التربية التطوعية الخيرية
الأستاذة: آمنة خنفري
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77]
قاعدة التطوع و فعل الخيرات
تتميز الأمة الإسلامية عن بقية الأمم كونها أمة ربانية؛ أمة نسكها وحياتها ومماتها لله رب العالمين، أمة كل أعمالها سواء ما تعلق بالدنيا أو الدين خالصة لوجه الله الكريم، الذي يأمرها بالمعروف و ينهاها عن المنكر، لذا أسماها بخير أمة أخرجت للناس.
فخيرية هذه الأمة صلاح وإصلاح في الدنيا وفوز بجنات النعيم في الآخرة جزاء من ربك عطاء حسابا. بَيْدَ أن الأمم الأخرى أعمالها الخيرية والتطوعية تصب في تصورها لمفهوم الخير و المصلحة العامة.
فالذي ننشده من خلال هذا التعريف البسيط هو استقطاب أنظار المربين المسلمين إلى أن رقي الأمة وازدهارها يقوم على مدى وعي أبنائها بقيمة المسارعة إلى فعل الخيرات والمبادرة إلى العمل التطوعي كشرط أساسي لتنشئة الأطفال على حب الله جل وعلا وحب الخير و حب الناس فهذه هي الأمة التي تستحق الوجود والاستخلاف في الأرض. أمة ربانية التربية والمنبت وإنسانية المبادئ .
قال تعالى « وَسَارِعُوا إلَى مغفرة من ربكم و جنة عرضها السماوات و الأرض أعدت للمتقين” [آل عمران: 133]
التطوع عمل إنساني نبيل وسلوك حضاري راقٍ ذو بعدين ، بعد أخلاقي ديني وتنموي حضاري ، يدل على مدى وعي أفراد المجتمع في التعاون و المساندة والمؤازرة و المشاركة في تطور الفرد و المجتمع.
ممارسة الفعل الخيري التطوعي بشتى أصنافه علاج نفسي من شتى الأمراض كالاكتئاب و العزلة والانطواء والأنانية والقلق …..الخ و في هذا السياق أشار الدكتور حاتم آدم استشاري الصحة النفسية بجامعة القاهرة :
“في تعريف الامم المتحدة لعلامات الصحة النفسية للشخص هي كونه يعمل عملًا لآخرين أو بمعنى أصح لا يعود نفعه المادي عليه، وهذا يدل على إحساس بالآخرين ومشاركته لهم وإسهامه في حل مشاكل المجتمع الذي يعيش فيه وانه ليس متقوقعا على نفسه ولا يعيش ويرى الاخرين لا يستحقون شيئاً، حيث يخرج من دائرة التتمرك حول الذات وهذا يساعد الشخص على الشعور بالراحة والاطمئنان النفسي وبالثقة في المجتمع فتذوب معه طحالب الحقد والضغينة والاكتئاب الموجودة في النفس، والتي قد تكبر وتتوحش، والمدرسة العلاجية عند الألمان فيها جملة تثير إعجابي ألا وهي: إنسان= إرادة واختيار، والجملة صحيحة المعنى شرعًا لأن القاعدة الفقهية تقول الاختيار مناط التكليف، فعندما يمارس المريض العمل الخيري من منطلق عبادة الله؛ فإنه بذلك يشبع هذا الجانب الروحي في نفسه، والعمل التطوعي عبادة لا تقل أهمية عن العبادات الأخرى، بل هي عبادة وأجرها خير من العبادة القاصرة، حيث قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «أتحب أن يلين قلبك، وتُدرِك حاجتك؟ ارحم اليتيم، وامسح رأسه، وأطْعِمْه من طعامك يَلِنْ قلبُك، وتُدرِك حاجتك”.
للتطوع فوائد عديدة نفسية واجتماعية واقتصادية تعود بالمنفعة و المصلحة على الفرد والمجتمع على حد سواء.
فهي تعزز الثقة في نفس المتطوع وتشعره بالمسؤولية وتكسبه مهارات وخبرات جديدة ، فيتعلم التخطيط والتسيير والإدارة والتنفيذ والمرافقة والمتابعة وهي تجارب ميدانية محفزة لتجاوز العقبات والمثبطات التي نصادفها في شتى المجالات مما تشكل الشخصية القوية والحكيمة في التسيير المحكم والتنفيذ السريع .
وتعرفه على أشخاص آخرين مما يجعله يكون علاقات طيبة تطمح إلى الانتاج و الابداع فيتعلم الاصغاء الهادئ والتواصل الجيد والمساعدة الفورية. ويتعلم العمل في فريق فيتعلم الجدية والانضباط والتضحية والإيثار.
تطبيق القاعدة
- لقن طفلك هذا الحديث النبوي الشريف “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”؛ علمه أن الإيمان يشترط أن تحب لأخيك المؤمن أو أخيك في الإنسانية ما تحب لنفسك.
- كن القدوة العملية الجيدة في معاملة الآخر (الإنسان-الحيوان-المؤسسة) عامل الآخرين من خلال مراعاتك لمشاعرهم؛ قدم مساعدتك و تعاطفك لمن هم في حاجة لها.
- كن القدوة العملية في الحفاظ على البيئة؛ فيتعلم طفلك حب البيئة، مما يحفزه للمشاركة بحماسة وحب في الاعمال التطوعية المتعلقة بالبيئة كزراعة أشتال الأشجار مع توضيح الفوائد المترتبة عن هذا الفعل التطوعي.
- قص على طفلك سير الأنبياء المرسلين و العلماء والأبطال الذين ضحوا من أجل إسعاد البشرية.
- كن القدوة في فعل الخير ، احرص على التطوع ، خصص بعض الوقت لقضية مهمة كالعمل في ملجأ من ملاجئ المشردين أو في إحدى دور المسنين.
- احرص على توظيف مهاراتك، تبرع بالمال، اعمل على رعاية يتيم.
- انضم إلى الجماعات المحلية التي تركز على تنمية القيم كالكشافة أو جمعيات تدعو إلى الصلاح والإصلاح.
- شجع طفلك على أن يشارك غيره في أشيائه المفضلة والتي يحبها أكثر.
- شجع طفلك على الاشتراك في الألعاب الجماعية والأنشطة الأخرى التي تنتقل بخطواتها من فرد لآخر، لا شك أنه سوف يشعر بالسعادة و الرضا و العطاء ، و هو إحساس مختلف تماما عن الإحساس بالأخذ.
- شجع ابنك على اختيار اللعب والملابس التي لم يعد يستخدمها كي يتبرع بها و اثن على طيبته و اهتمامه بالآخرين.
- احتفظ بصندوق إحسان للعائلة داخل المنزل، و ذكرهم دائما بالفقراء والمحتاجين.
- ذكر طفلك بقول الحبيب المصطفى في مساعدة الآخرين و الثواب الأكيد في الدنيا والآخرة فالله العزيز الحكيم لا يضيع أجر المحسنين ” من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا و الآخرة ، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا و الآخرة ، و الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه” رواه مسلم.
(اجعل من فعل الخير و الإحسان منظومة قيم لعائلتك)