تمهيد
تعتبر التربية الوظيفة الأساسية في الوجود الانساني والمقصد الرئيس من قيمة هذا الوجود، لأنها تتعلق بالحفاظ على مستوى القيم الضامنة بالأساس للعلاقات الانسانية من خلال التفاعل الايجابي والتكامل الفعال.
وهذه العلاقات تبنى على التربية كرؤية في التوجيه ورسالة التهذيب ومنهج في التعليم وهدف في التكوين واستراتيجية في صناعة الانسان وبناء المجتمع.
فالتربية اذن:” عملية عامة، لتكييف الفرد، ليتمشى ويتلاءم مع تيار الحضارة الذي يعيش فيه. وبهذا تصبح التربية عملية خارجية، يقوم بها المجتمع لتنشئة الافراد، كي يسايروا المستوى الحضاري العام”[1].
وقد كانت المجتمعات المتقدمة تبنى أساسا على المعرفة والقيم والنظم، ولا يتحقق ذلك إلا من خلال التربية التي جعلت من مدخلات المعرفة ورؤى القيم ومناهج النظم كاستراتيجية ثابتة في مؤسسات التنشئة الاجتماعية.
في هذا الصدد يشير عبد الدايم: «إلى أن الفلسفة العامة للتربية في دول أوروبا الغربية المتقدمة تحتل القيم مكان الصدارة في المناهج التعليمية في جميع مراحلها مثل قيم الفكر النقدي الحر، وقيمة حب العمل والابتكار والإنتاج، وقيمة الإيمان بالعلم[1]).
ويعتبر الاعلام من مؤسسات التنشئة الاجتماعية ومنأهمها، وهو ” العملية الاجتماعية، التي يتم بمقتضاها تبادل المعلومات، والآراء، والافكار بين الافراد او الجماعات داخل المجتمع، وبين الثقافات المختلفة، لتحقيق اهداف معينة” [2].
وله خصوصية متميزة باعتبار:
- امكانية وضع برامج ومناهج تربوية.
- الاستفادة من مستويات التأثير.
- التركيز على الرؤية القيمية في مقابل السلوك التسويقي.
- تنوع الاشكال الاعلامية التي يمكن استغلالها تربويا.
- استيعاب الاعلام بكل وسائله للأنماط البشرية والانظمة التمثيلية.
- ظهور مستويات جديدة في التعامل مع الاعلام: التفاعلية والتزامنية والتشاركية.
الى غير ذلك من خصائص الاعلام وابعاده التي تجعل منه مؤسسة تربوية من خلال المدخلات
والمخرجات ونوع العملية.
أولا: التربية الإعلامية رؤية ورسالة
إن رؤيتنا للتربية الاعلامية لا تتوقف عند تنوع الاشكال والانواع الاعلامية الموجهة لفئات المجتمع؛ بل تتعدى الى رؤية شاملة وفق فلسفة ورؤية ومناهج وأهداف.
وبذلك”يكون محصلة عمليات معرفية، ونفسية، واجتماعية عديدة، تختلف في تأثيرها من فرد الى آخر، أو من جماعة الى اخرى، مما يؤدي الى حدوث التأثير بنسب متفاوتة، بين الافراد الذين يتلقون التربية الاعلامية”[3] .
فانحصار العملية الاعلامية في السبق الاخباري والترويج الاعلاني والسلوك الترفيهي فقط عطل المشروع التربوي الاعلامي الذي من المفترض أن تقوم به المؤسسات الاعلامية.
وكنت دائما أقول: أن الاعلام هو المؤسسة الوحيدة للأسف التي لا تحتوي على برامج تربوية ثابتة، في مقابل باقي مؤسسات التنشئة الاجتماعية، ونؤكد هذا الكلام لأن الكثير من الدراسات تشير أن الفرد يبقى ساعات طوال مع الإعلام بكل وسائله ووسائطه قد تفوق ما يقضيه في الأسرة والمدرسة والمسجد وباقي المؤسسات.
وهذا مؤشر مهم يدفعنا للاهتمام بالتربية الاعلامية من خلال:
- وضع برامج تخدم المنظومة التربوية العامة للمجتمع.
- تدخل سلطة الضبط لمراقبة البرامج وفق مشروع المجتمع.
- تكوين القائمين بالاتصال على أساس بيداغوجي.
- اعتبار القيم المنطلق والأساس في العمل الاعلامي.
- الاهتمام بالمراحل العمرية الأاولى في صناعة البرامج والاشكال الاعلامية.
- المشاركة الإيجابية والفعالة في مكافحة الآفات الاجتماعية من خلال البرامج التي تبحث عن الأسباب
وليس بالضرورة التركيز على خبر الجريمة الذي يؤدي بالضرورة إلى انتشارها.
- توسيع دائرة اهتمام الجيل بوسائل الإعلام ووسائطه في بناء البرامج ليتحول من متلقي سلبي إلى مرسل إيجابي.
وهنا يشير فتحي ملكاوي على “تبني الإعلام في مضمونه للقيم الحضارية في السلوك الاجتماعي، وما تضمنه من معايير، وللقيم الحضارية في السلوك الاقتصادي، وما تقتضيه من ضوابط، وللقيم الحضارية في السلوك السياسي، وما يرافقها من أنماط التعامل، ومدى الاتساق بين السلوك في هذه الأبعاد وغيرها من جهة، وطبيعة الإعلام ومفرداته وأسلوب أدائه من جهة أخرى كل ذلك لا بد أن يكون عناصر أساسية في الإعلام الحضاري”[4].
فالتربية الإعلامية والقيادية تقوم على أساس نظرية الشهود والاستخلاف الإنساني التي تتحقق من خلال:
- خطاب الفطرة.
- رسالة القيمة.
- فعالية الإيمان. وهذا من جهة ومن جهة أخرى يجب أن نفكر جديا في أهمية التربية الإعلامية باعتبار تكنولوجيا الإعلام والاتصال ليست متغيرا دخيلا عن المعادلة الاجتماعية، بل هي متغير أساس في عملية التغير الاجتماعي. وبهذه النظرة نحقق نقطة انعطاف هامة في بناء رؤية مشروع المجتمع، الذي يتحقق بالمعرفة والقيم والنظم.إن المتتبع للخطاب التربوي والتوجيهي – تشخيصا وتحليلا- في مؤسسات التنشئة الاجتماعية خاصة في الأسرة والمسجد، يلاحظ المفارقات التالية:
- اعتماد على الوعظ والتلقين بدل من الإقناع والإلهام.
وذلك أن مجموع المواد المقدمة في البرامج التربوية والتوجيهية تركز على الوعظ، الذي هو مدخل فقط في العملية التربوية. والواجب الارتقاء إلى مستويات التأثير والإقناع، المؤدية بالضرورة لترسيخ القيم.
- التركيز على الأوامر والتوجيهات المباشرة (الفقه الائتماري) بدلا من الاستيعاب والارتقاء الإيجابي (الفقه الائتماني).
تميز فكر طه عبد الرحمان بهذا البراديغم المنفرد، باعتبار متابعته لمنظومة الأحكام الفقهية المقدمة في العملية التعليمية والتربوية، أنها غالبا ما تركز على الأوامر – لهذا سماه الفقه الائتماري – بدل من التركيز على الأمان النفسي والاجتماعي للفرد – لهذا سماه الفقه الائتماني -،وهذا هو الأصل في المنهج النبوي.
- المبالغة في علاج الظواهر السلوكية بدل من معرفة الأسباب والجواهر.
إن المتتبع لتفاصيل العملية التربوية وأنواع الخطابات الدينية يلاحظ التركيز على الظواهر السلوكية وإهمال المعالجة الحقيقية لأسباب هذه النتائج وجواهر هذه الأعراض.
- الاضطراب في التعامل مع تكنولوجيا الإعلام والاتصال، بدل من تحويل المتلقي السلبي إلى صناعة المرسل الإيجابي.
ذلك إنني اعتقد أن معالجة ظاهرة الإدمان على الإعلام الجديد ووسائطه لا يكون إلا من خلال مرافقة ذكية، بتحويل المدمن من متلقي سلبي إلى منتج ومرسل إيجابي، أي مرافقته لإنتاج مواد وبرامج وألعاب. وبذلك فقط يدرك الموقع السلبي الذي تحول منه.
- ارتباك في مفهوم التربية واعتماد التربية النمطية بدل من التربية القيادية.
أرى أن التربية مقامات ومستويات وليست بالضرورة توجيهات وأوامر، ذلك أن التربية بالقدوة في سبع السنوات الأولى والتربية بالحوار بعد السبع السنوات الثانية، ثم تأتي التربية بالقيادة كاستراتيجية في التعامل مع الطفل والشاب.
- الخلط بين “المراهقة” كمسمى ظهر في البيئة الغربية، والمصطلح القرآني” الفتوة”.
المراهقة في تصوري تفسير سلبي للظواهر الفيزيولوجية والسلوكية التي يمر بها الفتى، والأصل أنها نقطة انعطاف يجب التعامل معها بالأبوة المعرفية القيادية وليس بالأبوة البيولوجية النمطية.
ويرجع سبب كل هذه المفارقات السابقة إلى سوء فهم منظومة القيم وكيفية الاستفادة منها في التنشئة النفسية والسلوكية والاجتماعية، التي تتطلق أساسا من فكرة أساسية:
“وراء كل سلوك معتقد”
لهذا جاءت فكرة هذه الورقة العلمية للمقاربة بين السلوك والمعتقد من خلال اقتراح نسق التربية الإعلامية والقيادية للطفل والشاب.
وتنطلق التربية من الاستراتيجيات التالية:
- اعتبار التربية مرافقةcoaching، وليس بالضرورة تعليم Learning، والاهتمام بالتدريب training في كل مناحي الحياة.
- اكتشاف ذات الطفل والشاب بطريقة ذاتية من خلال الحوار والعصف الذهني.
- اعتبار الفتوة مرحلة عمرية يتحول الطفل من الاحتماء بسلطة رب البيت الى التحرر في عالم سلطة رب الكون. في هذه المرحلة قد يضطرب الآباء في التعامل معه خوفا أو حبا أو جهلا فيتمرد على سلطة رب البيت وربالكون، وهذا الذي يفسر سر هذا الانقلاب السلوكي عند من يسمون بالمراهقين.
- ضرورة صناعة الوعي من خلال القيادة المعرفية،باعتبار أن تعريف الخوف هو الجهل.
- اعتماد المرسل الإيجابي في التعاطي مع الإعلام الجديد خاصة بل من التلقي السلبي.
[1]– أحمد زكي بدوي، معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية بيروت : مكتبة لبنان، 1977م، ص127.
[2]-عبد الدايم عبد الله، مراجعة استراتيجية تطوير التربية العربية، المستقبل العربي، العدد (85)، 1986، ص 76-97.
[3]محمد عبد الحميد، نظريات الإعلام واتجاهات التأثير. ط1، القاهرة: عالم الكتب، 1997م، ص21
[4]المرجع السابق، ص30
[5]انظر ملكاوي فتحي، “الخطاب الإسلامي الحضاري”، مجلة أفكار، عدد 1242، (1996م)، ص 33.
مقال راقية وقيم للغاية جزاك الله خيرا، لكن كيف السبيل ابتداء إلى إيصال هذا المفهوم ابتداء إلى أذهان المربين والآباء، يعني الجهد الأول هو الوصول إليهم وتبليغهم هذا المعنى القيمي التربوي الراقي.
جعلها الله في ميزان حسناتك