علل القلوب وتجلياتها على العلاقات الأسرية
عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَمَّا سُئِل: أيُّ النَّاسِ أفضَلُ؟ قال: «كُلُّ مخمومِ القَلبِ، صدوقِ اللِّسانِ. قالوا: صَدوقُ اللِّسانِ نَعرِفُه، فما مخمومُ القَلبِ؟ قال: هو النَّقيُّ التَّقيُّ، لا إثمَ فيه ولا بغيَ، ولا غِلَّ ولا حَسَدَ»
الإنسان كائن اجتماعي لا يمكنه أن يعيش منفردا وحيدا لأنه يستمد قوته وقيمه من المحيط الذي يعيش فيه والبيئة التي تنحت شخصيته وتوجه انفعالاته وتربي وجدانه فإن كانت سوية متوازنة جعلت منه إنسانا متوازنا مسؤولا، يفرق بين الحق والواجب يؤدي ما عليه ، ويدير انفعالاته ويضبط سلوكه حسب المواقف التي يقع فيها .
لن يكون مثاليا فالإنسان مخلوق سماوي في غلاف من طين يعيش بين الغريزة والفطرة بين النفس الأمارة بالسوء واللوامة والمطمئنة إنما يستشعر السوء بقلبه وفي ذلك يقول سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما روى عنه الصحابي الجليل النواس بن سمعان حيث قال: « أَقَمْتُ مع رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ بالمَدِينَةِ سَنَةً ما يَمْنَعُنِي مِنَ الهِجْرَةِ إلَّا المَسْأَلَةُ، كانَ أَحَدُنَا إذَا هَاجَرَ لَمْ يَسْأَلْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ عن شيءٍ، قالَ: فَسَأَلْتُهُ عَنِ البِرِّ وَالإِثْمِ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ، وَالإِثْمُ ما حَاكَ في نَفْسِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عليه النَّاسُ »[1]
فالحديث يبين أن القلب مقياس للفطنة والوعي حين يكون معافى سليما متوازنا ينعكس في سلوك حسن وهو حسن الخلق لأنه يعكس ما في القلب من إحساس مرهف ، فكلما كان أكثر صفاء كان السلوك أكثر توازنا.
فالقلب مرآة والسلوك انعكاس لها وفي المقابل كلما كان القلب مشوها كان السلوك غير متوازن يظهر في الانفعالات والمواقف ، فكل سلوك يعبر عن غضب مقيت أو حسد أو ظلم أو غل هو انعكاس لقلب مريض يحتاج إلى التشافي .
لأن القلب السوي لا يلتبس عليه الحق والباطل فهو مرآة صافية ، والقلب المريض مضطرب يعاني من العلل والأمراض تظهر من خلال المواقف الانفعالات والتصرفات غير السوية ، لأن القلب مستقر الإيمان والكفر والبصيرة والجهل والعواطف ودوافعها فهو مصدر الانفعالات والسلوك وبوصلة الفكرة ومستقر الاعتقاد.
قال صلى الله عليه وسلم :« ألا وإنَّ في الجسَد لَمُضْغةُ إذاَ صلُحَتْ صلُحَ الجسدُ كُلُّه وَإذا فَسدَتْ فَسدَ الجسدُ كلهُ ألاَ وَهيَ القلب »[2]
فما هي أمراض القلوب وما هي تجلياتها ؟ وما هي أسبابها ؟ وكيف تؤثر على السلوك عامة وعلى العلاقات وكيف يمكن التشافي منها ؟ بل كيف تؤثر على العلاقات الأسرية عامة وصلة الرحم والعلاقة الزوجية خاصة وكيف يجب الحفاظ على العلاقات الأسرية في هذه الظروف ؟
علل القلوب وتجلياتها على السلوك والانفعال :
القلب ليس مجرد عضو يمرض ويشفى بتناول الأدوية والعقاقير ، القلب خزان المشاعر ومستقر العقيدة يصاب بالعلل التي تجعل ما استقر فيه مشوها إما بسبب شهوة أو شبهة فهي تشفى بذكر الله وتعتل بالبعد عنه .
إن اقتربت من ربها ارتقت وان ابتعدت انحطت بصاحبها إلى دركات الغريزة فتجعل منه آلة سوء تظهر من خلال حركتها في المواقف والانفعالات ، فالرجل الديوث معتل القلب والحاسد الذي يبغض الخير للغير معتل القلب والكئيب والحزين والشكاك والنمام والمتكبر وغيرهم كثير أنما تحركهم قلوب معتلة مريضة ابتليت بالجفاء بسبب عمى البصيرة لأنها ابتعدت عن الحق الذي هو حياة القلوب .
وقد يعتل بسبب البعد عن الله وقد تمرضه الهموم والأحزان إن ضعف وقل صبره فقبل أن تبكي العيون تسبقها القلوب فتنزف بتلك الأحاسيس المؤلمة مما يجعل صابها ساخطا أو كئيبا وقليل الحيلة لذلك يعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم فنون الدعاء حتى تبقى القلوب معلقة بربها لذلك من المهم أن نعرف علل القلوب وتجلياتها على السلوك والانفعال عموما .
يقسم ابن القيم أمراض القلوب إلى أمراض شبهة وأمراض شهوة فأمراض الشبهة تتمثل في الكبر والرياء والنفاق والكفر والشرك ، وأما أمراض الشهوة فتتمثل خاصة في اتباع الهوى فلا يتحكم الانسان معلول القلب في نفسه وإرادته فينساق وراء شهواته ، وإن اجتمعت أمراض الشهوة مع أمراض الشهوة تؤدي إلى إعراض القلب عن ربه ويتبع البدع ويلبس الحق بالباطل بسبب ضعف البصيرة والفهم الفاسد للعقيدة فيتجلى في سلوك منحرف وانفعالات معلولة ، تظهر من خلال مشاعر الحسد وتضخم الأنا والاستهانة بالذنوب والسخط والمقارنة بالآخرين بسبب الإحساس بالدونية مع قسوة القلب والظلم والانغماس في الشهوات والملذات دون رادع .
اتباع الهوى يؤدي إلى فساد الأخلاق وهذا يفسد العلاقات الأسرية والزوجية خاصة وقد يقطع الأرحام وتمتلئ القلوب غلا لأنها أظلمت بسبب الابتعاد عن الحق .
وفيما يلي تفسير مبسط لعلل القلوب وتجلياتها في السلوك والانفعال وعلاقة ذلك بفساد العلاقات الأسرية عامة والزوجية خاصة :
أولا الشرك والكفر والنفاق والرياء من أمراض القلوب المتعلقة بفساد العقيدة فمن علامات فساد العقيدة سوء الظن بالله ، وإن كان المسلم لا يمكن أن نسميه كافرا أو مشركا أو منافقا لأنه مسلم ويشهد أن لا إله إلا الله لكن هناك من يقوم بأعمال المشركين والكفار ويحمل علامات النفاق .
في زمن الفتن هذا يقع المسلم في كثير من الشبهات تؤثر على صلته بربه وعلى صحته النفسية وعلاقاته وطرق التواصل لديه .
فالتكذيب ببعض السنة والأحاديث النبوية حسب الهوى وما تمليه الغرائز، والكبر وهو إعراض عن الحق والذي وصفه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : « لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبْرٍ قالَ رَجُلٌ: إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أنْ يَكونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا ونَعْلُهُ حَسَنَةً، قالَ: إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ، الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ، وغَمْطُ النَّاسِ »[3]
أوليس فيه هذا الحديث إشارة إلى طرق التعامل والتواصل السلبية التي منها بطر الحق وغمط الناس أي عدم قبول الحق واحتقار الناس وهذه السلوكات أدعى بأن تنشر العداوة والبغضاء داخل الأسرة وتحطم العلاقات وتقطع الأرحام وتفكك العلاقة الزوجية .
وقد بين لنا القرآن والسنة علامات النفاق وأثرها على النفس والبيئة والمحيط وما تتسبب فيه من فرقة وخصومة وهو نفاق عملي وليس عقديا حيث يقول صلى الله عليه وسلم :«آيةُ المُنافِقِ ثلاثٌ: إذا حدَّثَ كذَبَ، وإذا وعَدَ أخلَفَ، وإذا ائْتُمِنَ خان » [4]
ففي الحديث إشارة إلى الصفات التي إن استحكمت في صاحبها أصبح في عداد المنافقين عمليا والتي منها الكذب والخيانة وإخلاف الوعود وفي روايات أخرى يضاف إليها عدم الوفاء بالعهود والفجور عند الخصومة .
وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يخافون النفاق لأنه يتسلل من القلب دون وعي وعلى حين غفلة فيتحكم فيه باطن الإثم وينعكس على السلوك العام ويتجلى في العلاقات .
لذلك فإن وجود هذه الصفات في التعامل والتواصل داخل الأسرة وبين الزوجين تدعو إلى الحذر والعمل على طهارة القلوب ، فإن من مظاهرها التكبر والعناد والعزة بالإثم والسخط على الدهر والقسوة وتضخم الأنا والبعض لا يرى نعم الله عليه بسبب سخطه وإحساسه بالدونية أو الكبر حتى يصل إلى درجة التّألّي على الله سبحانه وتعالى فيرى هذا لا يستحق النعم وذاك أعطاه الله ما لا يحسن استعماله لآلاء الله عليه ، وأنه هو أولى بها وكلها خصال ذميمة تقتل كل جميل في العلاقات ويصبح التواصل باردا عليلا لأن القلوب امتلأت بنكت سوداء وغرقت في الوساوس والبعد عن الحق .
فالغرض هنا من بيان علامات النفاق ليس من باب الطعن في العقيدة بل إن النفس تنجر وراء خرابها إن لم تمسك بحبل وإن لم تتحصن في حصون الإيمان الصادق لأنه من علامات الإيمان الخوف من الوقوع في النفاق عملا وقولا ، وبالتالي الابتعاد عن أسبابه التي تتجلى في وساوس القلب وانفعالات وسلوك الجوارح وهذا يؤثر سلبا على العلاقات ، إذ كيف لعلاقة تدوم وتقوم على الكذب والكبر والوساوس وسوء الظن وخيانة الأمانة ، وماذا لو كانت الأمانة زوجة ؟ وماذا لو كانت أما أو ولدا ، مالا أو وصية ؟ فإن سواد هذه الرذائل التي تنبعث من القلوب في العلاقات يحطمها ويكسر النفوس معها .
حين يمرض القلب تتجلى أمراضه على الانفعالات والسلوك لوجود علاقة وطيدة بين الصوت الداخلي في القلب والفعل معا ، وبين المحفزات الداخلية والقيم ، وبين النوايا الخفية والسلوك العام .
ومهما فصلنا في أمراض القلوب بين الشبهة والشهوة يبقى البعد عن الله هو الفيصل في تشخيص هذه العلل فيتجلى ذلك من خلال مظاهر القلق والتوتر والغضب والقنوط وسوء الظن بالله بسبب الاستسلام إلى وساوس النفس لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ من الهم والحزن لأنها من العلل التي إن أصابت قلبا تجلت فيه حتى الأمراض الجسدية كالضغط والسكري والكثير من السرطانات والأمراض التي يتسبب فيها أساسا الهم والحزن.
لأن القلب الرضي متوازن وإن توازن سلم من العلل وذلك لا يكون إلا بتفقده وتنميته وتوجيه البوصلة نحو ربه ، وإلا فإن الغفلة داء ليس له دواء إلا الوعي بسر الوجود والمصير وفقه استقامة القلب ، فمن استقام قلبه سار نحو ربه وعرف دربه ، فالغفلة تجل القلب يتيه عن واقعه فلا يخطط الانسان لمستقبله فيبتعد عن ربه فكرا وعبادة ليعيش بعدا في فوضى المشاعر والدوافع فتختلط مفاهيم القيم لديه ليصعب التواصل مع ذاته ومع غيره .
أمراض القلوب و أثرها على العلاقات الأسرية :
الانسان عموما هو مشاعر وغرائز وعواطف وانفعالات وسلوك تربط بين كل هذه المكونات قيم تعلمها ومبادئ يعيش لأجلها وتتجلى خاصة في العلاقات عامة والأسرية بصورة خاصة ، ومقياس التوازن كما ذكرنا هو القلب ، لذلك فإن هناك ضوابط سلوكية نعرف من خلالها تجليات أمراض القلوب في العلاقات الأسرية ويتمثل ذلك في ضوابط القيم والدين حتى لا تتعرض العلاقات للهشاشة ثم البتر أو العداء .
ومن آثار أمراض القلوب ما ينعكس ويتجلى على الجوارح والانفعالات والذي يحدد مسار العلاقات ما يلي :
أولا أثر آفات اللسان على العلاقات الأسرية :
بين الشعور والتفكير والنطق بالفكرة رحلة وعي بين القلب والعقل توزن من خلالها الكلمة التي تداولتها الفكرة والشعور فتنطلق بالحق أو الباطل وقد يكون الصمت أحسن الموازين وفي ذلك يعلمنا الحبيب المصطفى كيف نضبط اللسان فيقول صلى الله عليه وسلم : « مَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فلا يُؤْذِ جارَهُ، ومَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، ومَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أوْ لِيَصْمُتْ »[5] فالكلمة قد تفتح بابا وقد تسد آخر خيرا كان أو شرا ، قد تكون سببا في صلح أو خصومة وقد تصد خطيئة أو تقطع علاقة وكم من كلمة بسيطة تدخل السرور إلى قلب مكلوم فتنعشه وكم من كلمة مع بساطتها كسرت قلبا فهي إما أن تكون سما قاتلا أو عسلا شافيا .
وآفة اللسان الفحش في الكلام خاصة بين الزوجين ومنه العلاقات الأسرية عموما ، فذلك الزوج الذي يتحدث بالكلام النَّابـــــــــي وسب الذات الإلهية لأتفه الأسباب سيفقد هيبته وتضيع أواصر التواصل ويقل الاحترام بين أفراد الأسرة قال صلى الله عليه وسلم : « إنَّ من شرِّ النَّاسِ من تركهُ النَّاسُ أو ودعهُ النَّاسُ اتِّقاءَ فُحشِهِ »[6] ، فالفحش مذموم ومنقصة للرجل ومن خوارم المروءة وقيم الرجولة التي تقلل من احترامه داخل الأسرة وتضيع الحقوق والواجبات مع مرور الوقت .
ومن آثار آفة اللسان اليمين بالطلاق أو التهديد به أو استغلال حق القوامة لإذلال أهل البيت بحجة حق الطاعة وهو من تجليات اتباع الهوى وفيه الكثير من الأذى حتى ولو من باب المزاح ، لأن الكلمة الطيبة تتسلل إلى القلب فجعله هينا لينا مطيعا ، والكلمة القاسية تنكت نكتا سوداء فينكسر القلب ، والقلوب بنوك نودع فيها المشاعر قاسية أو طيبة وعند الصرف نأخذ ما استودعناه ، والكلمة هي بريد القلوب سواء نطق اللسان بلفظ الطلاق من باب التهديد أو السخرية ، أو من باب العجب والتكبر واحتقار الآخر ، أو من باب الإحساس بالدونية ونطق كلمات المقارنة والذل والضعف .
تجد رجلا يفتح باب رزقه صباحا مع ولد أو خادمه وحين يعتريه أي عارض يخرج من فيه الكلام الفاحش وسب الذات الإلهية لأتفه الأسباب مبرزا رجولته في كلمات هي في الأصل تقلل احترامه فلو كان القلب معافى لتوسل لصاحب الرزق بالتيسير لا أن يسب ويلعن ، ولو عرف هذا الرجل بأن الكلمة ترفعك درجات أو تهوي بك دركات ليس كل خوف جبن فبعض الخوف حكمة وأمان وبعض الشجاعة قد يصبح تهورا وبعض الصراحة وقاحة فلكل مقام مقال وآفة اللسان تظهر حين يختلط الأمر على القلب المعلول فلا يزن العقل الخوف أو الشجاعة أو الصراحة بضابط الإيمان بل باتباع الهوى .
ومن آفات اللسان الكذب وقد حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم ليس فقط بوصفه من علامات النفاق بل كونه يطبع على قلب صاحبه فيزيغ عن الاستقامة فالإيمان صدق والكاذب إيمانه مشوه ، وقلبه معلول لذلك فإن أثر الكذب سيء على العلاقات عامة وبين الزوجين خاصة لأنه يقضي على الثقة والاحترام والأمان ويضيع الاستقرار النفسي والسكينة التي هي أحد أعمدة صلاح العلاقات الأسرية مع المودة والرحمة .
الكذب آفة فلبية آلتها اللسان يقتل قيم الصدق والمروءة والأمان والطمأنينة ويزرع بذور الخيانة والخداع ويسقط صاحبة في وحل التبرير ويجعل العلاقات هشة قابلة للبتر مع أي موقف ، بسبب عدم الشعور بالأمان وضعف التواصل وغياب الذكاء الوجداني في العلاقات وهذا يعزز الشعور بالانفصال والنفور والكراهية ومنه تتحطم الأسرة وتنهار أواصر التواصل مهما كانت جهتها من حيث النسب أو المصاهرة أو الوالدية فالكذب يطرد الأمان في القلوب فتتنافر وتتدابر الأنفس .
فالكذب رأس لخطايا و وهو العصا التي تهدم علاقة العبد بربه وتحطم العلاقات الأسرية والسبب هشاشة في العقيدة وانقطاع سب التواصل مع الله لأن القلب فقد البوصلة لذلك يحذرنا الإسلام قرآنا وسنة من خطورة الكذب ، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إيّاكم والكذِبَ، فإنّ الكَذِبَ يَهْدِي إلَى الفُجُورِ، وإِنّ الفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النّارِ وَمَا يزَالُ العبْدُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرّى الكَذِبَ حَتّى يُكْتَبَ عِنْدَ الله كَذّابا »[7] وحادثة الإفك التي حدثت للسيدة عائشة رضي الله عنها على خطورة الكذب وأنه يعصف بأكثر العلاقات متانة إن لم نتحر الصدق واللسان الكاذب أداة قلب معلول .
بل إن من شر الكذب أن يكذب العبد دون حاجة للكذب فهو يحتاج إلى شيء من الصراحة والحوار الجاد ولا يوقع نفسه في شراك إثم الكذب ، فالرجل يكون عند أمه يكذب على زوجته حتى لا تغضب، تحب هي زيارة أهلها تكذب عليه ويصبح الكذب سمة للعلاقة الزوجية والأسرية فيما بعد .
ومن آفات اللسان اللوم والعتاب والشكوى كلها مع بعض لأنها تصدر عن نفس مريضة معلولة القلب عاشت جروح الطفولة بتوكيدات اللوم والعتاب فتنمو وهي تعتقد أنها مرفوضة مهملة تستجدي الحب وحين تحس بالرفض تبدأ في اللوم والعتب والشكوى .
هذه النفس عاشت وتعيش جلد الذات وتسقط ذلك في كل موقف من خلال علاقاتها فهي لا تبحث عن العلاج بل تلعب دور الضحية وتلقي اللوم على غيرها وتستميت في الدفاع عن نفسها مع إيجاد مخرج بكيل أطنان من كلمات الجلد والعتاب وكثيرا ما نجد هذا بين الزوجين حتى تصبح العلاقة سامة قد تصل إلى الانفصال .
حيث يصبح هداما حين يتكرر ولا يقترن بالعفو والتسامح ، وحين يكون مليئا بالكلام النابي والانتقاد اللاذع وحين لا يركز على المشكلة بل على كيفية التقليل من قيمة الطرف الآخر بل إن هذا يجعله يغفل عن تضحيات وتغافل وتنازلات غيره وكل جميل فيه ، لأنه فقط يركز على الجوانب التافهة والتي تشفي غليله في الشكوى واللوم ويغيب هنا التوازن بين العتب والتقدير الذي هم صمام أمان التواصل الفعال داخل الأسرة ، لأن العتاب دليل محبة وثقة لكن إن زاد على حده تسبب في سمية العلاقة وهشاشتها وهو إيجابي حين يكون الغرض منه التذكير والترشيد وتصحيح الخطأ.
ومن آفات اللسان الغيبة والنميمة والثرثرة وهي من أكثر المظاهر المرضية تفشيا بين الناس والأكثر فتكا بالعلاقات وكسرا للقلوب لأنها تعمل على هتك الأسرار وتتبع العورات ونشر عيوب الناس والتدخل في خصوصياتهم ونشر ثقافة سوء الفهم والذي يكون فجوة يدخل منها الشيطان فينازع رحمة الله في القلب ليفوز ما اقتنعت به النفس ، وإن كانت الغيبة أخطر من النميمة والثرثرة أخف منهما فكلها آفات لسان هو آلة لقلب عليل .
لأن صاحب القلب السليم تقي نقي عفيف اللسان لا ينطق إلا حقا وإن أخطأ تاب وتراجع وأصلح ، لذلك فإنه مهما اختلفت التعريفات والأحكام بين الغيبة والنميمة والثرثرة فهي سواء من حيث أنها تتسبب في الظلم والأذى وهشاشة العلاقات .
فالغيبة جاء تحريمها بصريح النص القرآني في قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ (سورة الحجرات / 12 )
وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الغيبة فقال :« ذِكْرُك أخاك بما يَكْرَهُ . قيل : أفرأيْتَ إن كان في أخي ما أقولُ ؟ قال : إن كان فيه ما تقولُ فقد اغْتَبْتَه ، وإن لم يكنْ فيه ما تقولُ فقد بهَتَّه.»[8] فالغيبة من أخطر أمراض القلوب فالكلمة كالرصاصة تقتل وإن خرجت لا تعود ومهما التأم الجرح تبقى الندوب .
والنميمة لا تقل خطورة عن الغيبة فكلاهما من آفات اللسان وانعكاس لعلل القلوب وثرثرة مقيتة لأنها تقوم على نقل الكلام على جهة الإفساد ″ هي إفشاء السر عما يكره كشفه ، قولا أم فعلا ، عيبا أم لا ، والنميمة أشد من الغيبة ″[9] لذلك فعلاج النميمة لمن وعى هو عدم نقل الخبر لأن النفوس المريضة تتلذذ بنقل الكلام وتزيد فيه فالنية تسبق العمل ، قال الله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (سورة الحجرات / 06)
لذلك فإنه من أجل الحفاظ على العلاقات داخل الأسرة وجب ردع النمام المغتاب الذي يثرثر لعلة في قلبه ونهيه من باب النهي عن المنكر …
فالغيبة والنميمة دليل على الغيرة والحسد
ودليل على الكبر والتعالي على الناس
ودليل على سوء الظن والتجسس وسوء الفهم
ودليل على هتك الأسرار وفضح خبايا البيوت
ودليل على علة القلب وهشاشة النفس وضياع الوقت لأن أصحاب الهمم منشغلون بإنجازاتهم عن عثرات غيرهم ، فمن النفوس الهشة زوجة ترى في زوجها ملكا لها تتعلق به وتجعل قلبها مرتعا للوساوس والأفكار الهدامة فتزداد درجة الخوف ويزاد معها ترموميتر الدسائس التي تحاك في مجالس الغيبة ، ولأن الزوج له أخت وحيدة يحبها ويحسن إليها تفقد معه الزوجة صاحبة النفس الهشة معلولة القلب قيمتها وكيانها بالغيبة ودس السم في العسل .
فهي أمام الجميع الزوجة البارة بأهل زوجها لا ترفض طلبا وتظهر أمامه كل عبارات المودة للأهل خاصة الأخت الوحيدة لتنال منها في كل صغيرة وكبيرة تصل حد استفزازها وتسجيل كلامها وإرساله لأخيها فيبدأ قلبه في الابتعاد شيئا فشيئا وتلحظ هي هذا وكلاهما يعتقد يقينا بأن الآخر تغير إلى أن انقطع حبل الوصل وتزوجت البنت ومات الأهل ولم تعد تعرف شيئا عن الأخ الذي كان يوما نعم السند ولا يعرف هو أبناء أخته التي كانت يوما تلك المرأة الجليلة التي تنبض حبا ومودة في نظره.
وفي يوم كان جالسا مع صديق له في يوم جمعه اعتذر الصديق معلنا الانصراف بقوله اعتذر عندي زيارة لأخواتي قبل صلاة الجمعة ، فتعجب الرجل قائلا أو تزور أخواتك قال الصديق نعم كل جمعة أزور بعضهن فقال وهل عندك أكثر من أخت ، قال هن سبع أخوات كلهن أشتم فيهن رائحة أمي رحمة الله عليها .
الأولى رفيقة أمي في تربيتي فالأخت الكبرى أم ثانية ، والثانية رفيقة دربي فهي تكبرني بسنة وكنا رفقة في الكتاتيب والمدرسة وحتى الجامعة ، والثالثة صديقتي المقربة فأنا أكبرها بسنتين وهي حافظة سري ومؤنستي وأنا ربيتها مع أمي وأختي الكبرى ، والرابعة هي الحنونة الهادئة التي تضحك لي بعينيها قبل شفتيها فتحتويني لتكون ذراعا عطوفا آخر لأمي تمارسه بقلب طيب فكلما رأيت ثغرها الباسم تشكلت صورة أمي في وجهها ، والخامسة جميلة الروح الذكية والسادسة المخلصة الوفية الحكيمة والسابعة ملاكي الحارس الأمين التي أمارس معها الأبوة فهي ترى ملامح أبي في وجهي واحتواءه وحبه ورجولته في تصرفاتي لأنها صغيرتنا المدللة التي لم تعيش مع الوالد إلا بضع سنين .
استغرب الرجل كل هذا الثناء في أخواته وبقي مندهشا مما يقوله صديقه وقال كل هذا تراه في أخواتك السبعة؟ قال وأكثر من ذلك فهن عرضي ونسبي ونسلي هن رائحة أبي وامتداد لأمي ، فنزلت دمعة من عيني الصديق وقال أتعلم أني لم ألتق بأختي من سنين وأخاف إن زرتها ترفضني ولا يعرفني أولادها ، فقال الصديق يا أخي المرأة مهما كان زوجها يبقى الأب والأخ سندا وعزة لها ، توكل على الله وخذ من الهدايا ما يمكن فالهدية مرسال الود والمحبة لم يتأخر الرجل وزار أخته يومها ورغم غرابة الموقف فرحت الأخت بزيارة أخيها وتلاشت كلمات العتاب وفرح الأولاد بخالهم لأنهم أرادوا أن يطيب خاطر أمهم قبل وفاتها ، نعم بعد زمن من القطيعة لم يكن يعرف هذا الأخ الذي ترك أذنه تتلاعب بها زوجته الحقود بأن أخته في آخر أيامها مع مرض السرطان الذي أصابها ولم يكن يعلم بذلك أخوها الوحيد .
كل هذا سببه كلمة طائشة من نفس هشة وقلب عليل تلون كل ما تراه بسوادها الداخلي فتسْودُّ العلاقات وتغيب الرحمة والتكافل والتعاون لأن القلب إن استسلم لعوامل القسوة ظلم ……
و من المؤسف أن تتشكل أحيانا في صورة همز ولمز تحمل معاني عميقة للقسوة والظلم ، حين تختلط بالازدراء والتحقير والتقليل من شأن الآخر ، وكلها من بواعث العداوة والبغضاء ، وسبب في قطع أواصر العلاقات من رحم ونسب ومصاهرة ، ودليل على هشاشة النفوس وعلل القلوب فيغيب الأداء العاطفي من احتواء ومودة وتعاطف وقد حذر القرآن من آفة الهمز واللمز لما فيه من خطورة على العلاقات بكسر الخواطر من خلال الاحتقار والسخرية والإهمال والتجاهل ، وفي ذلك يقول الله تعالى : ﴿ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (سورة الحجرات / 11)
وقال أيضا : ﴿ وَيْلُُ لِكُلِّ هُمَزَة لمُّزُة﴾ (سورة الهمزة /1) فهذه سورة تحمل اسم الهمز وتبدأ بالوعيد للهماز اللماز ورغم أن الهمز باللسان واللمز بلغة الجسد إلا أنهما يتتابعان فيكون الاحتقار باللسان والعين معا في كثير من الأحيان فهي لون من ألوان التنمر لفظا وفعلا .
فالهمز واللمز سخرية وكراهية واحتقار وتعالي على الآخر ماذا لو كان هذا تعامل من زوج نحو زوجته هل ستبقى بينهما مودة وثقة وأمان ؟ فالمودة والرحمة تبنى بالواجبات والحقوق والدعم العاطفي والأداء العاطفي الفاعل ، والتواصل الفعال والحوار الإيجابي أما الهمز واللمز فهو لغة ضعاف النفوس معلولي القلوب وهو من أخطر طرق التواصل سلبية لما تحمله من مشاعر كسر الخواطر .
فاللسان آفته الكذب والغيبة والنميمة والثرثرة والتأنيب والهمز وكلها انفعالات سلبية تقتل المشاعر الجميلة وتجعل النفوس هشة تنكسر معها الخواطر وتنكت القلوب بنكت سوداء فتصبح معها العلاقات سامة وتهجرها المودة والرحمة والطمأنينة والأمان .
فالأسرة احتواء وسكينة وأمان وتقبل وحرية وتعزيز العلاقات وبناء الإنسان المتوازن من خلال التربية والتنشئة والقدوة والمتابعة المستمرة من خلال علاقات صحية لنفوس سوية وقلوب سليمة ، يتعلم الإنسان القدرة على التعبير وحسن الإنصات وقيم راقية في التعامل مع التقدير والامتنان والدعم العاطفي الذي يقوم على التحفيز والتشجيع انطلاقا من مشاعر إيجابية مليئة بالتعاطف والتفاهم والتفهم والتقبل بقدوة حسنة تجعل الفرد قادرا على التكيف مع المتغيرات صلبا في المواقف والانفعالات ، لذلك فإن العلاقات الأسرية إن أردنا بناءها بناء سليما وجب التركيز على التشافي من علل القلوب .
ثانيا أثر عدم كف البصر عن الأذى :
البصر آفته النظرة المؤذية ومن آثار علل القلوب وفساد العقول عدم كف البصر عن الحرام ، وهناك نظرة شهوة وهي بريد الزنا ونظرة حسد وهي دليل قلب سكنه البغض والحقد ونظرة حسرة سببها الندم والتأنيب وجلد الذات وكلها انفعالات تنطلق من نفوس هشة وقلوب مريضة معلولة فقد البصيرة وتعلقت بما يجعل البصر مدمنا على الحرام .
فنظرة الشهوة التي جاءت فيها نصوص القرآن صريحة بالتحريم لما تجره من رذائل بفعل السقطات التي يعيشها الإنسان المدمن على المحرمات مهما كان مركزه فيكون ذلك خزيا ووبالا عليه وعلى من يحيطون به .
قال الله تعالى : ﴿ قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ ( سورة النور / 30 )
وقال صلى الله عليه وسلم 🙁 أعطوا الطريق حقه ) قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله ؟ قال: ( غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر )[10]
قال القُرطُبيُّ : (البَصَرُ هو البابُ الأكبَرُ إلى القَلبِ، وأعمَرُ طُرُقِ الحَواسِّ إليه، وبحَسَبِ ذلك كَثُرَ السُّقوطُ مِن جِهَتِه، ووجَبَ التَّحذيرُ مِنه، وغَضُّه واجِبٌ عن جَميعِ المُحَرَّماتِ، وكُلِّ ما يُخشى الفِتنةُ مِن أجلِه)[11]
فالنظرة ليست محرمة لأنها بريد الزنا بل لأنها تجلب الخراب للبيوت ، والخيانة الزوجية والآفات الجنسية سببها قلب معلول وعقل مدمن على المحرمات سليب الإرادة فلا يكف بصره عن الأذى فيقع في الفتنة بكل تفاصيلها فعدم غض البصر يهدم العلاقة الزوجية إما بالخيانة بدركاتها أو بالإشباع من المحرمات فيضيع حق الزوجة ويحدث النفور الذي يؤدي إلى الصمت الزواجي أو الطلاق .
عدم غض البصر بريد الزنا وتفعيل لآفة العادة السرية التي شاعت بين الشياب والشباب عندما لا يستطيع الرجل إتيان شهوته فيتلذذ بنكاح اليد الذي تكون نتائجه عجز جنسي واختلال في العلاقة الزوجية وحسرة وندم وإدمان على الرذيلة وكم من علاقة زوجية أصبحت مستحيلة بسبب هذه الآفة التي تعتبر طابو كبير في المجتمع فلا الرجل يعترف بأنه مدمن عليها ولا المرأة تجرأ على فتح الموضوع حتى بينها وبين نفسها .
علاقة زوجية تنعدم فيها الحميمية ولا تعيش الزوجة حقها الشرعي بسبب إدمان الزوج على هذه العادة المقيت ، فتنشب الخلافات أو يلوذ الطرفان إلى الصمت الزواجي وينعكس ذلك على كل أفراد الأسرة لأن ما في القلوب ينعكس على الانفعالات فتسوء العلاقات عامة .
وعدم غض البصر يؤدي إلى الجرأة على الزنا فتتكرر الخيانة الزوجية التي من آثارها انتشار الأمراض الجنسية الخطيرة عدا ما تحدثه من ألم نفسي وانعدام الثقة والعمل على نشر الرذيلة داخل الأسرة مع هشاشة العلاقات وسميتها في غالب الأحيان بسبب ما تتركه في النفس من صدمات وفقدان الثقة وغياب الإحساس بالأمان ، وتدهور العلاقات الأسرية وتأثر الأطفال نفسيا بذلك مما يسبب في حالات من القلق والاكتئاب والكثير من الأمراض النفسية فالخيانة الزوجية تجربة مدمرة على النفس والحياة الزوجية وعلى الأسرة عامة سببها قلب عليل وغياب البصيرة فترك النظر يسرح دون رقيب والنتيجة إدمان على الرذيلة .
وعدم غض البصر لايكون فقط على المحرمات من النساء في عصر الفتن هذا حيث أصبحت النساء تتفنن في الفتنة والعري والتبرج وكل صور الجاهلية بل الأخطر هو مواقع إباحية وصفحات لمؤثرين ومؤثرات هدفها تهييج شهوات الإنسان وجعله عبدا لغرائزه.
فهذه المواقع تشكل خطرا على العلاقات الانسانية والاسرية وعلاقة الانسان بربه كونها تسلبه إرادته وتوقعه في شرك الإدمان ، مع القلق والتوتر الدائم لأنه يصبح مدمنا على تلبية رغباته التي لا تجد إلا إشباعا وهميا مع تشوه صورة الجنس الذي هو غريزة أودعها الله في الإنسان للتناسل والتكاثر والاجتماع والمؤانسة والتعاون والتكافل فيؤثر ذلك سلبا على العلاقات والدخول في علاقات غير صحية كالابتزاز الجنسي أو المثلية أو البيدوفيليا وزنا المحارم ، بل سيؤدي إلى الاكتئاب والعزلة الاجتماعية وإدمان السلوك القهري حيث تغيب إرادة التغيير ، لذل فإنه من المهم العناية بالقلوب فسلامتها استقامة وعلتها ندامة .
ومن أثر عدم غض البصر بسبب شبهة في العقيدة هو الحسد وقد ورد ذكره في القرآن مذموما مقترنا بالاستعاذة منه في قوله تعالى : ﴿ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ ( سورة الفلق / 5 )
ويدخل مع الحاسد العائن لأن العين بريد لقلب حاسد عليل شرير الطبع يتمنى زوال النعمة على غيره ، والنظر يثبت ذلك من خلال حركات العين التي تنفعل بما يعكسه الباطن ، فالحاسد يتمنى زوال النعمة على الآخر ، ويرجو أن تعود إليه وتعود أسباب الحسد إما بسبب الترفع والتكبر واحتقار الآخرين وأنهم لا يستحقون نعم الله وهو الأولى بها ، أو بسبب الذلة والمسكة والإحساس بالدونية التي تجعل هذا النوع من الناس بأنه قليل الحظ وأن الأقدار حرمته من نعم كثيرة فيرى النعمة على غيره يتمنى زوالها ، وهناك من يرى ذلك بسبب خلل في فهم القدر وأن النعم موزعة بطريقة غير عادلة فهو لا يعلن عن ذلك لكن أفعاله تدل على هذا الاعتقاد المشوه ، فهو يتعجب لماذا ينجح فلان ولماذا يرزق فلان بالمال والولد ويرى بأن فلان ليس أهلا لنعمة الصحة أو الزواج أو الجاه والمنصب حسدا وبغضا وفي ذلك تألِّ على الله سبحانه وتعالى .
الحسد عمل قلبي ينعكس على التصرفات والسلوكات وبريده العين ثم اللسان فيصاحب ذلك الانتقاد اللاذع مع نظرات الاحتقار وتمني زوال النعمة ومع الهمز واللمز ، واستعمال ألفاظ عدائية والتقليل من شأن الطرف الآخر وقد يلجأ إلى التنافس غير الصحي حتى بين الزوجين مما يفقد الثقة والأمان .
من تجليات الحسد الشعور بالنقص وتدمير العلاقات والحزن والهم وتتبع عورات الغير والتركيز على سلبياتهم ونشر اخفاقاتهم ، وأكثر التجليات وضوحا ما تظهره العين بالنظر من طرف العين نظرة حادة دون ذكر الله ، والتركيز على السلبيات بنظرة في اشمئزاز مع ضيق في الصدر ليخرج بانطباع سلبي ، هذه التفصيلات ليست من باب رفاهية الكتابة بل هي أمور تنطلق أساس من عدم غض البصر حين النظر إلى ما تشتهيه النفس لذلك يعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم كيف نكسر الحسد في نفوسنا بتربية النفس على الغبطة بدل الحسد لأن الغيرة وتمني النعم طبيعة في الإنسان لكنها تحتاج إلى توازن وتهذيب وذلك بتزكية النفس فنتمنى لنا ولغيرنا ونرجو من الله النعم لنا ولا نرجو زوالها على غيرنا .
قد يحسد الرجل زوجته لعلو همتها في العلم والمعرفة فيسعى إلى تحطيم إنجازاتها والتقليل من نجاحها بالتركيز على هفواتها وتقصيرها بدلا من دعمها فيؤدي ذلك إلى تدمير العلاقة بينهما .
ولو غض الانسان بصره على نعم الآخرين لكفى نفسه شر الحسد وتجلياتها ، فالنظرة إما أن تكون سهاما قاتلة أو شفاء لما في الصدور لأنها تعكس علة القلب أو سلامته .
ثالثا أثر الانفعالات السلبية على العلاقات الأسرية :
الانفعالات هي استجابة وتفاعل وجداني للإنسان بسبب محفزات داخلية أو خارجية أو هما معا ، سواء كانت إيجابية أو سلبية ، وما يهمنا في معرض حديثنا هي الانفعالات السلبية التي تحدث نتيجة محفزات سلبية نتيجة حديث النفس الداخلي السلبي أو محفز خارجي بسبب علاقات هشة أو تنمر أو إيذاء تكبر أو احتقار وغيرها من المحفزات التي تنمي البغضاء فيسلك الانسان سلوكا انفعاليا سلبيا ، وتؤثر تأثيرا سلبيا على السلوك وعلى العلاقات وحتى على الصحة ، كثيرة هي المواقف التي تؤدي إلى جلطة في الدماغ أو ارتفاع السكري أو غيرها من الحوادث التي سببها انفعالات سلبية ، كما تؤثر سلبيا على الصحة النفسية لأن الفرد يعيش تحت ضغوط نفسية سواء بسبب عداء أو ظلم أو عدم القدرة على رد الإساءة أو كسرة في نفس مع عدم الإحساس بالأمان وغيرها كثير من المشاعر السلبية التي تصاحب الانفعالات السلبية سواء صدرت مني أو من غيري فإن تأثيراتها النفسية قد تؤدي جروح نفسية بليغة .
في حالة غضب وفي حوار حاد بين زوجين قد يصاب الزوج بحالة هستيرية يضرب الزوجة فتزداد أذى بلسانها لتخرج أسوأ ما فيه والنتيجة هو يؤثر الانفعال على صحته فيصاب بجلطة ، ويؤثر على نفسيتها فتفقد الأمان والسكينة ويحدث النفور وقد يكون المحفز داخلي كعدم تقبل الذات وعد الثقة في النفس ومع وجود محفز خارجي بكلمة جارحة أو نقد لاذع تغيب معه البصيرة ويتجلى في حدة الانفعال .
لأن الانفعالات إن لم نتعامل معها بوعي تدمر العلاقات ، لأن هناك انفعالات وجدانية طبيعية عند الإنسان كالخوف والغضب والحب والحزن لكنها تصبح سلبية ومعقدة إن غاب الوعي بها وبأهميتها والذكاء في إدارتها فتصبح العلاقات سامة هشة ومدمرة ، خاصة مع التراكمات وعدم فهمها في حينها وتوجيهها بطريقة إيجابية .
تسمع في مواقع التواصل الاجتماعي نعي امرأة في الخمسين ماتت تترحم عليها ، بعد أيام يأتيك خبر بأن زوجها أصيب بجلطة في الدماغ وهو في السجن ، ثم تعرف بعدها أنه ضربها بقسوة حتى فارقت الحياة بعد أسبوع من الحادثة .
تدخل البنت الكبرى لتجد أمها غارقة في الدماء تئن فتصاب بالذعر إلى حد التبول في مكانها من هول الصدمة ، ثم تخرج من البيت طالبة العون فيتدخل الجيران تنقل على جناح السرعة لكن إلى طبيب خاص حتى لا تصبح الحادثة قضية ، تأخذ المسكينة مسكنات يعمل لها الطبيب كمادات لكن بعد أسبوع تموت المسكينة بعد أن أغمى عليها فجأة ، لتصل قصتها إلى الشرطة فتقرر فتح تحقيق ، وبعد تشريح الجثة يتبين أن المسكينة ماتت تحت تأثير الضرب .
لو عدنا إلى جذور القصة نجد بأنها تراكمات ، حيث لا يوجد تقبل بين الزوجين والعلاقة مبنية على الاحتقار لدى طرف وعناد لدى الطرف الآخر ، فهل كان الزوج ينوي قتل زوجته ؟ أبدا لا ‼
ومع تدخل الأهل سلبا وهو محفز سلبي خارجي حيث كانوا يحرضون الزوج على زوجته ، ويحتقرونها لأنها يتيمة فقيرة ولا أحد يسندها ، وهي كانت ترد بالعناد ومع غياب الحوار أصبح الضرب وسيلة لقضاء حاجات الزوج والعناد طريق للانتقام من طرف الزوجة.
حيث طلب منها غسل ثيابه رفضت هددها رفضت ضربها قامت بالعمل لكن بلسان سليط وكلما تفوهت بكلمة ازدادت قسوته حتى ضرب رأسها إلى حائط صلب وبعد أسبوع لفظت أنفاسها ، وسيق هو إلى السجن وأصيب بجلطة في الدماغ وتركا وراءهما أربعة من الأطفال أكبرهم في سن الثامنة عشر وأصغرهم خمس سنوات مصاب بطيف التوحد .
لو لاحظنا سبب هذه المأساة نجدها تفاعلات وانفعالات معقدة ، من خوف وغضب مع محفزات داخلية قد تغذى بالحديث السلبي عن الذات والآخر ومحفزات خارجية سببها قلوب معلولة ونفوس هشة ،فتغيب البصيرة لأنه لا يوجد وعي بالانفعالات السلبية وخطورتها على النفس والصحة وعلى العلاقات .
ويظهر ذلك من خلال قلة الحوار والتواصل وحمل مشاعر الضغينة وسوء الفهم وعدم التفهم والتقبل للآخر فينتج عن ذلك برود عاطفي وانسحاب وفقد الثقة مع الشك والريبة والتعامل على هذا الأساس فيقابل ذل استياء من الطرف الآخر، فيغيب الدعم العاطفي والمساندة والتكافل مع غياب الوعي بالذات وذوات الآخر تصبح الحياة داخل الأسرة بائسة مليئة بالكآبة مع دوام الضغوط وفقد السكينة وعدم القدرة على التعبير بحرية بل حتى التعامل يصبح مقيدا تغيب عنه التلقائية فتتباعد النفوس وتميل إلى الهجر والعداء.
الهوامش والمراجع
[1] صحيح مسلم
[2] شرح الأربعون النووية في الأحاديث الصحيحة النبوية ل محي الدين النووي وآخرون ، اعتنى به محمود بن الجميل أبو عبد الله ،ص 104 ، دار المستقبل القاهرة
[3] صحيح مسلم
[4] البخاري
[5] رواه البخاري
[6] رواه البخاري وسلم
[7] رواه البخاري ومسلم
[8] رواه أبو داوود / مسلم
[9] إتحاف المبتدئ في شرح مختصر الأخضري لوليد بن الفكي المالكي / طبع بالدار الأثرية للنشر والتوزيع / عنابة الجزائر / ص 61
[10] متفق عليه
[11] موسوعة الدرر السنيةhttps://dorar.net/aadab/2141