حصريا

المآتم في الجزائر بين العادة والدين دراسة اثنوجرافية على ظاهرة إعداد طعام الجنائز – أ.ليلى جوادي -الجزائر-

0 49

المآتم في الجزائر بين العادة والدين: دراسة اثنوجرافية على ظاهرة إعداد طعام الجنائز

يشكّل الموت لحظة إنسانية فارقة، تختبر فيها المجتمعات قيمها الدينية والاجتماعية والأخلاقية، والجزائر مثلها مثل الكثير من البلدان الإسلامية العادات والتقاليد حاضرة وبقوة حتى في الموت والجنائز، فأما بعض هذه العادات والتقاليد من لب الشريعة الإسلامية وأما البعض الآخر فمما توارثته الأجيال وترسّخ عبر الزمن حتى صار في نظر البعض جزءًا من الدين نفسه.

ومما لاحظته واستنكرته بنفسي ولم أجد له سندا دينيا ولا مرتكزا مجتمعيا سوى بعض الأفكار المتوارثة والتي تحولت إلى أعباء في الكثير من الأحيان: مسألة إعداد الطعام في الجنائز من طرف أهل الميت نفسه وذلك طيلة أيام العزاء، وهذا الأمر ملاحظ في بعض المناطق الجزائرية دون الأخرى، وفي الحقيقة هناك بعض المناطق سعى الكبار فيها إلى إنهاء هذه العادة؛ فهناك من أفلح وهناك من فشل.

والسؤال المطروح: كيف يفعل أهل الميت هذا ويتكبدون هذه المشاق رغم أنهم أكثر الناس انشغالًا بالحزن، وأشدّهم تأثرًا بالمصيبة، فهل هذا الفعل من الدين؟ أم من العادات؟ وما حكمه شرعًا؟ وما أثره نفسيًا واجتماعيًا؟


أولًا: صورة المآتم في المجتمع الجزائري

تختلف مظاهر العزاء من منطقة إلى أخرى في الجزائر، لكن يمكن إجمال الصورة العامة في النقاط التالية:

  • فتح بيت الميت لاستقبال المعزّين ثلاثة أيام غالبًا.
  • تقديم القهوة والشاي والمشروبات.
  • إعداد وجبات كاملة في بعض المناطق، خصوصًا في اليوم الأول أو الثالث أو السابع.
  • إقامة ما يسمى بـ”الوعدة” أو “الصدقة” بعد أسبوع أو أربعين يومًا في بعض الجهات، وهناك جهات تخصص السابع لصنع عشاء لكل الأقارب الذين يعودون للتعزية خصوصا، ثم نفس الأمر في الأربعين حيث يصنع للقبر حافة ويبنى وكذلك يوضع له ما يسمى ب”الشهود” فيصنع طعام كثير ويعود الناس من جديد للعزاء وكأنه أول يوم جنازة.

ونجد تفاوتًا واضحًا بين الأحياء والمناطق الشعبية والريفية في حجم الإنفاق وطبيعة الضيافة؛ ففي بعض القرى يُعدّ الطعام بكميات كبيرة قد تشبه الولائم، بينما في مناطق أخرى يقتصر الأمر على استقبال بسيط دون تكلف.

هذا التفاوت يؤكد أن المسألة ليست حكمًا دينيًا ثابتًا، بل هي ممارسة اجتماعية تخضع للعرف.


ثانيًا: النص الشرعي الواضح في المسألة

ورد في السنة النبوية ما يبين الموقف الشرعي من هذه القضية، فعندما استُشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، قال النبي ﷺ:

“اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم.”

وهذا الحديث يُفهم منه بوضوح أن السنة أن يصنع الناس الطعام لأهل الميت، لا أن يصنعه أهل الميت للناس، ولم أقف على أي مستند شرعي سواء من القرآن أو السنة على هذا الموضوع.

فالمنطق الشرعي يقوم على مبدأ: أهل الميت مشغولون بالحزن فهم أولى بالمواساة لا بالخدمة والمجتمع مسؤول عن التخفيف عنهم لا إثقال كاهلهم.

وقد ذهب كثير من أهل العلم إلى أن صنع أهل الميت للطعام للناس من المحدثات إذا كان على سبيل التكلّف أو العادة الملزمة.

لو فككنا هذا الفعل وتساءلنا لماذا يقوم به الناس سنجد الكثير من الردود؛ وأنا شخصيا قصدت الكثير من الناس وسألتهم: لماذا يعدون الطعام في الجنائز؟

كانت الأجوبة مختلفة ولكنها متقاربة مثل:

  • إحداهن أخبرتني أن الجميع يفعل ذلك وجدها ليس بأقل منهم حتى لا يصنع له الطعام في جنازته.
  • امرأة أخرى قالت لي: اعتدنا ذلك وإن لم نفعله ينظر الناس إلينا بنظرة دونية.
  • ثالثة أجابتني: الناس يسافرون لنا من بعيد ولا يصح في حقنا أن يأتونا ويعودون وبطونهم خاوية جائعة.
  • أحدهم أخبرني عن صديقه حين توفيت زوجته أنه فعل ذلك حتى لا يقال أنه فرح أنها توفيت وتركته وحيدا.
  • وأجمع الجمع على أن هذا الطعام صدقة تصل للميت.

إذا حللنا هذا الكلام منطقيا: هل الطعام الذي يصنع في الجنائز به يُقيّم الميت في الدنيا والآخرة أم بعمله وسيرته الحسنة التي خلفها وراءه وهل من المنطقي أن ينظر الناس نظرة دونية للآخر فقط لأنه لم يصنع طعاما في جنازة دون مراعاة الظروف؟

ثانيا: الذي يسافر إلى جنازة ويقطع مسافات طويلة ابتغاء الأجر لن يضره أن يأكل في الطريق ولو ما قلّ ودل فقط لإسكات جوعه وليس شرطا أن يكون الأكل به لحم وشحم وغير ذلك.

-أما الذي يفعل ذلك فقط ليقال أنه كان بارا بوالديه أو حسن العشرة بزوجه فهذا ليس دليل بل الدليل هي الحياة المشتركة والسيرة العطرة أو العكس التي كان يعلمها الناس والتي لن تتغير بذبح كبش أو عجل أو عجول حتى.

-تبقى قضية الصدقة والأجر: أظن أننا كلنا يعلم أن الصدقة هي أنفعها للناس، وكذلك ما قدمه الإنسان وهو حي وليس الذي يقدمه الناس عنه وهو ميت والحديث الشريف واضح حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

“إذا مات ابنُ آدم انقطع عمله إلا مِن ثلاث: صدقةٍ جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له” رواه مسلم

فالعمل الذي يتبع صاحبه في القبر واضح، أما إطعام الطعام فلم يثبت مطلقا أن المقصود به في الحديث المعروف: طعام الجنائز.


ثالثا: إشكالية إعداد طعام الجنائز من حيث التكلفة

هنا أستسمح القارئ أن أورد قصة أخبرتني بها أحد النساء التقيتها صدفة حيث كنت في العاصمة لأمر خاص وأنا أنتظر التقيت امرأة أخذنا نتجاذب أطراف الحديث حتى سألتني ماذا أفعل وغير ذلك، وعندما أخبرتها أني أقدم دورات ومحاضرات وكذلك أكتب بين الحين والآخر قالت لي: إذن أؤمنك أمانة ولا أريد أن تخطي خطوة بيدك أو لسانك أو قدمك إلا وأخبرت الناس هذه القصة.

وعدتها بذلك وكانت القصة:

قالت المرأة: كانت لي جارة فقيرة كبيرة في السن لها ابن وحيد معاق عمره أربعون عاما، وهي من تقوم عليه وتصرف عليه مما يتصدق به الناس عليهما، وفي يوم من الأيام مات هذا الابن المريض، وإذ بالجيران يتهافتون عليها وكل في يده شيء: خضار وفواكه ولحم وكل ما يحتاجه الإنسان للجنازة، حتى أن ضوء أحد الغرف لم يكن يعمل فأصلحه أحد الجيران، وبعد مرور أيام على الجنازة تهافت عليها الناس مرة أخرى يطالبونها بالمال، حتى أن العجوز استغربت قائلة: أي مال وأنا لم أطلب منكم شيئا؟ وأجمع الجمع على أن هذه عادات وتقاليد يجب أن لا يتخطاها غني ولا فقير وهي مجبرة على الدفع عاجلا أو آجلا؛ قالت لي المرأة: رأيتها من شرفة بيتي وهي تجمع ثياب ابنها رحمه الله من شرفة بيتها وهي تقول الله لا يساحمك يا ابني أتعبتني وأنت حي وأتعبتني وأنت ميت.

هذه القصة التي تقشعر لها الأبدان أكبر دليل على الإرهاق الذي يحدث للعائلات إذا أصابتهم مصيبة الموت، حتى أني وجدث مثلا يقول: “الموت والوخيذة” وهذه حقيقة.

ومما لاحظته في بعض المناطق كذلك: أن العائلات فورما يبلغها خبر الوفاة تشتري الكباش ويبدأ الذبح، وأخبرتني أحد الأخوات أنهم كانوا قد ربوا كبشا في البيت وما إن دخل جدها المستشفى حتى جاء والدها قائلا: إذا توفي والدي نذبح هذا الكبش.

كيف ذلك والناس أصبحت تشتكي اليوم من عيد الأضحى وقد صارت شعيرة الأضحية متوقفة في الكثير من البيوت من غلاء الأسعار الذي أثقل كاهل العائلات الجزائرية؛ كيف نعطل شعيرة ونساند بدعة؟ أيهما يرضي الله؟

أظن أن الموضوع فعلا يحتاج إلى تدخل سريع.

ففي الواقع الجزائري تحولت أيام العزاء إلى عبء مالي ثقيل:

  • ذبح أكثر من خروف.
  • أو شراء كميات كبيرة من اللحم.
  • استئجار أوانٍ أو طباخين.
  • تهيئة مكان واسع لاستقبال أعداد كبيرة.

وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، قد تضطر بعض العائلات إلى:

  • الاستدانة.
  • بيع شيء من ممتلكاتها.
  • تحمل ديون طويلة الأمد.

وهنا تتحول المناسبة من مواساة إلى ضغط اقتصادي يزيد المصيبة مصيبة.


رابعا: البعد النفسي للمسألة

من الناحية النفسية، أهل الميت يكونون في حالة: صدمة وحزن عميق وإن كان الميت مريضا بقي فترة طويلة في المستشفى: إرهاق جسدي لأهله واضطراب في النوم والأكل.

فكيف يُطلب منهم أن:

  • يقفوا في المطبخ لساعات؟
  • ينظموا الضيافة؟
  • يهتموا براحة الضيوف؟

هذا السلوك قد يؤدي إلى:

  • كبت المشاعر.
  • تأجيل الحزن الطبيعي.
  • شعور بالإجهاد الشديد بعد انتهاء العزاء.

بينما السنة النبوية تهدف إلى حماية أهل المصيبة نفسيًا، بإعفائهم من أي التزام اجتماعي مرهق.

وكذلك مما لن أنساه أبدا أني رأيت نسوة من عائلة أصابتهن مصيبة في شخص عزيز كنّ بصدد إعداد الطعام والبكاء بحالة هستيرية لدرجة أني أظن الطعام أعد بالدموع ولم يكن بحاجة لإضافة الماء.


خامسا: متى يكون إعداد الطعام مقبولًا؟

يمكن ضبط المسألة بضوابط معتدلة:

  1. أن يكون حسب السنة: أن يفعل الجيران ذلك والأقارب وأن يطبخوا في بيوتهم ويحضروا الطعام لأهل الميت وخاصته وليس لكل من يؤدي واجب العزاء.
  2. ألا يكون هناك تكلف أو إسراف.
  3. ألا يُعتقد أنه سنة واجبة.
  4. ألا يتحول إلى عبء مالي.
  5. أن يكون الأصل هو إعانة أهل الميت لا إثقالهم.

فلو جاء بعض الأقارب بطعام وأكلوا مع الأسرة لتخفيف وحشتهم، فهذا أمر حسن.

أما أن يتحول البيت إلى مطبخ كبير يخدم الزوار، فذلك يخالف مقصد المواساة.


سادسا: مقترحات إصلاحية للمجتمع

  • نشر الوعي الديني الصحيح من خلال الخطب والدروس.
  • تشجيع مبادرة الجيران بإعداد الطعام لأهل الميت.
  • التقليل من أيام العزاء لتخفيف المشقة.
  • فصل العادات عن الدين حتى لا يظن الناس أن ما يفعلونه واجب شرعي.
  • كما يمكن للمجتمع المدني والجمعيات المحلية أن تلعب دورًا في تنظيم مسألة العزاء بطريقة تحفظ الكرامة وتخفف الأعباء.

وختاما…

إن الموت لحظة ضعف إنسانية، يحتاج فيها أهل المصاب إلى من يحمل عنهم لا من يزيدهم حملًا.

والسنة النبوية جاءت واضحة في هذا الباب: المواساة تكون بإعانة أهل الميت، لا بتكليفهم.

وما نراه في بعض مناطق الجزائر من تكلف في إعداد الطعام إنما هو عادة اجتماعية قابلة للمراجعة، وليست حكمًا دينيًا ملزمًا.

فإذا اجتمع الوعي الديني مع الرحمة الاجتماعية، تحولت المآتم إلى مواساة حقيقية، لا إلى مناسبة مرهقة نفسيًا وماديًا.

ونسأل الله أن يرحم موتى المسلمين، وأن يلهم أهلهم الصبر والسلوان، وأن يوفق مجتمعاتنا إلى ما فيه التيسير والاتباع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page