هاجر عليها السَّلام وإدارة الإبتلاء
معجزة المنهج القرآني في تخليد الشخصيات التاريخية له مقاييس ربانية قد لا نفهمها وقد نستشف حكمتها في بعض الشخصيات من خلال السرد التاريخي لها ، فالقرآن الكريم وحتى السنة النبوية ، لا يوجِّهان أنظارنا إلى الألم لذاته ، بل إلى الروح الوجدانية التي يحملها الإنسان وهو يعبر الألم ويدير معانيه ، وأكبر مثال على ذلك شخصية هاجر عليها السلام ، حيث تبدو نموذجًا فريدًا؛ لا يوجد نظيره في المصحف الشريف ، إذ لم يُخلِّد الوحي تفاصيل ماضيها، ولا سنوات الأسر التي تُذكر في بعض الروايات، ولا حجم الفقد الذي سبق وصولها إلى بيت إبراهيم عليه السلام، وإنما حفظ لنا لحظاتٍ تكشف طبيعة النفس حين تتصل بالله.
اللّافت في سيرة هاجر عليها السلام ليس كثرة المعلومات ولا كثرة الأعمال التي قامت بها ، ولا دعوتها للتوحيد ودين قيِّم ، بل سعي حركه الوجدان ، لم يجزم التاريخ بأصلها على وجه اليقين، ولم يخبرنا عن طفولتها، ولا عن البيت الذي نشأت فيه، وكأن الوحي يعلّمنا أن قيمة الإنسان لا تُبنى على نسبه أو ظروفه الأولى فقط ، وإنما على الكيفية التي يستجيب بها لما يقدره الله عليه والوعي الذي يحمله .
حين تركها إبراهيم عليه السلام في وادٍ غير ذي زرع، بدا المشهد – وفق المقاييس البشرية – نهاية كل أسباب الحياة. صحراء مقفرة، ورضيع لا يملك إلا البكاء، ولا ماء، ولا أنيس. ومع ذلك، لم يبدأ الموقف باعتراض، وإنما بسؤال يحدد المرجعية:
«آلله أمرك بهذا؟»
فلما علمت أن الأمر من الله قالت:
«إذن لا يضيعنا.»
هذه العبارة ليست مجرد تعبير عن الثقة، بل إعلان عن رؤية كاملة للوجود؛ فالإيمان لا يلغي الأسئلة، لكنه يغيّر وجهتها. وحين تستقر المرجعية في القلب، يتحول الخوف من المستقبل إلى عمل، ويتحول القلق إلى حركة.
ومن هنا يبدأ الدرس الأكبر.
لم تُؤمر هاجر بالسعي بين الصفا والمروة، لكنها سعت. ولم يكن السعي لأن بين يديها ضمانًا بوجود الماء، بل لأن الإنسان المستخلف في الأرض لا يملك أن يستسلم للعجز. إن السعي، في هذا المعنى، ليس حركةً بحثًا عن نتيجة فحسب، بل هو موقف وجودي يعبّر عن مسؤولية الإنسان أمام الله.
ولعل في هذا سرًّا بديعًا؛ فالمعجزة لم تكن من فعل هاجر، وإنما من فعل الله، أما السعي فكان فعلها هي. ولذلك يمكن أن نتأمل: لماذا خُلِّد السعي، وأصبح شعيرةً يؤديها ملايين المسلمين، بينما لم يصبح ظهور زمزم شعيرة مستقلة؟
إنَّ في ذلك – من زاوية مقاصدية – دلالة عميقة؛ فالله يربي الإنسان على أن قيمة الاستخلاف لا تقوم على انتظار المعجزات، بل على استنفاد الوسع فيما كُلِّف به. فالنتائج بيد الله، أما السعي فهو أمانة الإنسان.
وهذا المفهوم يتكرر في الوحي؛ فنوح عليه السلام يصنع السفينة قبل أن يرى الطوفان، ومريم عليها السلام تُؤمر أن تهز جذع النخلة وهي في أشد حالات الضعف، مع أن الله قادر على أن يُسقط عليها الرطب بلا هزّ، ومحمد ﷺ يخطط للهجرة ويأخذ بالأسباب مع كمال توكله. إنها سنة ربانية تُعلِّم الإنسان أن الاستخلاف يبدأ بالحركة المسؤولة، لا بانتظار تبدل الظروف.
ومن منظور بناء الشخصية، تكشف هاجر نموذجًا متوازنًا؛ فهي لم تُنكر ألمها، ولم تجعل الألم محور هويتها. لم تتوقف عند السؤال: لماذا أنا؟ بل انتقلت إلى السؤال الأهم: ماذا أفعل الآن؟ وهذا التحول هو ما تصفه دراسات علم النفس الحديثة بالانتقال من الاستغراق في المشكلة إلى التوجه نحو الفعل الهادف، لكنه في الرؤية الإسلامية يتجاوز كونه مهارة نفسية، ليصبح تعبيرًا عن عبوديةٍ واعية لله، وعن فهم عميق لوظيفة الإنسان في الأرض.
ولعل هذا ما يحتاجه إنسان عصرنا. فقد كثرت وسائل التعبير عن المعاناة، حتى صار الحديث عن الألم أيسر من السعي لتجاوزه، وكثرت المقارنات حتى غلب الانشغال بما نفتقده على شكر ما بين أيدينا. وليس المقصود إنكار الألم أو الدعوة إلى كتمان المشاعر، فالإسلام لا يذم الشكوى إلى الله، ولا يحرم الإنسان من البوح لمن يعينه، وإنما يلفت إلى خطر أن تتحول الشكوى إلى هوية دائمة تشل الإرادة، وتطفئ روح العمل.
إن هاجر عليها السلام تقدم نموذجًا مختلفًا؛ فالإيمان عندها لم يكن انسحابًا من الواقع، بل قوةً تدفع إلى الحركة، والتوكل لم يكن انتظارًا، بل سعيًا، والصبر لم يكن جمودًا، بل فعلًا مستمرًا.
لذلك لم يخلد الله ماء زمزم وحده، بل خلد الطريق إليه. وكأنّ الرسالة الخالدة أن الإنسان يُسأل أولًا عن سعيه، لأن السعي هو الترجمة العملية لمعنى الاستخلاف، أما الثمرة فهي فضلٌ من الله يؤتيه من يشاء.
وهكذا تبقى هاجر عليها السلام مدرسةً متجددة،
لا لأنها عبرت صحراء الأمس، بل لأنها تُقدم لكل إنسان يعيش صحارى اليأس اليوم حقيقةً لا تبلى: أنَّ الأرض لا يعمرها المنتظرون، وإنما يعمرها الساعون، وأن الله قد يجعل من خطواتٍ صادقة في وادٍ مقفر شعيرةً خالدة، إذا كانت تلك الخطوات قد خرجت من قلبٍ امتلأ يقينًا، ومن نفسٍ فهمت أن الاستخلاف يبدأ من السعي، قبل أن ينتهي إلى الثمرة.