ، بل هي مساهمات ومبادرات خجولة وغريبة عن منهج يختص بتأسيس قاعدة فكرية صلبة تُحفّز مزايا التفكير العلمي السليم ..

حيث اشتملت خطّتها الدعوية على كل ما يرسخ المعلومة الدينية ذات البعد الواحد بشكل مُنفصلٍ عن الأسباب المنطقية الداعمة للإيمان والمُتتمة لمنهج الاستقامة ، فالمواضيع التي تطرَح غالباً في الحلقات والمجالس النّسائية تدور حول ما يشكل ثقافة دينية وشرعية عامة ، وإن كانت تلك الخطة لها دورها الإيجابي في تشكيل وعي دينيّ لا بأس به ، إلا أنها على المدى البعيد كان لها انتكاساتها لاقتصار مناهجها على كل ماهو عام واعتمادها على الكم على حساب النوع ، وخلوها من صناعة النّخب النسائيّة ذات الفكر العميق والمتجدّد ..

نموذجٌ يكاد أن يكونَ الوحيد من نوعه في الساحة الدعويّة النسائيّة  في مجال التوعية الفكرية بدأ في دمشق مع بداية الثمانينات كان له الدور الأكبر في صناعة الوعي التاريخي والسُّنني في بنية العقل المسلم ..

تلك هي حالة اليقظة التي تخرج بها من مجلس الأستاذة ‘ حنان لحام ‘ ولا أعتقد أن الفائدة الكبيرة ذاتها ستُكرّر أو يسهلُ تحصيلها من مجلسٍ آخر ، ويعتبر كتابها ‘ ومضات من التاريخ ‘ الذي تختصر فيه كتاب ‘ قصة الحضارة ‘ لمؤلفه ‘ ول ديورانت ‘ بإضاءات ثريّة المحتوى ، تُعبّد الطريق من خلالها لأي باحث في التاريخ أو علم الاجتماع أو علوم إنسانية أخرى..

ويشكّل كتابها  ‘ هَدي السّيرة النّبوية في التّغيير الاجتماعي ‘ قفزة نوعيّة من بين ما كُتب وصُنّف في السّيرة النبوية الشريفة ، تسلّط  الضوء من خلاله على مسيرة همّها صناعة الإنسان وارتقائه وليس احتقاره واكراهه على الإيمان ، تسلط الضوء على تفاصيل تلك الصّناعة في البيت والمسجد ، مع القريب والبعيد ، مع الطفل والزوجة والصديق ، كيف تمكّن هذا النّبي الخاتم من تغيير مجتمع بأكمله إلا عندما بدأ بمنظومة ‘ الخُلُق العظيم ‘ وفقه المعاملات القائم على العدل والإحسان..

وقد منّ الله عز وجل عليّ بسَبرِ أغوار أغلب التّيارات الدّعوية النّسائية وطلبتُ العلم في مجالسهنّ وكنتُ كثيرة السؤال والاستفسار عن دقائق الأمور ، ومع كثرة فضلهن وجهدهن المشكور في الدعوة إلى الله ، قلّما أجد صدراََ رحباً في استيعاب الأسئلة أو تقبلاَه لاختلاف معين في وجهات النظر مع بقاء الود والاحترام ..

لكن بعد معرفتي بالأستاذة المربية والمفكّرة ‘ حنان لحام ‘ كانت لي وقفة وتجربة مختلفة ، فسعة صدرها وثقافتها وانفتاحها يشدّ كل باحث عن الحق أن يقفَ ويستمع لحوارات واضاءات ومداخلات عالية المستوى في الفهم ومحاكاة الواقع ، وخطاب لا يقتصر فقط على النغمة العاطفية وتحريك القلوب بل هو خطاب يحترمُ العقول ويفتح آفاقها للبحث والمراجعة ..

لا أنكر مالهذا النّمط من الخطابات ضمن مرحلة معينة دوره الفعال من خلال العزفُ على وَتَر العاطفة لدى بعض التيارات الأخرى للتأثير على القلوب واستمالتها وضمان ولائها للمجموعة دون غيرها ، خطاب قد يكون محفّزاََ على الاستقامة والبذل في سبيل رضا الله وطاعته إلا أنه أثمرَ انغلاقاً عميقاً وقوقعةً حول الذات الفانية في المجموعة والتي لا ترى قيمة لها إلا بذلك الفناء ، فإن خطر على العقل خاطر وعيٍ لم يسمح له ليُجيب ، بل على العاطفة التي أُشبعَت بخطابٍ يلائمها أن يصفعَ العقل بكل الأجوبة ويلقّنه درساً في الصّمت والتوبة من التفكير والسؤال ..

ولا شكّ أن النّجاح الحقيقيّ في التبليغ والدّعوة والتأثير يجب أن يبدأ من الأسرة بغض النظر عن استثناءات كثيرة لا يملك المصلح من أمرها شيئاََ ان اختارت لنفسها مسارا آخر ، فاحترام الحرية الشخصية بحد ذاته قد يشكل العامل الأكبر في إيصال الرسالة ، لكن ليست ظاهرة مجتمعية صحية أن نجد المرأة العالمة والمصلحة تزهد ببناء الكيان الأسري بحجّة التفرغ للعلم والدعوة  ، وراغبة عن الميدان الحقيقي والأول للدعوة والإصلاح خاصة مع تعقد الحياة الأسرية حيث  يحتاج الناس أن تكون لهم مرجعية على دراية بالواقع وذات خبرة عميقة في النصح والفتوى ولن يتأتى ذلك ممن زهدن بالزواج ، أو استخففن بحاجة الفطرة للشريك والأنيس والولد ..

لكن مَن يجالس الأستاذة حنان سيجد الأمور على طبيعتها ، فالعائلة بأكملها أساتذة مع اختلاف تخصصاتهم ومواقعهم ، تربية أثمرت  في الداخل قبلَ الخارج حتى على مستوى الأحفاد ، وحياة امتلأت بالعطاء والبذل والعلم والتعليم ، وصدح بالحق في وجه الظلم ومن قلب الميدان ، فكانت قدوة فريدة لنا في كل ذلك ..

لطالما أخذت تلك النماذج الخصبة النيرة نصيبها من  النفع والمكوث في الأرض ، لأن الأنثى الولادة للثمار الطيبة أخذت على عاتقها مسار ولادة أخرى للأفكار ..

أشكر الله عز وجل أني عرفتُ أستاذة دمشقية أصيلة بهذا الامتلاء ، وأسأله أن يبارك في عمرها و علمها وعملها ويوفقنا وإياها لخالص العمل وأصوبه ويتقبّل ذلك منا ومنها إنه حسبنا وولينا ونعم الوكيل والنصير..

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page