نزهة الخاطر بين حدود القرآن وحروفه..عائشة الادريسي
ما أكثر ما يقرأ المسلمون القرآن الكريم ، ما أعظم تنافسهم في حفظه وتلاوته آناء الليل وأطراف النهار ..لكن ذلك لن يكون كافيا ما لم يشفعوه بانفتاح أفئدتهم على معانيه ، وتدبر أحكامه ،والوقوف على إرشاداته وإشارته ..لينصبغوا في حياتهم بقيمه وأخلاقه ومبادئه.. قال الله تعالى : أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ؟
…وكان لي عند بدء إقبالي على القرآن قراءتان : فالأولى كنت أهتم بنطق حروفه على هيئتها الصحيحة، أراعي فيها قواعد الترتيل ، وأجتهد في تطبيق أحكامه ، مع الحرص على الرفع من المقدار المقروء في كل مرة ..وكان يحدث لي أن أتوقف فجأة عن القراءة بصوت عال وأنصرف إلى القراءة بعيني وقلبي طلبا لفهم ما أقرأ ،مثلما أفعل مع كتبي التي أطالعها، وكنت أجدني مشدودة إلى استنطاق الآيات والنظر فيها ، ولذلك كنت في كثير من الأحيان لا أختم قراءة القرآن ، وأتصور أن عمرا كاملا لن يكفي للوقوف على عجائب القرآن وأسراره ..فقررت حينئذ أن أخصص قراءة ثانية للقرآن أجعلها للفهم والتدبر ، والتشبع من روح المعاني الكامنة في نصوص الوحي الإلهي.
آيات كثيرة تستوقفني في كل مرة ..يشدني مبناها ومعناها ..ويذهلني أسلوب طرح القضايا والأحكام فيها ، وعرض الأحداث والأخبار في ثناياها..ومن تلك الآيات آي البقرة ..تلك السورة العظيمة ، التي لا يمكن بحال أن تبرحها حتى تعود إليها ..ولا عجب ، فهذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يأمر بقراءتها ضمن أمره بقراءة القرآن (إقرؤوا القرآن ) ، ثم يخصها بالذكر مع سورة آل عمران في قوله : (إقرؤوا الزهراوين : البقرة وسورة آل عمران )، ثم يفردها بالذكر فيقول : (اقرؤوا سورة البقرة ، فإن في أخذها بركة ، وتركها حسرة ، ولا تستطيعها البطلة )..لا عجب في ذلك ، فإن الذي يتدبر آياتها ويقف على أسرارها ومقاصدها ، ينكشف له منذ الوهلة الأولى أن هذا الكتاب -الذي افتتح بسورة البقرة بعد الفاتحة- يحوي بين دفتيه أقوم منهج للحياة الإنسانية على وجه الأرض..كل ماجاء بعد هاتين السورتين هو إما تفصييل أو تأكيد أو تتمة لما تضمنتاه ..القرآن لن يتركك تمضي إلى سور أخرى لتكتشف عمق هذا المنهج وصلاحيته لبني البشر، لأن واضعه هو من خلق البشر وخلق كل شيء..ستكتشف ذلك من البداية ..فالبقرة – وأعظم بها من سورة- تبسط لك وأنت تتلوها بدء خلق الإنسان وقضية الأستخلاف ، وقضايا البعث و عقائد الإسلام الواضحات البينات، ثم تتراءى لك تلك الأحكام المفصلة، والتشريعات السامية ، والآداب الرفيعة ، التي من شأنها أن تقيم كيان مجتمع وكيان دولة ، وكيان حياة إسلامية واضحة المعالم ، تشع نورا في ليل البشرية المدلهم.
يبهرك هذا التنوع الخصيب فيما تتناوله السورة من مواضيع ،وهذا التناسق العجيب بين المضامين على كثرتها، تنتقل بك السورة من الأصول إلى الفروع ،من العقائد إلى الشرائع، من بناء الفرد إلى بناء المجتمع…من شورى الحاكم للأمة إلى الشورى من أجل رضاع الصغير في المهد ..من صرير السيوف إلى ظلال المساجد ..من لهفة السوق إلى تشوف الروح نحو المعبود ..إنها السورة التي لو لم يتنزل غيرها لكفت الناس ، ولأبلغتهم السؤدد في دنياهم ، والجنة في أخراهم.
في خضم تلك الأحكام المتشابكة في انتظام ، والتشريعات المفصلة بإحكام ، تبرز العناية الإلهية بذلك الإنسان رضيعا في المهد، وقد انفصل الأبوان، وذاك أمر يحدث كثيرا في دنيا الناس، ولكن الخالق يتدخل للإرشاد والتوجيه ، فلا ينبغي أن يهمش حق هذا الضعيف من الناس، وهذه المطلقة لها ما لها من الحقوق وعليها ما عليها من الواجبات ..إن عناية الآيات بأحكام الطلاق في هذه السورة تجعلنا على يقين بأن ما من نظام كفل حقوق المرأة مثلما كفلها القرآن الكريم ..وإنك وأنت تقرأ آيات الطلاق في سورة البقرة تشعر بالروعة والرهبة في آن واحد ..ستة عشر آية كاملة تتعرض للحديث بتفصيل عن حالات فراق الزوجة بطلاق أو وفاة أو إيلاء ، ولا يتوانى القرآن عن الإرشاد إلى كل ما من شأنه أن يحمي المرأة من الظلم ، ويحفظ لها حقوقها المادية والمعنوية، محيطا ذلك كله بهالة من التخويف والترغيب ..
واصلا إياه بعقيدة في القلب، وإجلال للرب جل جلاله،
يفرض المتعة للمطقة ويجعلها حقا على المتقين …حقا على المحسنين:
“ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا معروفا حقا على المحسنين” (البقرة : 236)
“وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين “(البقرة: 242)
فالتذكير بما ينبغي أن يكون عليه المكلف من إحسان وتقوى في جميع أحواله، من شأنه أن يلهم المسلم بالتزام حدود الله عن طواعية ورضى، تعبدا لله ،لا بعصى من القاضي.
ولشدَّما راعني تكرار (حدود الله) في قوله تعالى : “الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ*229فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۗ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ*”230
فعلاقة الرجل بالمرأة تضبطها مجموعة من الأحكام الشرعية ‘ إن اجتمعا فوفق حدود ينبغي مراعاتها ، وإن تفرقا فوفق حدود لا ينبغي تجاوزها، وإن لهذا التكرار وقع في النفس، وإثارة للتدبر في النظام البديع الذي قامت عليه الأسرة في الإسلام .
لا تنتظم حياة المجتمع إلا بانتظام العلاقة بين الرجل سواء في حال الزواج أو الطلاق، ولا استقرار للأسرة بلا استقرار لهذه النفس البشرية التي علم الله مايصلح لها فأصلحها بهذه الحدود ، وشدد على من يتعداها، واصفا إياه بالظلم ..
(..إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ) ، (إن خفتم ألا يقيما حدود الله)..(إن ظنا أن يقيما حدود ) :
إن الأمر عظيم وليس هيّنا كما يُتصوَّر ، فالعلاقة بين الرجل سواء اجتمعا أو تفرقا ليست متروكة لِعبث عابث ، أو لِهوى طائش ، إنها مضبوطة بحدود ، تتمثل فيما ألزمهما الله من حقوق العصمة ، وحسن العشرة ، وجميل الصحبة.
إن آيات الطلاق في سورة البقرة ترشدنا إلى ذلك السلام الذي ينشده القرآن لنا ..فينشئه في نفوسنا وأسرنا ومجتمعنا …متى ما روعيت حدوده وأحكامه ، وتأسست أمورنا كلها على تقوى من الله ، وإلا اضطربت النفوس، وحلَّ الخراب والدمار في البيوت وفي المجتمع ، ومن تجاوز حدود الله فلا ينتهي إلى حد يحده ، وليس بعد الضلال عن سبيل الحق إلا الخسران المبين .