الفطرة أولاً: حماية النشء من الانسلاخ عن هويته الإسلامية في زمن العولمة
في زمن اختلطت فيه الأوراق، وتزاحمت على العقول مئات الثقافات والقيم في مشهد كوني صاخب، لم تعد المسافات هي الحاجز، ولا الحدود هي الساتر. صار العالم قرية صغيرة، يتدفق عبر شاشاته ما يهدم الخصوصيات ويذيب الثوابت، ويترك النشء في حيرة بين ما يُعرض عليه من نماذج دخيلة، وبين ما يحمله في أعماقه من نور الفطرة التي فُطر عليها.
وهنا يبرز السؤال المصيري الذي يقلق كل أب وأم مؤمنين: كيف نحمي فلذات أكبادنا من هذا الانسلاخ الخفي عن هويتهم الإسلامية؟ كيف نصنع منهم جيلاً واعياً، قادراً على السباحة في بحر العولمة دون أن يغرق، أو يفقد بوصلته الربانية؟
إن الجواب يكمن في العودة إلى الأصل، إلى تلك الجبلة السوية التي خُلق عليها البشر، وإلى النصوص المقدسة التي ترسم لنا طريق النجاة.
الفطرة في ميزان القرآن: الأصل الإلهي والخلقة السوية
إن الله تبارك وتعالى لم يتركنا في حيرة من أمرنا، بل بين لنا في محكم كتابه حقيقة الإنسان وجوهر تكوينه، فالفطرة ليست مفهوماً فلسفياً طارئاً، بل هي الحقيقة الثابتة التي ركَّبها البارئ في نفس كل مولود. يقول عز من قائل في سورة الروم:
﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم: 30).
ففي هذه الآية الكريمة إشارة بليغة إلى أن الدين القيم ليس غريباً عن النفس البشرية، بل هو الوفاق والانسجام مع ما جُبلت عليه، فالفطرة هي الاستعداد الفطري لمعرفة الخالق وتوحيده، وهي الميزان الدقيق الذي إن حُرف أو أُهمل، اختلت موازين النفس كلها، والله تعالى يخبرنا أن لا تبديل لهذا الخلق، ولكن أكثر الناس، بتشبثهم بالشهوات وانغماسهم في زخرف الحياة، يغفلون عن هذه الحقيقة، فيظنون أنفسهم بحاجة إلى ما يخالفها.
وعندما أمرنا الله بالاستقامة على هذا الدين، فإنما يأمرنا بأن نكون على وفاق مع أعمق ما في نفوسنا من حب للخير والعدل والحق، لا أن نكابر فطرتنا ونتنكر لها، كما يفعل من ينحرف وراء دعوات التغريب ونبذ الخالق.
الفطرة في مشكاة النبوة: المسؤولية الأولى للأبوين
وجاءت السنة النبوية المطهرة لتجسد هذه الحقيقة الكونية في واقع عملي، وتضع الإصبع على الجرح التربوي الأكبر، فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال:
“ما مِن مَوْلودٍ إلَّا يُولَدُ علَى الفِطْرَةِ، فأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ، أوْ يُنَصِّرانِهِ، أوْ يُمَجِّسانِهِ” (صحيح البخاري: 4775).
هذا الحديث النبوي العظيم يحمل في طياته وعداً إلهياً، وفي الوقت نفسه، إنذاراً وتبصرة. الوعد أن الأصل في الإنسان هو الطهارة والإيمان، والإنذار بأن جائزتين عظيمتين في ميزان الآخرة هما الأبوان؛ فبين يديهما أمانة عظيمة، إما أن يحافظا على هذه الفطرة ويصونانها، فيخرجا جيلاً موحداً لله، وإما أن يغفلوا عنها فتنحرف وتمسخ.
وفي زمن العولمة الذي نعيش، حيث تتعدد “أبواب التهويد والتنصير” وتتنوع أساليبها، لا تقتصر خطورة التأثير على الأديان السماوية المحرفة فحسب، بل تمتد إلى الفلسفات الوضعية، والقيم المادية البحتة، وثقافة الاستهلاك والتفكك الأسري، فالحديث يمنحنا مفتاحاً ذهبياً: إن واجبنا ليس أن نخلق في الطفل شيئاً جديداً، بل أن نزيل عنه ما يعلوه من شوائب التشويه، وأن نرعاه على ما هو عليه من خير.
التحصين الفطري ضد عواصف العولمة في ضوء النصوص
إذا كانت النصوص المقدسة قد أقرت أن الفطرة هي الدرع، وأن الأبوين هما الحامي، فإن القرآن يمدنا باستراتيجيات واضحة لمواجهة عوامل الانسلاخ، منها:
أولاً: غرس العقيدة والمراقبة الإلهية، يقول تعالى مخاطباً لقمان الحكيم وهو يعظ ابنه: ﴿ يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ (لقمان: 16). إن تعليم النشء أن الله مطلع على كل شيء، وأنه لا تخفى عليه خافية، يزرع في نفسه رقيباً داخلياً لا يعبأ بالمغريات الخارجية.
ثانياً: الأمر بالصلاح والتوجيه المباشر، فقد أوصى لقمان ابنه في ذات السياق: ﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (لقمان: 17). وهذه الوصايا الأربع هي برنامج متكامل للمقاومة الفكرية والأخلاقية؛ فالصلاة تعصم من الفواحش، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يصنع شخصية فاعلة مؤثرة، والصبر يعين على تحمل تبعات التمسك بالهوية في بيئة قد لا تشجع عليها.
ثالثاً: النهي عن التشبه والتقليد الأعمى، فالعولمة تقوم على فرض نماذج حياتية موحدة، والقرآن الكريم يحذر من اتباع خطى السابقين من أهل الضلال، قال تعالى: ﴿ إِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ (الأنعام: 116). ويحذرنا الله أيضاً من اتباع سبل غير المؤمنين في قوله: ﴿ وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء: 115). هذه الآيات تبين أن الهوية الإسلامية ليست مجرد عاطفة، بل هي منهج وصراط مستقيم، والانحراف عنه ولو بقدر يسير يقود إلى الضلال.
رابعاً: التربية بالقدوة والأمر الإلهي بحماية الأهل، لقد أمر الله المؤمنين قائلاً: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ …﴾ (التحريم: 6). وهذه الوقاية تشمل الحماية الفكرية والعقدية، قبل أن تشمل الحماية المادية، فالعناية ببيئة الأبناء، وانتقاء ما يقرؤونه ويشاهدونه، وتوجيه أصدقائهم، كلها صور من صور الوقاية التي تأمر بها الآية الكريمة.
خطة عملية لحماية الفطرة
وكيف لنا أن نحقق هذه النصوص في واقعنا المعاصر؟ إن التطبيق العملي يبدأ من عدة نقاط تنبثق مباشرة من روح الشريعة:
- إحياء الذكر في البيت: جعل البيت عامراً بتلاوة القرآن، والأذكار الصباحية والمسائية، حتى تشبع النفس بالروح الإيمانية التي تقاوم أي تيار فكري دخيل.
- تعزيز الانتماء للأمة: بسرد قصص الأنبياء والصحابة، وتذكير الأبناء بأنهم جزء من أمة عظيمة لها تاريخها المجيد، فذلك يرفع مناعتهم النفسية ضد الشعور بالدونية أمام ثقافات الآخرين.
- تدريبهم على النقد الواعي: منذ الصغر، بتعليمهم أن كل ما يُعرض عليهم من إعلام وثقافة يجب أن يُعرض على ميزان الشرع والعقل السليم، فلا يقبلوه إلا بعد تمحيص.
- القدوة الحسنة للأبوين: فالنبي ﷺ لم ينه الأبناء عن شيء إلا وكان أبعد الناس عنه، ولم يأمرهم بشيء إلا وكان أسبقهم إليه، وهذا هو جوهر التربية الفطرية التي تنعكس في سلوك النشء دون تكلف.
وأخيرًا؛ إن العولمة بأمواجها العاتية، ليست مجرد ظاهرة اقتصادية أو تقنية، بل هي مشروع ثقافي شامل يهدف إلى توحيد النمط الاستهلاكي والفكري للإنسان، وهذا ما يتناقض مع تنوع الفطر التي خلق الله الناس عليها، ولكننا معشر الآباء والأمهات، نملك السلاح الأقوى: سلاح الإيمان، والعودة إلى هدي الكتاب والسنة.
إن مهمة حماية النشء ليست مستحيلة، لكنها تتطلب منا أن نكون نحن أول المتمسكين بالنهج القويم، وأن نوقن بأن الفطرة التي جبل الله عليها أبناءنا هي الأصلب من كل ريح، ما دامت تُسقى بمعين الوحي وتُحاط برعاية المؤمنين.
فلنستمسك بوعد الله لنا في فطرته، وبهدي نبيه ﷺ في وصيته، ولنصنع من بيوتنا حصوناً منيعة، لا لتغلق على أهلها، بل لتفتح أبوابها للحياة بثقة وإيمان، وتخرج جيلاً قوياً يحمل راية الإسلام في عصر العولمة، لا يخشى لومة لائم، ولا يبالي بزيف المدنية الزائفة، إنه الجيل الذي إذا سُئل عن هويته، قال بكل فخر: ديني الإسلام، وربّي الله، ونبيّي محمد ﷺ.
اللهم احفظ أبناءنا وذرياتنا، وثبتهم على دينك، واجعلهم هداة مهتدين، وأعذهم من شر كل فتنة ظاهرة وباطنة، إنك على كل شيء قدير.