حصريا

الرجولة بمنظار المرأة -د.سمية محمد صالحي- الجزائر –

0 486

الرجولة من منظور المرأة: رؤية سلوكية، قيمية، ووجدانية من منظور المرأة ، تُختَزل الرجولة الحقيقية في أفعال الرجل وأخلاقه وكيفية تعامله مع المحيطين به، فهي تراها في قدرته على تحمل المسؤولية، والوقوف بحزم ومرونة في آن واحد. هذا المفهوم العميق للرجولة يشمل ثلاثة جوانب رئيسية: السلوكي، القيمي، والوجداني. وفيما يلي استعراض لأبرز مظاهر الرجولة من هذه الجوانب مدعومًا بأمثلة واقعية من التاريخ الإسلامي والعربي. الجانب السلوكي: الرجولة في الأفعال والتصرفات من منظور المرأة، الرجولة ليست مجرد أقوال، بل هي أفعال وتطبيقات حياتية تدل على نبل الأخلاق وقوة الشخصية. تتجلى الرجولة السلوكية في: 1. تحمل المسؤولية: تظهر الرجولة عندما يتحمل الرجل مسؤولياته نحو أسرته ومجتمعه. فمثلاً، كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه نموذجًا للشاب المسؤول منذ صغره، حيث وقف إلى جانب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحلك الأوقات، مشاركًا في نشر الرسالة الإسلامية وداعمًا لنبيه. 2. التوازن بين الحزم واللين: مثال على ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي جمع بين الحزم في إقامة العدل واللين في التعامل مع الأفراد. سلوك عمر جعلت منه رمزًا للرجولة الحقيقية، فهو لم يُظهر فقط الصرامة، بل عرف كيف يعبر عن الرحمة والرأفة بالأيتام والضعفاء. 3. الصدق والصراحة: من أبرز السلوكيات التي تقدرها الأنثى هي صدق الرجل وصراحته في التعامل، كما فعل يوسف عليه السلام عندما رفض الخيانة مع امرأة العزيز رغم إغراءاتها، قائلاً: “معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي.” فكان الصدق والنزاهة سمة رجولته، وتقديرًا للنعمة التي يعيش فيها. الجانب القيمي: الرجولة في القيم والمبادئ الرجولة أيضًا تبرز من خلال القيم الثابتة والمبادئ السامية التي يتمسك بها الرجل، حيث تراها الأنثى في: 1. العدل والإنصاف: الرجل العادل يُكسب احترام من حوله، ومن أبرز الأمثلة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي كان مثالاً للعدل بين نسائه وأصحابه، محققًا العدالة في كل أفعاله وقراراته. 2. الكرم والإيثار: حاتم الطائي الشاعر الجاهلي، الذي اشتهر بكرمه وسخائه، قدم نموذجًا للرجولة في الإيثار والبذل. قصص كرمه جعلت من اسمه رمزًا للرجولة العربية الأصيلة، ما زالت تُروى لليوم كتعبير عن كرم الرجل الذي يتجاوز متطلباته الشخصية ليوفر الدعم للآخرين. 3. الشجاعة الأدبية: الشجاعة ليست جسدية فقط، بل هي القدرة على قول الحق في وجه الظلم. مثال على ذلك موسى عليه السلام عندما دعا فرعون إلى عبادة الله رغم ما كان يملكه فرعون من قوة وسلطة. هذه الشجاعة الأدبية تعطي للرجل قوة ومكانة خاصة. الجانب الوجداني: الرجولة في القدرة على الفهم والاحتواء الرجولة لا تقتصر فقط على الأفعال والمبادئ، بل تتجلى أيضًا في قدرته على الاحتواء العاطفي وإظهار الاهتمام الصادق. 1. الاحتواء والتفهم: الرجولة الحقيقية تظهر عندما يحتوي الرجل شريكته عاطفيًا. وقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في هذا الجانب، حيث كان يستمع لزوجاته ويشاركهن مشاعرهن. كان الرسول يراعي احتياجات أزواجه ويخصص لهن الوقت، مما أشعرهن بالتقدير والمحبة. 2. التعبير عن المشاعر: الرجولة لا تعني كبت المشاعر، بل القدرة على التعبير عنها بإيجابية. حين قال النبي صلى الله عليه وسلم عن السيدة خديجة: “إني رُزقت حبها،” كان يعبر عن مشاعره بشكل صادق، مما عزز من شعور السيدة خديجة بالأمان والطمأنينة. 3. الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة: من الرجولة أن يظهر الرجل اهتمامه بتفاصيل شريكته. يظهر هذا بوضوح في اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بأمور زوجاته حتى البسيطة منها، كإعطائه لقب “عائش” للسيدة عائشة رضي الله عنها، مما يعكس اهتمامًا بالتفاصيل العاطفية الصغيرة. لكن في ظل تطورات العصر الحديث، تتداخل رؤية المرأة للرجولة مع مجموعة من التحديات التي يواجهها الرجال في عالم مفتوح ومتغير. تحديات الرجولة في عالم اليوم : مع التطورات التي يشهدها المجتمع الحديث، يواجه الشاب العربي والإسلامي تحديات جديدة قد تؤثر على هويته وفهمه للرجولة. من بين هذه التحديات: _تحديات الرجولة في العالم المفتوح في عصر العولمة والانفتاح الرقمي: تواجه الرجولة تحديات كبيرة لم تكن موجودة في السابق، مما يترك أثرًا واضحًا على الأجيال الحالية، ويؤثر على مفهوم الرجولة ودورها في المجتمعات. وقد أدت هذه التحديات إلى ظهور مفاهيم جديدة وصعوبات تتطلب من الرجل وعيًا وإدراكًا عاليين للحفاظ على هويته وقيمه وسط هذا التغير الكبير. وفيما يلي بعض أبرز التحديات التي تواجه الرجولة في العالم المفتوح: _ التشويش الإعلامي والنماذج المغلوطة: تعرض وسائل الإعلام، وخاصة في الأفلام والمسلسلات والمنصات الاجتماعية، صورًا متناقضة ومغلوطة عن الرجولة. في بعض الأحيان، يُظهر الإعلام الرجل إما بالقوي المسيطر الذي يُفقده جوانب الرحمة والتعاطف، أو على النقيض، يُقدمه على أنه ضعيف وفاقد لصفات القيادة والتحمل. هذه الصور تعزز نظرة سلبية للشباب، وتجعلهم غير قادرين على تحديد ما يجب أن تكون عليه الرجولة الحقيقية، مما يسبب ارتباكًا حول هويتهم وأدوارهم. _التحديات الاقتصادية وضغوط النجاح السريع: في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية وزيادة المنافسة على فرص العمل، يجد الرجل نفسه تحت ضغط كبير لتأمين العيش الكريم وتحقيق النجاح السريع. هذه الضغوط قد تدفع الرجل أحيانًا إلى إهمال قيم العدل والصدق، أو إلى تحمل مسؤوليات تفوق قدرته مما يؤثر على صحته النفسية ويفقده القدرة على التوازن بين العمل والحياة الأسرية. _الضغط الاجتماعي وتغيير الأدوار التقليدية: مع تغير الأدوار الاجتماعية وتزايد الدعوات للمساواة الكاملة بين الجنسين، يشعر بعض الرجال بأن أدوارهم الأساسية باتت مهددة أو غير مرحب بها. قد ينظر البعض إلى الرجولة التقليدية على أنها تجاوزت حدودها أو غير ملائمة في ظل المجتمع الحديث. هذا التغير الاجتماعي يُشكل تحديًا لرؤية الرجل لدوره وكيفية تأثيره على الأسرة والمجتمع، ويجعله يتساءل عن دوره الصحيح وكيف يمكن أن يُوازن بين التقاليد والتطور. _الانفتاح على ثقافات مختلفة وتعدد القيم: بفضل العولمة، أصبح من السهل الاطلاع على ثقافات متنوعة وقيم مختلفة. وبينما يمثل هذا فرصة للتعلم والتطور، فإنه يمثل تحديًا كذلك، إذ يواجه الرجل قيمًا تتناقض مع مفهوم الرجولة في مجتمعه الخاص. على سبيل المثال، هناك ثقافات تعتبر بعض مظاهر القوة والقيادة غير ضرورية، بينما يتمسك المجتمع العربي والإسلامي بتلك القيم باعتبارها جزءًا من الرجولة الأصيلة فكيف نُرسخ قيم الرجولة في عالم اليوم؟ تواجه القيم الأصيلة للرجولة تحديات كبيرة تتطلب وعيًا مستمرًا وتربية متوازنة لترسيخ مفهوم الرجولة الأصيلة عند الأجيال القادمة. ولكن كيف يمكن للأجيال الحديثة أن تتمسك بهذه القيم في ظل التأثيرات الخارجية والانفتاح الكبير؟ 1. التربية القائمة على القدوة: إنَّ أفضل وسيلة لترسيخ قيم الرجولة هي القدوة الحسنة. عندما يشاهد الشباب قدوة أمامهم تتسم بتلك القيم الرجولية الأصيلة، كالأب الذي يظهر الحنان والحزم في الوقت ذاته، أو المعلم الذي يحترم طلابه ويستمع إليهم، سيتعلمون قيم الرجولة بصورة طبيعية. 2. تعليم السيرة النبوية والتراث الإسلامي: الاطلاع على قصص الصحابة والتابعين، وأمثلة الأنبياء عليهم السلام، يمكن أن يُلهم الشباب ويُظهر لهم نماذج حقيقية عاشوا مواقف تحمل قيم الرجولة. فالرجولة ليست أمرًا تجريديًا، بل يمكن رؤيتها في شخصيات حقيقية عاشوا على مر العصور. 3. التوعية بأهمية القيم في العلاقات: من المهم أن نفهم الشباب أن الرجولة ليست مجرد قوة أو سيطرة، بل تكمن في الرحمة، العدل، والتوازن. عندما تُعطى هذه القيم مكانتها في الأسرة والمدرسة والمجتمع، يصبح الشاب مدركًا لأهمية احترام الآخرين وتقديرهم. 4. مواجهة التحديات الثقافية الحديثة: في ظل الانفتاح العالمي والتحديات الثقافية كالدعوات التي تهدف إلى طمس معالم الرجولة، من الضروري تثقيف الشباب حول كيفية احترام اختلاف الثقافات مع الحفاظ على القيم الخاصة بهم. تقديم النقاشات والحوار الواعي يمكن أن يساعد في توضيح ما هي الرجولة الحقيقية وكيفية تمييزها عن الصور النمطية أو المغلوطة. 5. توفير بيئة داعمة للشباب: يحتاج الشباب اليوم إلى بيئة تعزز لديهم الشعور بالثقة والانتماء، وتشجعهم على اكتساب صفات الرجولة بطريقة صحية وآمنة. ويأتي دور الأسرة والمدرسة والمجتمع في توفير هذا المناخ الداعم، بحيث يشعر الشاب أن الرجولة ليست عبئًا، بل وسيلة لتحقيق الخير له ولمن حوله. كيف يمكن للمرأة أن تساهم في بناء قيم الرجولة: تلعب المرأة دورًا محوريًا في بناء وتوجيه قيم الرجولة، حيث تساهم من خلال أدوارها المتعددة كأم، وأخت، وزوجة، وحتى كصديقة أو معلمة، في ترسيخ مفاهيم الرجولة الحقيقية لدى الرجل. فالمرأة ليست فقط متلقية لهذه القيم، بل يمكن أن تكون مُحفزًا وداعمة لتشكيل وبناء قيم الرجولة لدى الرجل، مما يعزز من توازنه واندماجه في المجتمع. فيما يلي طرق يمكن للمرأة من خلالها المساهمة في بناء قيم الرجولة: -1. القدوة في التعليم السلوكي والقيمي كأم أو أخت، يمكن للمرأة أن تُظهر للرجل منذ صغره أهمية قيم مثل الصدق، والتضحية، والإحسان. وذلك بأن تكون قدوة وتزرع هذه القيم من خلال تصرفاتها، فيتعلم الصبي القيم الأخلاقية والسلوكيات النبيلة بمشاهدتها. فالأم التي تظهر الاحترام والتقدير للآخرين أمام ابنها، تساهم في غرس هذه القيم فيه، وتجعلها جزءًا من شخصيته. 2. تقديم نماذج رجولية إيجابية من التراث يمكن للمرأة أن تشارك قصصًا ملهمة عن رجالات من التاريخ الإسلامي والعربي، مثل عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، وقصص شجاعتهم وعدلهم وتضحياتهم. مشاركة هذه القصص تعطي الشاب صورة واضحة عن الرجولة الأصيلة وتجعلها هدفًا يسعى لتحقيقه، بدلًا من الاعتماد فقط على النماذج الإعلامية السلبية. 3. التشجيع على تحمل المسؤولية يُعتبر تحمل المسؤولية جزءًا أساسيًا من الرجولة، ويمكن للمرأة أن تعزز هذا الجانب من خلال تشجيع الرجل على تولي مسؤولياته. كأم، يمكنها تشجيع ابنها على القيام بأدوار ومهام تُحملّه مسؤولية تجاه أسرته ومحيطه، وكزوجة، يمكنها دعم زوجها في اتخاذ القرارات وتحمّل تبعاتها، مما يقوي من شخصيته وقدرته على مواجهة التحديات. 4. تقديم الدعم العاطفي بدون إلغاء الجانب الذكوري تحتاج الرجولة أيضًا إلى نوع من الاحتواء العاطفي، إذ أن الرجل يجد في المرأة سندًا عاطفيًا يُقوّيه. يمكن للمرأة أن تدعمه دون أن تهمّش دوره أو تُقلل من قوته. فبدلًا من انتقاد ضعفه، يمكن أن تذكره بمواقفه الإيجابية وتشجعه على اتخاذ خطوات قوية تجاه ما يريد تحقيقه. 5. بناء قيم التعاون والاحترام المتبادل عندما تبني المرأة في تعاملها مع الرجل قيم التعاون والاحترام المتبادل، فإنها تعلمه أن الرجولة ليست في السيطرة أو التحكم بالآخرين، بل هي في دعم الآخرين والعمل كفريق متكامل. على سبيل المثال، يمكن أن تشاركه في اتخاذ قرارات أسرية كزوجة، مما يجعله يشعر بأهمية دور التعاون المشترك ويحسن فهمه للرجولة كعملية تشاركية. 6. التوجيه بدلاً من الانتقاد تُسهم المرأة في بناء الرجولة عندما تقدم ملاحظاتها وتوجيهاتها بطريقة بناءة بدلًا من الانتقاد الحاد. عندما تقوم زوجة أو أم بتوجيه الرجل أو الشاب إلى أخطائه بطريقة مشجعة، فإنها تساعده على التطور دون أن يشعر بالانكسار، وتمنحه فرصة للتعلم والنضج. 7. تعزيز مهارات الحوار والانفتاح يمكن للمرأة أن تساهم في بناء القيم الرجولية من خلال تعزيز مهارات الحوار لدى الرجل، حيث تقوم بفتح قنوات تواصل صريحة وشفافة معه. بذلك، تجعله قادرًا على التعبير عن مشاعره ومواقفه بشكل ناضج دون اللجوء إلى العنف أو الغضب. على سبيل المثال، عندما تشارك الأم ابنها أو الزوجة زوجها في نقاشات هادئة وتستمع له دون حكم، يشعر الرجل بأهمية التحاور والانفتاح كجزء من رجولته. 8. غرس قيمة الكرم والتفاني المرأة قادرة على تعليم الرجل قيمة الكرم والتفاني من خلال مواقف يومية تظهر فيها العطاء بلا مقابل. عندما تُظهر الأم أو الزوجة تفانيها واهتمامها بدون انتظار شيء، فإنها تعلم الرجل أن الرجولة لا تقتصر على القوة الظاهرة، بل على العطاء والإيثار. 9. تحفيزه على اتباع نمط حياة صحي ومتوازن يمكن للمرأة أن تشجع الرجل على الالتزام بنمط حياة صحي ومتوازن، بما في ذلك ممارسة الرياضة، والاهتمام بصحته النفسية والجسدية. فرعاية الذات ليست فقط للمرأة، بل للرجل أيضًا، وهي جزء من رجولته، حيث تجعله أقوى وأكثر استعدادًا للتعامل مع تحديات الحياة. يبقى دور المرأة أساسيًا وحيويًا في بناء قيم الرجولة، من خلال دعمها واحتوائها للرجل كأم وزوجة وأخت ومعلمة. فالرجل الذي يحظى بدعم وتوجيه إيجابي من المرأة يكون أكثر قدرة على تحمل المسؤولية، وأكثر ثقة بنفسه، وأقوى في مواجهة تحديات الحياة. فالمرأة ليست فقط متلقية للرجولة، بل هي شريكة في بنائها، مما يُسهم في خلق توازن اجتماعي وإنساني متكامل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page