حصريا

أهمية التوافق الزواجي وأهم مظاهره – د.سامية جباري -الجزائر-

0 41

أهمية التوافق الزواجي وأهم مظاهره

البروفيسور سامية جباري


تعتبر العلاقة الزوجية ميثاقا غليظا كما حددته الآية القرآنية،

قال تعالى : ” وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (النساء، 21) .

وليس أبلغ من التعبير القرآني العظيم في وصف علاقة الزوجية بكونها “الميثاق الغليظ”، وبما تعنيه الكلمة القرآنية من بلاغة وروعة من العهد والقوة والتأكيد الشديد لأهمية الحفاظ عليه والوفاء به. وتحقيقا لمعاني الميثاق الغليظ لابد من التأكيد على الأساس الذي تقوم عليه العلاقة الزوجية وهو الديمومة والاستمرار، في جو تتكامل فيه الوظائف وتتحدد فيه الأدوار، لتنتج في الأخير أسرة متوافقة إلى حد بعيد تنسجم فيها الأفكار والرؤى ويسودها التفاهم والتناغم بفقه قاعدة الموازنات والأولويات. فإن تحقق هذا يمكننا أن نجزم بوجود التوافق الزواجي الذي يحافظ على كيان الأسرة من التفكك ويحمي الأبناء من الضياع.


مفهوم التوافق الزواجي وأهميته:

اعتبر علماء النفس حالة التوافق تظهر في تآلف الزوجين وتقاربهما واجتماع كلمتهما وارتباطهما معا بروابط المودة والرحمة ويقابلها حالة عدم التوافق التي تظهر في اختلاف الزوجين وتنافرهما وعدم اجتماع كلمتهما في أمور الأسرة. (إبراهيم مرسي، 1998، ص 192)

كما عرفه البعض أنه قدرة كل من الزوجين على التلاؤم مع الآخر ومع مطالب الزواج ونستدل عليه من أساليب كل منهما في تحقيق أهدافه من الزواج ومن مواجهة الصعوبات الزواجية وفي التعبير عن انفعالاته ومشاعره، ومن إشباع حاجاته في تفاعله الزواجي. (إبراهيم مرسي، 1998،ص 193)

وقد جاء تعريف التوافق الزواجي في معجم المصطلحات التربوية والنفسية كما يلي: هو حالة وجدانية تشير إلى مدى تقبل العلاقات الزواجية، ويعتبر محصلة للتفاعلات المتبادلة بين الزوجين في جوانب عدة منها: التعبير عن المشاعر الوجدانية للطرف الآخر، واحترامه وأسرته والثقة فيه، وإبداء الحرص على استمرارية العلاقة معه والتشابه معه في القيم والأفكار والعادات، والاتفاق معه على أساليب تنشئة الأطفال، وأوجه إنفاق الميزانية، إضافة إلى الشعور بالإشباع الجنسي في العلاقة. (حسن شحاتة، 2003، ص 160)

كما يعرف بأنه الحالة التي يخبر فيها كل طرف من الزوجين التكافؤ الديني والأخلاقي والاجتماعي والعمري والصحي والثقافي والشعور بالكفاءة( الجدارة) والقناعة والرضا عن العلاقة الزوجية والشعور بالسكن (الجسدي والنفسي والمادي) والانتماء العاطفي، والمودة المتبادلة، والرحمة المتبادلة والاتجاهات الواقعية نحو الزواج، والفهم المتبادل للواجبات والمسؤوليات والتعاون في حل المشكلات الحياتية والزوجية بالطرق السليمة والمناسبة، واحتواء الأزمات الطارئة والسيطرة عليها والثقة المتبادلة والتوافق في الأهداف وتقارب الاتجاهات والقيم والأفكار والميول والجاذبية المتبادلة وفهم الآخر وتقبله كما هو عليه لا كما يجي أن يكون احترامه والاهتمام براحته والتضحية في سبيل الزواج واستمراريته وخشية الله تعالى في التعامل الزواجي ويرى الشهري، أنه “حالة توضح مدى التفاعل بين الزوجين ومقدار رضاهم عن علاقتهم وحجم اتفاقهم على الأدوار الأساسية المنوطة بهم.”. (وليد الشهري ، 2009، ص 26)

والتوافق هو النتيجة الإيجابية للتفاعل الجيد بين طرفي الزواج، حيث أن التوافق الزواجي أساس نجاح الحياة الزوجية والأسرية، لأنها لصيقة ومستمرة ومتصلة ولها متطلبات متبادلة، تقتضي الإشباع المشترك، وذلك وصولا للتوافق في الحياة الزوجية. ( سناء جمعان، 2018، ص 1334)

كما يعتبر التوافق الهدف الأسمى الذي تسعى الأسرة لتحقيقه حتى تستطيع تحقيق رسالتها بشكل سليم وتجعل من البيت مهدأ يأوي إليه، وتوفر لأبنائها مناخا صالحا لنموهم نموا سليما جسديا واجتماعيا ونفسيا وإشباع احتياجاتهم في مراحلهم المختلفة ليتسنى لهم فيما بعد تأدية أدوارهم في الحياة على أكمل وجه. (موسوعة الأسرة، 548)

من منطلق التعاريف المتعلقة بالتوافق الزواجي فإنه يمكننا أن نقول أن للتوافق الزواجي أثره البارز في تسيير العلاقة بين الزوجين فيما بينهما ثم علاقتهما بالأبناء داخل الأسرة والمحيط الذي يعيشون إليه، فكلما ازداد التوافق الزواجي بين الزوجين تشيع روح التسامح بينهما، والتعاون والتنازل في حدود غلق أبواب المشاكل والنزاعات، فكلما اتفقا على طرق التعامل الصحيح بينهما، ومع الأبناء فإن الأسرة ستستقر على المحبة والتعاون والتسامح وعلى تجنب الكثير من الصراعات ، وتكون أقدر على مواجهة الصعاب وتسيير الأزمات وتوظيف القدرات والطاقات للقيام بالواجبات المنوطة بهم فتكون هذه الأسرة نموذجا لغيرها من الأسر في التلاحم والتفاهم والتعاون، أما إذا ساء التوافق الزواجي بين الزوجين فإن ذلك ستترتب عليه نتائج وخيمة إن كان على مستوى العلاقة الزوجية أو على مستوى علاقة الزوجين مع الأبناء ومع المحيطين بهم.

فعدم الاستقرار بين الطرفين الفاعلين في الاسرة وهما الأزواج سواء على المستوى النفسي أو الوجداني أو حتى على مستوى الأداء فيما تعلق بالمسؤولية والحقوق والواجبات فإن الفجوة ستكون عميقة بين الزوجين وتبدأ تلك العلاقة تنهار شيئا فشيئا ويسود بينهما الطلاق العاطفي أولا وقد يستمر ليصير طلاقا واقعا. وهذا ما يؤثر سلبا على الأبناء فتسود بعض الممارسات الخاطئة من تعنيف وصراخ وعدم تقبل وتدني روح المسؤولية من الطرفين فينشأ الأبناء في جو غير مناسب حيث يتشربون تلك الممارسات فيسود القلق والضغط وأحيانا يصاب بعضهم ببعض الاضطرابات النفسية التي غالبا ما تضعف أداءهم وتشتت أحوالهم، فعوض أن يسود التعاون والمودة ينقلب البيت كله فتشيع روح الضغينة والتواكل وعدم الاستقرار النفسي فيكون ذلك مدعاة لانحراف الأبناء وعدم القدرة على الاستمرار الزواجي.


مظاهر التوافق الزواجي:

ذكر محمد عبد الرحمان أن في الزواج يتم إشباع الدافع الجنسي من خلال إطار شرعي يرضي عنه الدين والمجتمع، مما يزيد في الرضا النفسي لدى الفرد، وكذلك يتم فيه إشباع دافع الوالدية، لذلك فقد توصلت بعض الدراسات لمجموعة من المظاهر والعلامات الدالة عن حدوث التوافق الزواجي، والتي نذكر منها:

  • التواضع والتعاون بين الزوجين في أداء الأدوار
  • الشعور بالسعادة والرضا عن الحياة والراحة النفسية والسلوك الاجتماعي المقبول
  • شعور الأبناء بالأمن النفسي
  • ظهور الدعم والمساندة من الطرف الآخر والأسرة، مما يساهم في حل المشكلات بسهولة نسبيا
  • الاشباع الجنسي والتعاون الاقتصادي
  • النجاح والكفاءة في العمل، حيث أن التوافق قد يزيد استقرار الفرد العامل في عمله
  • حصول كل من الزوجين على مطالبه وأهدافه، مما يعني اتفاق السلوكيات مع التوقعات، وكذلك الانسجام والقدرة على حل المشكلات وقديم المساعدة لبعضهما
  • التواصل غير اللفظي الناجح وطهور الحب المتبادل بينهما
  • الرضا عن الزواج وكذلك الطرف الآخر. (محمد عبد الرحمن، 1998، 169-217)

كما وردت الإشارة إلى هذه المعاني في تعريف التوافق كونه: أنه الاختيار المناسب للزواج والاستعداد للحياة الزوجية والدخول فيها والحب المتبادل بين الزوجين، والإشباع الجنسي وتحمل المسؤولية الحياة الزوجية والقدرة على حل مشكلاتها والاستقرار الزواجي والرضا والسعادة الزوجية (2009.P1 darling.fleming)

مجملا يمكننا القول:

أن العلاقة الزوجية الناجحة هي تلك العلاقة التي تنبني على الحب والتفاهم والرحمة، وأنها تقوم على التكامل بين الزوجين وتقسيم الأدوار بينهما بمراعاة القدرات والمؤهلات الفطرة البشرية أو حتى المكتسبة، وكذا مستوى التكليف والقيام بالواجبات الزوجية، مما يكسب هذه العلاقة روحا نابضة متجددة يتوافق فيها الزوجان في تسيير حياتهما الأسرية، وفي إشباع حاجياتهما العاطفية والجنسية فيكون مآل أسرتهما الاستقرار.

إن التوافق الزواجي يسهم بشكل كبير في تحقيق أهداف الزوجين في مجالات الحياة المختلفة فالتناغم بينهما والانسجام يساهم في أدائهما الأدوار بشكل متّزن، ويمكنهما من القيام بوظائفهما بشكل سليم يضمن بقاء العلاقة المتوافقة، وهذا سينعكس على أدائهما الحسن في الحياة المهنية والاجتماعية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page