أسطورة(إسرائيل) إلى زوال !!
سكينة العابد
الجزائر
كنت أنوي أن أكتب عن فلسطين: الموطن والتاريخ والقضية، لكنني وبعدما اطلعت على ما كتبه أحد الصحفيين عن الكيان الصهيوني وتكهنات هذا الأخير بالسقوط القادم له غير وجهتي وقادني للكتابة عن هذا العدو الذي تراءى للكثيرين بأنه القوة التي لا تقهر.
فقد نشرت صحيفة هارتس الإسرائيلية مقالا للكاتب الشهير (آري شيت) يعض فيه أصابع الندم على احتلال فلسطين التاريخية قائلا: «يبدو أننا نواجه أصعب شعب عرفه التاريخ، ولا حل لهم سوى الاعتراف بحقوقهم وإنهاء الاحتلال !!”
ومن هنا لم يعد عنوان ( أسطورة إسرائيل إلى زوال) غارقا في الطوباوية أو الشوفينية كما قد يتصور البعض، لأنه لا عجب أن يحدث الانقلاب السياسي أو الكوني الكبير (لإسرائيل) وهي الدويلة اللقيطة، بما أن الصيرورة التاريخية قد أنبأتنا بحدوث ذلك للإمبراطوريات والدول القوية، وبأن قواعد اللعبة العالمية التي ألَهت العدو الصهيوني وحمته وفق معادلات مغلوطة وبانية لمشاريع أحلام في ذهنيات الحكام العرب قبل الشعوب ستهزم من حيث لا تدري..فلا غرابة أن يكون المآل هو السقوط المدوي لأحلامهم الراهنية .
ومن هنا يجب ألا يستغرب المرجفون والخائفون فعندنا من التجارب التاريخية ما يكون مصدرا للتصديق والوعي، فقصص احتلال الصلبيين للقدس لعقود ثم طردهم منها ليست بأساطير للوهم والخداع، بل نماذج ثمرات الجهد والاجتهاد والايمان بالحق المقدس ثم تحويل الحلم إلى أعمال ومنجزات لا يمكن للتاريخ طيها.
وعلى كل حال فقد أنجبت أزمة فلسطين جماهير أكثر وعيا وحكمة في فهم الأحداث والتعامل مع العدو أكثر من الكثير من السياسيين الذين أناطوا بأنفسهم عن نصرة القضية، فكان من المفارقات أن الأحداث جاءت بخلاف ما فكر فيه هؤلاء وسعوا إليه، وهنا يكمن سر عودة حياة القضية وبأكثر قوة.
ثمة نرجسية عقدية يؤمن بها الصهيوني تطغى كثيرا عليه وتزين له هذا الايمان المطلق بأسطورة إسرائيل من النيل إلى الفرات، وهيكل سليمان والأرض الموعودة وغيرها من التوهمات والتصورات التي يتعامل معها بمنطق الدفاع والحراسة والاستبداد.
لأن التاريخ علمنا فيما سبق بأن القوى التي تبنى على الفكرة الخاطئة القائمة على الاستغلال والظلم والقوة المفرطة آيلة للزوال لا محالة مهما طال الزمن، ولنا في القوى الاستعمارية الأوروبية التي سقطت واحدة تلو الأخرى خلال القرن العشرين مثالا جليا لهذا.
إسرائيل ..هذا الكيان الذي اخترق منطقتنا العربية منذ سبعة عقود ويحاول فرض نفسه على دولها كقوة سياسية وحيدة معترف بها على الأراضي الفلسطينية دون أي اعتبار لحقوق الفلسطينيين التاريخية في أرضهم المغتصبة دون وجه حق، قد تبين أنه يدور في حلقة مفرغة لا يخرج منها مهما أظهر عكس ذلك، فخلال هذه العقود الطويلة استخدمت إسرائيل استراتيجيات بربرية عدة لطمس الوجود الفلسطيني، تلويثه وإسكات صوته، بداية من المجازر التي ارتكبت خلال النكبة، ثم أسلوب التهجير القسري المستمر، إلى محاولة إيقاف المقاومة المسلحة الفلسطينية والتي كانت من نتائجه اتفاقية أوسلو سنة 1993م، وصولا الى الفصل بين الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة جغرافيا، وأخيرا محاولة فصل أجزاء الضفة الغربية عن بعضها البعض عبر بناء مستوطنات جديدة بدافع تحويل الأرض والعمران وتهويده.
لكن، وعلى الرغم من ذلك فإن أحداث الحرب الأخيرة قد نسفت العديد من الإنجازات الوهمية التي روج لها الكيان خلال السنوات الأخيرة من خلال اتفاقيات التطبيع مع الدول العربية، وتحويل القضية الفلسطينية الى مجرد مساومة عقارية ومحاولة تفريغها من مضمونها الإنساني والعقائدي عن طريق صفقة القرن التي أعلنها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب وبناء عليها تم نقل السفارة الأمريكية للقدس المحتلة، وكلها أحداث تم الترويج لها على أنها الضمان الحقيقي لاستمرار إسرائيل في المنطقة وتصفية القضية الفلسطينية بوصفها القضية الأولى المقدسة في العالم العربي والإسلامي.
فالتلاحم الكبير الذي أظهره الفلسطينيون خلف المقاومة التي عينت نفسها كحامي للمقدسيين في الشيخ جراح والمسجد الأقصى لم تعرفه الأراضي الفلسطينية منذ النكبة، وبذلك ظهرت معادلة جديدة تفرض نفسها على الكيان والمتمثلة أولا في فلسطينيي الداخل الذين طالما اعتبرتهم كجزء من إسرائيل ولا يشكلون أي تهديد، وثانيا عودة بريق القضية على الساحة الدولية عن طريق الاهتمام الذي أخذته على صعيد الحكومات و المنظمات الدولية، وثالثا الحرب الإعلامية التي خسرتها إسرائيل من خلال تغير الرأي العام العالمي حول (إسرائيل) وممارساتها ضد الفلسطينيين والتي تجسدت من خلال المظاهرات الضخمة التي خرجت في مختلف عواصم العالم كلندن وواشنطن والعواصم العربية كعمان وبغداد، والتعاطف الذي عبر عنه العديد من مشاهير العالم من خلال منصات التواصل الاجتماعي التي أضحت منابر ضغط إعلامي واجتماعي قوي ومؤثر وصانع لواقع وجودي فعال وعابر.
إذن فكل هذه الانتصارات الجزئية والمعنوية في أغلبها مهمة جدا للنضال الفلسطيني ومستقبل القضية الفلسطينية على طريق التحرير الشامل وأدلة قوية على بداية السقوط ..
إن الحرب الأخيرة كانت معول هدم وأداة وتفكيك لكل ما بني في عقود سابقة، فقد من خلاله الكيان الصهيوني وترسانته الإعلامية وثقل حلفائه بروباغندا القوة خلف شظايا صواريخ المقاومة الفلسطينية التي أظهرت هي الأخرى تطورا على المستوى المعنوي والقتالي والاستراتيجي.
إن الكيان الصهيوني لا يكتب اليوم نهاية للأحداث أو للحرب فقط بل يكتب نهايته بنفسه، نهاية للأحلام الملوثة بدماء أصحاب الأرض، وهي نهاية من سعى إلى طمس حقائق وواقع ومصادرة وعي أمة من خلال أطيافه وأحلامه.
أكثر من ذلك، إن نصر المقاومة راهنا نسج أخلاقا سياسية لم تكن من قبل هي صدق المقاومة في خطاباتها وأفعالها وهذا مالم تحققه كل الخطابات العربية السابقة أو خطاب من تبنوا (الحل السلمي) بما ترجم إلى تصديق العدو لكل ما تقوله وتفعله المقاومة وهذا في حد ذاته أكبر من أي نصر ميداني إنه النصر المعنوي والنفسي.