حصريا

الفطرة من الشقّ الأول إلى الميثاق الإنساني د. إسلام هلال -مصر-

0 10

الفطرة من الشقّ الأول إلى الميثاق الإنساني

د. إسلام هلال – دكتوراه الشريعة الإسلامية، متخصص في سوسيولوجيا الشريعة والقانون

قبل أن تُكتب على الإنسان لغة مجتمعه، وقبل أن يرث عادات أسرته أو يتشرّب خطاب عصره، ثمة أثر أسبق من كل ذلك .. أثر لا يُكتسب بالتعلّم ولا يُصاغ بالتنشئة، بل يُودَع في بنية الكائن قبل أن يعي بها .. هذا الأثر هو ما يسميه القرآن الكريم “الفطرة”، وهو المفهوم الذي تحاول هذه السلسلة أن تُعيد له اعتباره المعرفي، بعد أن ابتُذل استعماله حتى صار كلمة تُقال ويتم تداولها أكثر مما تُفهم.

الفطر: شقٌّ، وخَلقٌ، وابتداء

اللافت أن المادة اللغوية “ف ط ر” لا تحمل معنى واحدًا في القرآن، بل تتوزع على ثلاثة معانٍ متجاورة يُضيء بعضها بعضًا. المعنى الأول الشق والفصل، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ (الملك: 3)، حيث “الفطور” هنا الشقوق التي يستحيل وجودها في خلق محكم. والمعنى الثاني الخلق والصناعة والإبداع من عدم، كما في قوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ (الأنعام: 14). أما المعنى الثالث فالابتداء، وهو الشروع الذي لا سابقة له، كما في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ (فاطر: 1)

ثلاثة معانٍ لكنها ليست ثلاثة مفاهيم متفرقة؛ فحين يصف القرآن ربنا سبحانه وتعالى بأنه “فاطر”، فهو الذي يشق حجاب العدم ليبتدئ الخلق ابتداءً لا سابقة له. وحين يُقال إن الإنسان مفطور على كذا، يحمل المعنى هذه الطبقات الثلاث معًا: أن فيه شقًّا أصليًّا أي استعدادًا مبدئيًّا زُرع فيه عند بدء خلقه، لا يُكتسب لاحقًا ولا يُضاف إليه من الخارج. هذا التلازم اللغوي هو ما يمنح “الفطرة” في سياق الإنسان معنى أعمق من “الطبيعة” بمفهومها الحيادي؛ فهي طبيعة مقصودة، لا طبيعة عشوائية.

لماذا تحتاج الفطرة أن تكون نقطة مرجعية؟

يكتسب المفهوم أهميته من وظائف لا يؤديها غيره من المفاهيم المجاورة. فهو أولًا يعدّ نقطة مرجعية ثابتة يُقاس عليها الانحراف والاستقامة، في عالم تتزاحم فيه الأعراف والمذاهب المتغيرة حتى يفقد الإنسان معيارًا يحتكم إليه. وهو ثانيًا يشكّل نقطة التعادل بين الروح والجسد؛ فلا الفطرة نزوع ملائكي يُنكر الجسد وحاجاته، ولا هي انحدار بهيمي يُنكر الروح وتطلعها، بل التوازن الذي تحدّث عنه ابن القيّم حين وصف استقامة القلب بين قوتيه الشهوانية والغضبية ضمن حدود الشرع، لا بإلغائهما ولا بإطلاقهما.

وهي ثالثًا ذلك الحصن الذي يحتمي به الإنسان في معركته مع الشيطان؛ فالمعركة -كما يُفهم من سياق آيات تغيير خلق الله- ليست معركة على الأفعال وحدها، بل هي في جوهرها معركة على تغيير الفطرة ذاتها، بحيث يُقنَع الإنسان بأن ما يُغيَّر فيه هو مجرد “تطور” لا “تحريف وانحراف”. ومن هنا يتضح البعد الرابع وهو أن معركة الفطرة هي المعركة الأصيلة التي تتفرع عنها سائر المعارك الأخلاقية، وليست معركة هامشية بين معارك أخرى.

هنا تُفيد ملاحظة سوسيولوجية في توضيح حدّة الإشكال المعاصر، حيث يفترض ماكس فيبر أن الحداثة تسير في اتجاه “نزع السحر عن العالم”، أي تفكيك المرجعيات السامية لصالح تفسيرات إجرائية بحتة. والفطرة بوصفها مرجعية متعالية على الاجتماع البشري، هي أول ما يستهدفه هذا المسار؛ إذ لا يكفيه أن تُفسَّر الظواهر الإنسانية تفسيرًا وضعيًّا، بل يلزمه أن يُنزع عن الإنسان ذاته أي “طبيعة” سابقة على الاختيار والتشكّل الاجتماعي.

الفطرة وما يلتبس بها

لا ينشأ كثير من الخلل المعاصر عن إنكار الفطرة صراحة، بل من الخلط بينها وبين مفاهيم مجاورة تشبهها في الظاهر وتُخالفها في الجوهر. فالعُرف قد يوافق الفطرة حين ينبثق عن استقامتها، وقد يُخالفها حين تتراكم عليه انحرافات جماعية حتى تصير “طبيعة ثانية” يحسبها الناس الفطرة نفسها؛ والفارق الحاسم أن العرف اجتماعي المصدر متغير بتغير الزمان والمكان، بينما الفطرة إلهية المصدر ثابتة لا تتبدل وإن حُجبت أو خفتت.

والخبرة ليست الفطرة وإن بُنيت عليها؛ فهي تراكم فردي أو جمعي لاحق عليها، يُثريها أو يُشوّش عليها بحسب جودتها. والتنشئة الاجتماعية أشد التباسًا بالفطرة من الخبرة، لأنها -كما بيّن بيتر بيرغر في تحليله لعمليات إضفاء الطبيعية على الواقع الاجتماعي- تعمل على تحويل ما هو مكتسب إلى ما يبدو بديهيًّا، حتى يظن الإنسان أن ما رُبّي عليه هو فطرته، بينما هو قناع اجتماعي قد يوافقها وقد يحجبها.

أما الغريزة فتشترك مع الفطرة في قدر من الثبات، غير أنها بيولوجية المصدر تصف السلوك التلقائي المشترك بين الإنسان والحيوان، في حين أن الفطرة أخص؛ فهي تخاطب الإنسان بوصفه مكلَّفًا يعقل، لا بوصفه كائنًا عضويًّا فحسب. والطبع أقرب إلى المزاج الموروث أو المكتسب بالعادة، مرن قابل للتشكل، بخلاف الفطرة التي جوهر ثابت وإن أمكن حجبه أو تشويهه. وأخيرًا، فالتصورات والأوهام هي ما ينتجه الذهن من صور واعتقادات قد توافق الفطرة أو تنحرف عنها انحرافًا كاملًا، وهي وحدها -من بين هذه المفاهيم- ما يمكن أن يُناقضها مناقضة صريحة، بينما تبقى بقية المفاهيم في الغالب تعديلًا عليها لا نقيضًا لها.

هذا التمييز ليس ترفًا اصطلاحيًّا؛ فالخلط بين هذه المفاهيم هو ما يجعل بعض الدعاة يُقدّسون عادات مجتمعهم باسم الفطرة، وهو نفسه ما يجعل بعض المجدِّدين يُقدّمون تصوراتهم الشخصية بوصفها اكتشافًا فطريًّا. والحق أن الفطرة وحدها، من بين كل هذه المفاهيم، إلهية المصدر ثابتة الجوهر، وما عداها ميدان اجتهاد وتفاوت.

الزوجان لا الجنسان: التكامل بوصفه أصلًا في الخلق

من هذا الأساس يمكن الانتقال إلى مسألة أكثر تحديدًا: كيف تتجلى الفطرة في العلاقة بين الذكر والأنثى؟ وتتيح اللغة العربية هنا تمييزًا يغيب عن كثير من النقاشات المعاصرة، وهو الفارق بين “الجنس” و”الزوج”. فالجنس يدل على النوع العام الذي تندرج تحته أصناف أو أفراد، وهو تصنيف يقوم على التشابه والاجتماع في صفة عامة. أما الزوج فهو القرين الذي يُكمِّل الآخر، مفهوم قائم على الافتراق النوعي لا التشابه، وعلى التكامل الوظيفي لا مجرد الانتماء إلى فئة واحدة.

والقرآن الكريم حين يتحدث عن الذكر والأنثى لا يستعمل غالبًا لغة “الجنسين” بل لغة “الزوجين”: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ (النجم: 45)، بل يُوسّع المبدأ ليشمل الوجود كله: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (الذاريات: 49). والزوجية هنا سنة كونية شاملة لا خصوصية بشرية، تحمل دلالة مقصدية مفادها أن الازدواج ليس تكرارًا لنمط واحد في نسختين، بل افتراق يخدم غاية مشتركة، بحيث يستحيل على أحد الطرفين تحقيقها منفردًا. من هنا كانت “ثنائية الخلق” التي تعني افتراق الذكر عن الأنثى في الصورة والوظيفة، لا تناقض “وحدة المقصد” التي تجمعهما، بل هي شرطها؛ إذ لا تكامل بين متماثلين، وإنما التكامل قائم بطبيعته على الاختلاف الموظَّف لغاية واحدة.

هذا التمييز بين منطق “الجنس” ومنطق “الزوج” سيكون مدخلنا في المقال الثاني لفهم توزيع الأدوار بين الزوجين؛ فإذا كانت الزوجية تكاملًا مقصودًا لا تصنيفًا اعتباطيًّا، فالسؤال عن الأدوار لا يُطرح بوصفه سؤالًا عن “من يملك السلطة على من؟”، بل عن “كيف يخدم كل طرف الغاية التي خُلق الزوجان من أجلها؟”. وهذا ما نواجهه في الحلقة القادمة، حين نُجيب عن السؤال الأشد حساسية: هل الفطرة توزّع الأدوار، أم أن هذا التوزيع بناء اجتماعي محض تُسقطه الثقافات على ما هو في الأصل محايد؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page