حصريا

المرأة ودعاة الإلحاد -د.رقية رقاز- الجزائر –

0 532

المرأة ودعاة الإلحاد

رقية رقاز

لطالما شغلت المرأة العالم بقضاياها فلا يُتصور أن تكون بمنأى عن ظاهرة الإلحاد؛ لأنها منفذ خاص لدعاته وذلك من ثلاث نواحٍ:

  • الحديث عن حرية المرأة وضرورة التخلص من السلطة الذكورية، والثورة على الموروثات العفنة، وربط كل هذا بالإسلام؛ فقد جسَّدوه في عقلها على أنه سبب اضطهادها وظلمها.
  • استحضار النصوص الشرعية التي تتحدث عن المرأة وحشد الطاقات لإثبات إهانة الإسلام لها وظلمها والتحيز للرجل؛ لفهمهم القاصر للنصوص الشرعية أو لَيِّ عُنقها لتناسب مصالحهم.
  • بث الشبهات المتعلقة بالمرأة من القوامة وأحكام الإرث والولاية ونقص العقل والدين والشهادة وتولي منصب الإمامة العظمى وغيرها بطريقة إعلامية شبابية خاصة على مواقع التواصل الاجتماعية، وأحيانا بمجرد منشورات خالية من أي دليل لكن كونها مستفزة لمشاعر النساء تجد مكانها في قلوبهن.

ولتتضح الصورة أمامنا أكثر ننظر في شبهة “عدم المسواة بين الرجل والمرأة في القرآن الكريم” التي تصرخ بها كثير من الفتيات ويجعلنها المبرر القوي لانسلاخهن عن الإيمان كله لا عن التوحيد وحده. جميل أن تتوصل المسلمة إلى طرح التساؤلات وهي تقرأ القرآن الكريم، فقد تجاوزت حروفه شفاهها وحاولت فهم وتدبر معانيه. المشكلة أنها ليست صاحبة قاعدة إيمانية متينة لذلك سيسهل تصوير الإسلام بعينيهارمزاللظلاميَّة والخضوع واللاعقلانية.

بنظرة سريعة على مواقع التواصل الاجتماعي سنكتشف أن كثيرا من النساء سئمنَ من ترديد المسلمين لفكرة تكريم الإسلام للمرأة، واستغل البعض ما يصدر عن المنتسبين للإسلام وجهلنا بحقيقة ديننا للتشويش على المسلمة بفكرة الدين الجائر والقرآن المبجِّل للرجل فنادوا “الذكر كالأنثى” والله تعالى يقول: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ﴾[سورة آل عمران: 36]. وقد تمكَّنت هذه الشبهة من عقول أخواتناحتى صار الفقه الإسلامي المستنبط بالدرجة الأولى من القرآن الكريم ذكوريا بامتياز؛ فعن أي تكريم يتحدث المسلمون؟

والحقيقة أن هذه الشبهة ستتراجع أمام عقل منصف ومدرك لأنه لا يستطيع أن ينكر أن خطاب الوحي جاء صريحا واضحا في إقرار المساواة العامة بين الجنسين في أكثر من 20 آية، يقول تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾[سورة الأحزاب: 35] ويقول في موضع آخر عن العمل الصالح: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾[سورة النساء: 124]. وبقليل من التدبر كانت الملحدةلتتساءل لماذا لم ينزل الله سورة “الرجال” بينما السورة الرابعة في الترتيب المصحفي هي سورة “النساء” أليس هذا تفضيلا لجنسنا؟

ثم إن الجنسين في الإسلام كما وضَّح القرآن الكريم والسنة النبوية متساويان في الجوهر والأهليات الإنسانية والملكات المشتركة، يقول تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾[سورة التوبة: 71]، ولا فرق بينهما في التكليف والثواب والعقاب الدنيوي والأخروي يقول تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[سورة النحل: 97] وفي آية العقاب يقول سبحانه: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾[سورة المائدة: 38]. ويشتركان في حمل الأمانة والحقوق والواجبات، والمرأة كالرجل في المعاملات المالية وأمام القضاء ولا تُكره على الزواج[1]، ولها مثله الحق في الحياة لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ *بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ[سورة التكوير: 08-09] والرجل في شريعتنا يُقتل بقتل المرأة فكرامتها من كرامته، وحقها في الميراث محفوظ مثله بغض النظر عن القيمة لقوله تعالى: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾[سورة النساء: 07].

لكن المساواة العامة لا تقتضي المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة؛ فالله سبحانه وتعالى خلق عباده من جنسين؛ الذكر والأنثى، ولو أنهما متفقان في جميع الصفات لَخَلَقهما جنسا واحدا متطابقا فتكون المساواة بينهما مطلقة، لكن أين الحكمة في خلق نوعين متطابقين والله تعالى منزَّه عن العبث.

إن المساواة المطلقة التي تدعو إليها بعض الحركات النسوية مستحيلةُ التطبيق في المجتمعات الإنسانية كلها، فالعلاقة بين الجنسين باختلافاتهما علاقة تكامل وظيفي؛ فإن تطابقت وظائفهما سيكون التنافر بينهما هو النتيجة الحتمية. والإقرار بعدم المساواة لا يدل بأي صفة على أفضلية الرجل أو تحقير المرأة؛ فأصل المسألة هو الاختلاف في التكوين والقدرات البدنية، فلا داعي للصراع الصِّفْري العبثي بينهما؛ لأن معيار الأفضلية مفقود في هذه المعادلة؛ فلا يمكن الحديث عن التفوُّق والدُّونية إلا بين أشياء الجنس الواحد، والمرأة ببساطة مختلفة عن الرجل، وبالتالي تسقط المقارنة. ولتقريب الصورة أكثر نضرب مثالا بسؤالنا: أيهما أهم اليد أم المعدة؟ سؤال لا معنى له لأن كل عضو منهما له وظيفته الخاصة التي لا غِنى للإنسان عنها ولا يمكنه بحال القيام بوظيفة الآخر، بل هذا الاختلاف بينهما يعطي كل طرف قيمة خاصة بالنسبة للآخر.

وقد يستشكل على إحداهن فهم مراده تعالى في الآية التالية: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾[سورة البقرة: 228] لذلك لا أتجاوزها قبل توضيحها؛ فالآية سِيقت لبيان حقوق الأزواج، وحقوق الرجل لا تخفى على الجميع وهي مشهورة ومُسَلَّمة منذ العصور القديمة، عكس المرأة التي كانت حقوقها مهملة موكلة إلى مقدار حظوة المرأة عند زوجها؛ لذلك اعتنى القرآن الكريم بذكر حقوق الزوجة وأنها مماثلة لحقوق الزوج[2].

والمِثل قد يكون تطابقا في جميع الصفات أو بعضها، وفي هذه الآية لا يصح معنى التطابق لمقتضى الخلقة والمقصد من المرأة والرجل، ومقتضى الشريعة التخالف بين أحوالهما في نظام العمران والمعاشرة، ومن الأمثلة التي ضربها الشيخ ابن عاشور في هذا السياق أنه لا ينبغي أن نتوهم من عناية الزوجة بأشغال البيت أنه يجب على زوجها فعل ذلك، ولا يُتوهم أنه كما يجب على الزوج الإنفاق على زوجته أنها ملزمة كذلك بالإنفاق عليه[3]؛ لأن الصواب التكامل في الأدوار، فكما تجب عليها العناية بالبيت من طبخ وغسل وتنظيم وتدبير عليه أن ينفق عليها ويعينها بما يؤهلها لأداء واجب العناية بالبيت. وكما لا يجوز للزوجة أن تتزوج على زوجها وهي في عصمته، يجب عليه أن يعدل بينها وبين ضرتها حتى لا تحس بهضيمة فتكون بمنزلة من لم يتزوج عليها.

الإشكال الآن في قوله تعالى “وللرجال عليهن درجة” فهذا بيان لعدم اطراد المساواة المشروعة بينهما، وتحديدٌ منه تعالى للإيثار المطلق للرجل كما كان في الجاهلية؛ وبهذا يحصل التوازن المنشود. وهذه “الدرجة” اقتضاها ما أودعه الله تعالى في الرجل من زيادة في القوة العقلية والبدنية؛ لذلك كانت الأحكام التشريعية الإسلامية جارية على وفق النُّظُم التكوينية، وهذه الدرجة تمثل ما خص الله به الزوج دون الزوجة من: تعدد الزوجات، القوة الجسمية والعقلية، قلة عدد الذكور في مواليد البشر، الطلاق والمراجعة والعدة، القوامة، وما إلى ذلك[4].

لو سلمنا بضرورة المساواة المطلقة بين الجنسين فهذا انعكاس للفطرة وتكريس لظلم المجتمع الإنساني، والمرأة هي الخاسر الأول في المسألة؛ لأنها ستخسر كثيرا من مميزاتها وستعاني ما لا يطيقه جسمها ولا ظروفها. ولم يخفَ هذا عن الشرائح الصادعة بالمساواة ومن هؤلاء آيريس ماريون يونغ (Iris Marion Young) أستاذة العلوم السياسية في جامعة شيكاغو ومُنَظِّرة سياسية أمريكية ونسوية اشتراكية، مؤسسة التيار النسوي المناهض لظلم المرأة. والمميز في دعوتها أنها رأت المساواة المطلقة إجحافا بحق النساء واكتفت بطلب العدالة المتمثلة في تكافؤ الفرص بين الجنسين دون المساواة في الشروط؛ لأن المرأة تحتاج عطلة الأمومة مدفوعة الأجر على سبيل المثال فلا يجوز أن تُحرم منها لأن الرجل لا  يحصل على عطلة أبوة.

 

 

[1] ) ينظر، عبد الله بن وكيل الشيخ: (المرأة وكيد الأعداء) كنوز إشبيليا، ط: 01 (1412هـ) ص: 21 / وللتوسع ينظر، وهبي سليمان غاوجي: (المرأة المسلمة “وليس الذكر كالأنثى”) دار القلم، دمشق، ط: 08 (1999) ص: 32-48

[2] ) ينظر، محمد الطاهر بن عاشور: التحرير والتنوير:الدار التونسية للنشر، تونس (1884) 02/396

[3] ) ينظر، محمد الطاهر ابن عاشور: التحرير والتنوير، 02/399

[4] ) ينظر، محمد الطاهر ابن عاشور: التحرير والتنوير، 02/401-402

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page