حصريا

أم موسى عليه السلام.. أمران ونهيان وبشارتان-د. سهام داوي-الجزائر

0 841

أم موسى عليه السلام.. أمران ونهيان وبشارتان

سهام داوي

امرأة كانت جريمتها أنها وضعت ولدا في عصر فرعون.. وما أدراك ما الولد في وقت كان يُقتل فيه الغلمان.. خوفا على العرش، وفزعا من نبي تلوح تباشيره في المكان.. أما ابتلاؤها فكان وضع الرضيع في تابوت يوصله إلى قصر فرعون بأمان.. حيث يتربى، وحيث يشبّ، وحيث يعيش إلى أن يقضي على جبّار ذلك الزمان.. ولكنها لم تكتو كثيرا بالحرمان.. فمع قسوة الأمر جاءتها البشرى، وأشبعت نهمها من الحنان بلطف من الرحيم المنّان

وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ” (القصص:7)

*********

كانت ستبقى امرأة عادية لا تكاد تُذكر أو تُعرف.. ولكن الجنين المتململ في بطنها خطّ لها مع التاريخ موعدا، وجعل لها فضلا لا يتكرّر كثيرا في النساء.. تلك هي أمّ موسى عليه السلام التي عاشت في عصر فرعون الجبار، ونالها ما نال قومها من بطشه، وظلمه، وتماديه في التنكيل ببني إسرائيل خوفا على عرشه الذي هدّدته رؤيا منامية بالزوال.. حيث تقول الرواية إنه رأى في منامه رؤيا أفزعته، “فدعا الكهنة والسحرة، والمعبّرين والمنجّمين، فسألهم تأويل رؤياه، فقالوا: يولد في بني إسرائيل غلام يسلبك الملك، ويغلبك على سلطانك، ويخرجك وقومك على أرضك، ويبدّل دينك، وقد أظلّك زمانه الذي يولد فيه”[1]

إنه الفزع .. إنها العاصفة القادمة.. والحلّ في ذهن الظالم أحلك من الظلام، لا صبر ولا انتظار، بل إبادة جماعية لكلّ مولود ذكر اجتثاثا للخطر المحدق من جذوره.. ولا أسهل من ذلك في عرف الجبابرة المدّعين مقام الربوبية على الخلق.. مجرّد أمر وينتهي الأمر.. اقتلوا الصبيان.. جنّدوا القوابل من النساء في أنحاء المملكة لقتل الفتنة في مهدها.. لا تغفلوا عن كلّ بطن بارز.. فلربما أخفى في أحشائه القنبلة الموقوتة.. لا رحمة.. لا شفقة.. يموت جيل، ويدوم عرش فرعون.. “إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ”(القصص:4)

وبدأت الإبادة، وسالت دماء الرّضع بلا رحمة، ما من مولود ذكر إلاّ ويُمحى منه الأثر، يستهلّ باكيا، فيتبعه نحيب الأمّ المكلومة بلا ذنب أو جرم يٌعقل.. فتكتوي المبتلاة، وتتوجّس المقبلة على الوضع ممّا ينتظر وليدها من الموت المحتّم إن كان ذكرا حتى ولو لم يكن فيه دليل على أنه النبي المنتظر.. وقُتل في أعقاب تلك الرؤيا من الصبيان سبعين ألفا[2]، قطفا لبراعم لم تزهر.. فعاشت أم موسى الخوف والهلع، وعانت ويلات ما ينتظرها بين يدي مخبري فرعون الدين يجتهدون في تعيين الأهداف، وينتظرون اليوم الموعود لينفّذوا ما يظنون أنه يحول دون نفاذ القدر..

لم يكن الذكر موسى ليقضي فوق حقه داخل أحشاء أمّ تودّ لو أنه لم يكن، ولم يولد، فقد جاء المخاض في موعده، وهلّلت تباشير مولده، وكان الألم على هذه المرأة أضعافا بتواطؤ رحم يعتصر للفظ الأمانة، وقلب يتفطّر توجّسا من المصير المحتّم إن كان ذكرا، وحتما سيكون ذكرا، لمشاعر ملأت عليها نفسها بذلك، أو ربما رؤيا مبشّرة هيّأتها لذلك، وحلّت بها العناية بتسخير قابلة بها رحمة، وقوة، وقدرة على عصيان الأوامر، فقد ولّدتها خلسة، ووعدتها الكتمان، على أن تحتال لابنها، وتخفيه عن الأهل والجيران، فلا أمان في أحد، ولا رحمة ينتظرها الولد، ولكن العيون كانت بالمرصاد، فشوهدت القابلة تخرج من البيت، وعُرفت الأسباب، وما هي إلاّ هبّة لاستكشاف الأمر حتى بادرت النفساء المرعوبة إلى وضع الوليد الملفوف بخرقة في التنّور هلعا بلا شعور، عسى جوفه الملتهب يكون ارحم عليه من سيوفهم المصلّتة، حتى إذا ما دخلوا عليها لم يجدوا الأثر، وقنعوا بما موّهت به من الخبر، حيث ادّعت أنّ القابلة من صويحباتها، وكانت تزورها على نحو لا يدعو إلى الريبة وليس ممّا يخشونه من الخطر. حتى إذا ما انصرفوا هرعت تبحث عن الروح المدسوسة في قلب التنور، فوجدتها سالمة معافاة، وأعطيت الإشارة بأنّ الحماية أكبر منها بكثير، فسهلت عليها بعدها الاستجابة لإلهام جاءها من السماء:”وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ”(القصص:7)

والوحي هنا ثابت المصدر، إذ هو من الله تعالى القاضي بأن تحمل النبي الموعود، أمّا الطريقة ففيها نظر، حيث تنوّعت طرق الوحي إلى أنبياء الله تعالى تكليما، ومن خلال الملك، أو بالرؤيا، ودخل معهم الأصفياء فيها، إلى جانب ما ينفث في الروع، “لكن هل الوحي إلى أمّ موسى كان نفثا في الروع وإلهاما؟ يجوز. وهل كان بواسطة رؤيا؟ يجوز. وهل كان بواسطة ملك كلّمها وأرشدها إلى هذا الفعل؟ المهم أنّ الذي أوحى بذلك إلى أمّ موسى هو الله سبحانه وتعالى”[3]

ولقد أبدع (سيد قطب) كعادته وهو يستنطق الحالة، ويعبّر عن الهواجس البشرية بما يقرّب المشهد ويستحضره، فيقول:” وها هي ذي أمّه حائرة به، خائفة عليه، تخشى أن يصل نبؤه إلى الجلادين، وترجف أن تتناول عنقه السكين، ها هي ذي بطفلها الصغير في قلب المخافة، عاجزة عن حمايته، عاجزة عن إخفائه، عاجزة عن حجز صوته الفطري أن ينمّ عليه، عاجزة عن تلقينه حيلة أو وسيلة.. ها هي ذي وحدها ضعيفة مسكينة.. وهنا تتدخّل يد القدرة، فتتصل بالأم الوجلة القلقة المذعورة، وتلقي في روعها كيف تعمل، وتوحي إليها بالتصرّف..”[4]

لقد وضعته بيدها في ما سماه القرآن الكريم (التابوت)، كان صندوقا جعلت فيه قطنا، ثمّ أرضعت وليدها حتى شبع، وترك الثدي خالدا إلى النوم، وسلمته لقدره على صفحات اليمّ .. وما اليمّ المقصود إلاّ نهر النيل الذي اشتهرت به مصر، ونسجت حوله عبر القرون الأساطير.. أمّ ويمّ وبينهما رضيع ضعيف لم تكد تفرح به.. مواجهة قاسية مع قلب يتفطّر ألما، وعقل يبحث عن أخفّ الضررين..

نال الوليد جرعته الأولى من حليبها، واستبعد سريعا من حضنها، خوفا عليه، وحماية له، إلى حيث لا يظهر أنه سبيل للحماية، وعهد الناس الأشداء به أنه الموت المحتّم، إلى اليمّ الذي سارت أمواجه بصغير في المهد، سلّمته الأمّ الخائفة لرعاية أكبر منها، ومصير لا تعلمه، لكنها تلبي في الصنيع إلهاما خفياًّ، “ولنا أن نتمثّلها وقد لبثت في مكانها على الشاطئ لا تكاد تقوى على مغادرته، وقلبها يعدو في أثر ذاك الذي مضى.. وافتقدتها ابنتها (مريم) فجاءت تلتمسها هناك، وقادتها في رفق عائدة بها إلى الدار.. وأنزل الله سكينته عليها:”وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ“(القصص:10)”[5]

فكما هي عاطفة الأمهات، وكما هو الجزع على إبعاد الرضيع عن أمه حتى ولو لم يكن قد مات، حزنت أم موسى، وأصبح فؤادها فارغا، وهجمت عليها جملة من المشاعر القاسية ندما ربما، وخوفا عليه، وحنانا إليه، وفي حالتها تلك كانت ضعيفة واهنة، فهي لم تزل نفساء، لا تستطيع سعيا في الأرض، ولا تحمّل المشقّة والعناء، فما كان منها إلاّ أن انتدبت ابنتها لتستطلع وتتتبع ما أمكنها من أثر أخيها، عبر تجاه أمواج البحر، ومظان وصول التابوت مدفوعا بها إن بقي طافيا ولم يغرق.

كانت أوقاتا عصيبة وقاسية، لم تهنأ فيها أمّ الولد بوليدها الجديد، ولم تفرح كما يكون عليه حال كلّ مكرمة بوليد، فاستبقت الوضع بالتوجس، وتأجّج بمقدمه الخوف على حياته، واحتارت في أمره وكيف تكتم أمره، فلما انعدمت الحيلة معنا وضعته على صفحة يمّ هو عندها أهون الضررين، وألطف القدرين، فلربما ينجو بدل أن يُقتل أمام عينيها، ولربما يستنشق أنفاسا إضافية في الحياة حتى وإن كان مصيره الموت غرقا أو افتراسا من الحيتان، فذلك عندها أرحم من فصل رأسه بسيف جندي جبان، لا تأخذه به رحمة الإنسان.

أما الطفل المحمي بقدرة الله تعالى فقد مضت به الأمواج حتى انتهت إلى روضة عند قصر فرعون كانت مستقى لجواريه ــ كما يقول الإخباريون ــ وما كدن يرين التابوت الراسي بالجوار حتى سارعن إليه واستكشفن أمره، لكن لم يكن من صلاحياتهنّ فتحه.. ففي الداخل السيدة التي يُحصى عليهن كلّ نفس عندها، ويُرفع كلّ أمر إليها.. ولا أعجل من هذا الأمر ليوضع بين يديها ولها أن تفتح وتستطلع.

فتح التابوت بين يدي (آسية) امرأة فرعون، وكان المنظر مدهشا، وغير متوقّع، فالتوابيت الملقاة على الشواطئ تحمل عادة يعض الكنوز النقدية أو التوثيقية، ولم تحمل أبدا رُضّعا من قبل.. وكيف لروح أن تصمد في هذه الظروف .. داخل صندوق، وفي عرض نهم النيل العظيم.. ولكنها العناية، مصدر الدهشة التي أخذت كلّ المطّلعين على هذا الوجه النبوي المبارك، وما هو إلاّ أن فتح عينيه في (آسية)، ورمقها ببراءته حتى أسرها، وتمكّن من قلب خالٍ من مشاعر الأمومة، فإذا بها تحنّ، وتعطف، وتحبّ هذا الوافد المقدّر الذي لم تطاوعها نفسها للتفريط فيه، وتحدّت القانون الفرعوني الصارم لتطلب في تودّد الزوجة من فرعون أن يهبه لها، ويملأ عليها الفراغ به، عساها تتدارك معه وبه ما فاتها من متعة الأمومة التي لم تعوّضها عنها كنوز فرعون، وجاه فرعون، ومقامها في القصر الفرعوني.

لقد تمسّكت (آسية) بالطفل، فكانت طوق نجاة له من الذبح المؤكّد، وعمى الله تعالى منهم البصيرة فجعلوه الاستثناء وهو عين البلاء المحدق بهم. ولكن الصغير أُلهم بعد النظرة الخاصة التي أسرت قلب السيدة الأولى في القصر أمرا آخر جعله يعود من حيث لا يشعرون إلى أحضان السيدة الأولى في حياته، وهي الأم التي فارق أحشاءها لتوّه، فبكى رغبة في الرضاعة على ما يكون من حديثي الولادة، وجيء بالمرضعات واحدة تلو الأخرى بناء على طلب القصر، ولكنه امتنع، واستوحش، ولم يقبل بعد ثدي أمه الذي نال منه جرعته الأولى في الحياة بديلا، وكأني به يترفّع عن حليب لا يشبه مصدره ذلك المصدر الطاهر، والمحضن الطاهر، والمنبت الطاهر، فعهدنا بالأنبياء طهر المنبت، وصلاح الأصل، وطيب المشرب والمأكل.

دبّت في القصر حركة من نوع خاص، فصار الطفل حديث الجميع، وصار العثور على مرضعة يقبلها غاية الجميع، وانتشر الخبر في المحيط، أين كانت أخته تستطلع خبره، وتتوجّس من مصيره، حتى إذا اندمجت في جموع الناس المستنفرين للعثور على مرضعة تمالكت نفسها، واستجمعت شجاعتها، وتطوعت بالإرشاد إلى أهل بيت يرضعونه، تعليلا بطيبة قلب المرأة، وأنّ الرضع يميلون للقلوب الطيبة، فسارت بمن يحمل الرضيع الباكي ليجرّب ثديا جديدا بعد ما رفضه ولفظه من الأثداء، ودخلت على أمها بهم غير مفصحة عن حقيقة علاقتها به، ليطير قلب الأم الحزينة فرحا، وتزول عنها غمامة الغبن التي كانت تظلّها، وتتقدّم من فلذة كبدها وكأنه غريب عنها، فيمسك بثغره مصدر الحياة، ويرضع، ويشبع، ويشبعها معه أُنسا يملأ عليها قلبها الذي كان فارغا من دونه.

وهنا انتهى العذاب بها، وحلّت البشرى الأولى بردّه إليها، ولم يسترسل القرآن الكريم في ذكر تفاصيل العلاقة بعدها: أَانتقلت معه إلى القصر؟ أم كانت تزوره على فترات، أم سُلّم إليها ريثما يُفطم، وكيف خفي حالها معه على آل فرعون، وكيف لم يكتشفوا من تكون؟ وهل استمرّت بها الحياة إذ كبر، وهل عرّفته بنفسها بعد زوال الخطر؟ كلّ هذا لم يحفل به القرآن الكريم، ولم بنزل فيه آيات حتى في سياق ذكر هذه الأحداث، بل طوى ــ كما هي عادته البديعة ــ الصفحة عند إرجاعه إلى حضن أمّه، لينتقل مباشرة إلى مرحلة الشباب، وما كان فيها من تحقّق البشرى الثانية، بجعله من المرسلين.

وجاءت الآية واضحة في إكرام هذه المرأة المضحية بإعادة رضيعها إلى صدرها في أجواء آمنة بعد أن خفي على المتربصين بالذكور من بني إسرائيل أمرها:”فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ”(القصص:13) ونجى النبي موسى عليه السلام من تلك المذبحة بتدبير رباني خلّد معالمه القرآن الكريم، وخلّد معه سيدتين وفتاة كنّ بطلات في هذه المرحلة المبكرة من الحياة، الأم الرحيمة العظيمة، والأخت القوية العزيمة، وسيدة القصر الكريمة التي آمنت ببركته في حجرها.

[1]ــ قصص الأنبياء للثعلبي، طبعة السعيدية، ص173.

[2]ــ المرجع نفسه، ص175.

[3]ــ قصص الأنبياء، محمد متولي الشعراوي، ص258.

[4]ــ في ظلال القرآن، 5/2678.

[5]ــ تراجم سيدات بيت النبوة، بنت الشاطئ، ص55.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page