حصريا

مواقع التواصل الإجتماعي الخطر الداهم على الأسرة والعلاقات الإجتماعية-رقية رقاز-الجزائر-

0 729

مواقع التواصل الاجتماعي.. الخطر الداهم على الأسرة والعلاقات الاجتماعية

 

  • رقية رقاز

تعيش البشرية اليوم ثورة علمية وتطورا تكنولوجيا يمثل القناة التي تُنقل من خلالها المعرفة والأفكار والثقافة، والفُرصة الأمثل للتقارب بين شعوب العالم وتبادل الآراء والرغبات والخبرات. ولا يمكن بحال المحافظة على المفاهيم والعلاقات الاجتماعية نفسها خاصة في ظل سطوع نجم مواقع التواصل الاجتماعي التي صارت بحق ملجأ المجتمعات؛ لسرعتها وسهولة استخدامها وتلبيتها لرغبات مختلف الفئات العمرية. وساهم الإعلام الرقمي في نقل الإعلام إلى آفاق جديدة وأتاح لمستخدميه فرصا للتأثير والتأثر والانتقال عبر الحدود دون رقابة ولا قيود.

والعائد من هذه المواقع نوعان؛ الأول ما وُضعت له -وما لا يمكنني إنكاره- وهو تقريب المسافات وإلغاء عنصر المكان ونقل الثقافات بين المجتمعات بالصوت والصورة، مع محاولة إنشاء علاقات اجتماعية هادفة وفتح مجال التواصل النافع[1]. ثم نتج نوع ثانٍ مخالف لما هدفوا إليه من جهة، ويخدم من جهة أخرى أهدافهم السرية التي يغفل عنها المستخدم المسلم المولع بالتقليد والاستيراد المطلق دون غربلة؛ فيقع في شرك سموم هذه المواقع، لتبدأ عملية تدمير البناء الاجتماعي الأسري وانهيار العلاقات الزوجية.

  • خطر مواقع التواصل الاجتماعي على الأسرة

خَلقت وسائل التواصل الاجتماعي عالما افتراضيا حجّم التفاعل الاجتماعي الواقعي، وبدأ يتوجه نحو تحقيق ظاهرة تفتيت الجماهير (Demassification)[2]، وساهم في تأجيج المشاكل التي تستهدف الأسرة بصفتها نواة المجتمع واللبنة الأولى في تأسيسه، تقع على عاتقها مسؤولية التنشئة الاجتماعية للأبناء وتأهيل أفرادها لأداء أدوارهم بالأسلوب المناسب؛ وإذ بمواقع التواصل الاجتماعي اليوم تسعى لفصل الأسرة عن المجتمع الأكبر، وتقف بوجه وجودها بضرب العلاقات الاجتماعية داخلها وتبديل القيم السّائدة والمتوارثة عبر الأجيال، فسيطرت المنفعة والمصلحة الذاتية وهُدمت عدة قيم مما يُعتمد فيها التواصل اللفظي بين الأفراد أو هي بالكاد تُذكر كالتعاون والتسامح. الأمر الذي أخرج لنا أسرة فقدت طبيعتها التقليدية.

تمادت هذه المواقع في محاربة الأسرة داخل مجتمع بالكاد يرعى الشباب، فلا يهتم بتقوية الوازع الديني لديهم ولا بتوفير فرص الترفيه والتسلية، مع انتشار البطالة وضعف البنى التحتية، كل ذلك ساعد مواقع التواصل الاجتماعي على مُزاحمة الأسرة في تنشئة الأبناء، وأعدمت فُسح التخاطب والحوار بين الآباء والأبناء، فقد أصبحت نمطا من أنماط استغلال أوقات الفراغ؛ إذ إن الأبناء يُمضون أوقاتا تساوي أو تفوق الأوقات التي يقضونها مع أهلهم. ودعمتهم للتخلص من السّلطة الأبوية والمجتمعية؛ ما أدى إلى غياب القدوة والمُثل الأعلى عند الشباب المسلم؛ إذ صار آباؤهم مملين في نظرهم. وقد فشلت الأسرة للأسف في مقاومة الغزو المعلوماتي ما أدى إلى فقدان الشباب عنصر الهوية والعادات والقيم والأخلاق، ولم تستطع أن تنقل إليهم ثقافة المجتمع المسلم. وفي المقابل وفّرت لهم التقنيات الحديثة ما يفضلونه من ألعاب وأفلام ومواد أخرى تدفعهم إلى الخوض في عالم الجريمة والإباحية، وتتضح نتائج خدماتهم جليّة في أُسَرنا اليوم وقد ارتفع معدل الجريمة حتى داخل الأسرة الواحدة وبأساليب بشعة.

كما تُساهم هذه المواقع الافتراضية في إضعاف الرقابة الأسرية على الأبناء[3] ما يساعد في تحقيق التفكك الأسري بتراجع عملية الضبط الاجتماعي، إضافة إلى فقدان الأسرة سيطرتها الفعلية والقانونية على أبنائها بصفتها قيودا تمّ التحرر منها فشاع التمرد بدعوى تحقيق الذات[4].

ولا يمكننا تجاهل تأثير هذه المواقع على الصحة النفسية خاصة عند المدمنين عليها فهي تعمل على نشر العزلة الاجتماعية. وساهمت في الإصابة بأمراض نفسية تُنهك الصحة العقلية والجسمية للأفراد. وساهمت في خلق شعور الاغتراب داخل الأسرة؛ حيث لا يشعر الفرد بانتمائه إلى أفراد عائلته التي لا تشعر به ولا تهتم لأمره أو لأحلامه وأهدافه في الحياة وبأنه لا قيمة له، وبالتالي يفقد حماسه وتفاعله مع أهله ويتخلى عن طموحاته[5] بسبب الخمول وعدم الرغبة في الإنجاز أو تحقيق الأهداف، ويتحول من فرد فعّال في المجتمع إلى عالة.

لهذا نجد أغلب الدراسات الاجتماعية والنفسية تشير إلى عواقب الإدمان على مواقع التواصل الاجتماعي؛ حيث إنها تُفقد الفرد حريته التي توهمه بامتلاكها، وتعزله عن أهله وتؤجج داخله الشعور بالوحدة مع أنها تجعل العالم كله بين يديه افتراضيا، فضلا عن فقدانه روح المسؤولية العاطفية بين أفراد أسرته بالرغم من أنها تعمل على تعزيز العلاقة الحميمية بين مستخدميها.

وبما أن القيم هي التي تضبط سلوكياتنا وأفعالنا، والأسرة خسرت مسؤولية غرس هذه القيم والمبادئ في أبنائها في مراحل مبكرة من أعمارهم أمام سطوة مواقع التواصل الاجتماعي، ظهرت الآثار السلبية في الأزواج مما ولّد ظاهرة الطلاق المبكر[6].

  • خطر مواقع التواصل الاجتماعي على العلاقات الزوجية

إن مواقع التواصل الاجتماعي أرض خصبة توفر لمستخدميها مساحات واسعة من الحرية في التواصل مع فئات عديدة من الناس، وقد صيَّرت الحرام والممنوع حلالا مُستساغا. ونتيجة الإفراط وسوء الاستخدام شهدت المجتمعات الإسلامية ارتفاعا في نسبة الطلاق بسبب تزايد حدة الخلافات الزوجية، ونظرا لما تُتيحه من منافذ لتكوين علاقات جديدة بأسهل الطرق وفي كل وقت.

أضحت مواقع التواصل الاجتماعي مسرحا لإفراغ المكبوتات النفسية والجنسية والمشاكل المادية، إلى درجة المبالغة في كشف أسرار الحياة الشخصية والأسرية والعلاقات الحميمة، ما أدى إلى فتور العلاقات الزوجية؛ إذ أصبحت هذه المواقع من أسهل الوسائل المستخدمة لممارسة الفاحشة أو مشاهدة المحتوى غير الأخلاقي الذي مآله إلى الخيانة الزوجية وغالبا ما تبدأ تصويرية لا جسدية[7]، وفي كثير من الحالات يدخل الشخص في محادثة عادية وليس في ذهنه إيجاد شريك أو خيانة شريكه، وتبدأ المحادثة بريئة ليس فيها نوايا سيئة لكن سرعان ما تتطور وتزلزل العلاقة الزوجية وتعكر الجو الأسري بعد انتشار الصمت الزوجي، وفقدان المسؤولية الجنسية لشريك الحياة، وانغماس الزوجين أو أحدهما في حياته الافتراضية مما يؤدي بلا ريب إلى إهمال الأسرة وشؤونها، وإثارة الغيرة والشك. وتتأثر الزوجات المدمنات على مثل هذه المواقع بحياة “المؤثرين” فترفض تقبّل واقعها، وتنهك كاهل رب الأسرة بالمصاريف الإضافية المتزايدة يوما بعد يوم. ولِكل ما سبق دورُه في تفاقم ظاهرة الطلاق.

الحياة الخاصة في العلاقات الزوجية المطمئنة غير سرية، واليوم يعيش الأزواج المسلمون حالة ضياع بين ما تؤصله الشريعة الإسلامية من مبادئ، وما فُرض عليهم من واقع يدعوهم إلى المطالبة بالاستقلالية وعدم التدخل في خصوصيات بعضهم البعض، فبمجرد ظهور بوادر الخلافات يحاول  كل طرف التمسك بحقوقه تجاه الآخر، وهذه الخصوصيات تتمثل في الغالب في المحادثات الخاصة، ونشر الصور الشخصية أو تبادلها، وإخفاء كلمة السر للحسابات إلى غير ذلك.

وقد يلجأ الطرف الذي يشعر بريب تجاه شريكه إلى مراقبة محادثاته لإيجاد تفسير لتغيره في المعاملة معه، وربما لإيجاد دليل يصلُح استخدامه ضده لدفعه إلى التسليم بطلباته[8].

والشريعة الإسلامية حفظت للإنسان خصوصياته، فلم تُجِز التجسس على الغير بمجرد الظنون والأوهام التي تكون في الغالب ابتغاء إشاعة الفاحشة، يقول تعالى: {يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمٞۖ وَلَا تَجَسَّسُواْ}[9].

الواقع اليوم يحكي بصدق مآل الأسرة المسلمة في ظل الانغماس في مواقع التواصل الاجتماعي، فقد بردت أركان البيوت، وسادها الصمت المخيف، وانطفأ بريق بيت الجدين وخفتت ضحكات الأحفاد، وصنعنا بأيدينا مقابر أهلها أحياء، تجمع بين حجراتها أرامل ويتامى الأنترنت.

 

[1] ) ينظر، رقية لقلوق، ياسين قرناني: (مواقع التواصل الاجتماعي والعزلة الاجتماعية من وجهة نظر مستخدمي موقع الفيسبوك) مجلة العلوم الاجتماعية، مج: 16، ع: 01 (2022) ص: 467

[2] ) ينظر، محمد جدي: (أثر استخدام مواقع التواصل الاجتماعي (فايسبوك) على العلاقات الأسرية) مذكرة تخرج ضمن متطلبات نيل شهادة الليسانس، نخصص: اتصال، جامعة آكلي محند أولحاج – البويرة (2020) ص: 32

[3] ) ينظر، زينب فلاح حسن، موح عراك عليوي: (وسائل التواصل الاجتماعي وعلاقتها بزيادة ظاهرة الطلاق -دراسة نظرية تحليلية-) مجلة جامعة بابل للعلوم الإنسانية، مج: 26، ع: 09، (2018) ص: 166

[4] ) ينظر، حسام عبد المنعم إبراهيم: (تأثير العولمة على آليات التماسك والتفكك في الأسرة المصرية -دراسة ميدانية متحضرة-) أطروحة دكتوراه، جامعة المنصورة، كلية الآداب (2006) ص: 234-235

[5]) ينظر، محمد جدي، المرجع السابق، ص: 36

[6] ) ينظر، جبريل بن حسن العريشي، سلمى بنت عبد الرحمن محمد الدوسري: (الشبكات الاجتماعية والقيم -رؤية تحليلية-) ط: 01، الدار المنهجية، القاهرة (2015) ص: 101-102

[7] ) ينظر، محمد عبد الفتاح محمد: (ممارسات الخدمة الاجتماعية مع مشكلات الأسرة والطفولة) ط: 01، المكتب الجامعي الحديث، القاهرة (2012) ص: 82

[8] ) ينظر، بدر الدين حميدان، حفيظة مبارك: (الخصوصية بين الزوجين في ظل مواقع التواصل الاجتماعي -دراسة ميدانية-) مجلة المعيار مج: 24، ع: 52، (2020) ص: 527

[9] ) [سورة الحجرات: 12]

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page