حصريا

نفسية الطفل صنم التربية الحديثة -أ.بن قيدة رزيقة -الجزائر-

0 42

نفسية الطفل: صنم التربية الحديثة

أم عمر الفاروق

15/جويلية/2026


تعتبر الحداثة حركة فكرية قائمة على إعلاء شأن العقل، الفردانية، والعلم، ومن أهدافها التحرر من الأفكار التقليدية، هذا ما جعل العقلاء من المجتمعات المحافظة يتوجسون من كل ماهو حداثي، إلا أن بعض المهتمين بالشأن التربوي قد غرّهم بريق المصطلح فتبنّوا كل ما تحمله الحداثة من تجديد ونقد وابتكار، مدفوعين عموما بجراحٍ وجدانيةٍ غائرة سببتها أخطاء تربوية مورست عليهم في سن الطفولة، هذه الأخطاء كانت وليدة ظروف اجتماعية وتاريخية ولم تكن أساسا تربويا قائما بذاته.

ويعلم الدارسون لعلوم التربية أن مفهوم التربية منذ القدم لم يكن يحمل في مضامينه غير الرعاية والاهتمام في الطفولة المبكرة ثم التدرج في المسؤوليات واستعمال نوع من الحزم مع عدم مَرْكَزَة مشاعر الطفل، إلا أنها أحيانا كانت تركز بشكل كبير على جعل المربي والمعلم محورا للعملية التربوية-التعلمية وتبالغ في فرض “الواجب” وتُغيّب ذات الطفل، فلا تراعي مشاعره كون هذه المشاعر حسب رؤيتهم التربوية معيقة في كثير من الأحيان لعملية التربية إن هي روعيت دون ضوابط جادة، ولعل هذه المخاوف تجسدت كثيرا في كتابات مفكري عصر ما بعد الحداثة، فيقول الفيلسوف وعالم الاجتماع زيجمونت باومان (Zygmunt Bauman) صاحب نظرية الحداثة السائلة:

“في المجتمع السائل، يتحول الأطفال من كائنات نربيها ونهيئها للواجبات، إلى مشاريع عاطفية نرجسية نستهلك من خلالها مشاعر الأمومة والأبوة، ونقيس نجاحنا بمدى سعادتهم اللحظية.”

من هذا المنطلق الحداثي لم تعد التربية الحديثة مفهوما متداولا بين أخصائيي التربية فقط، لأن المصطلح قفز من الضفة الأكاديمية العالية نحو بحر رقمي مزدحم بمنظرّين أغلبهم بعيدين عن الميدان ركبوا موجة التحديث التي طالت أساليب الحياة بما فيها تربية الأطفال، كانت هي التي جرّأتهم على اقتحامه، فأصبح الناس يتداولون مقاطع تتحدث عن نفسية الطفل ومنشورات تتناول أخطاء يمارسها الأهل في حق أبنائهم ولربما صادف هذا تضاربا في الأقوال بين المؤثرين ممن ينتحل صفة أخصائيين وبين آباء ترسّبت لديهم عقد نفسية نتيجة الظروف المجتمعية التي نشؤوا فيها، هنا يبرز سؤالان حول المظاهر التي كانت كجرس إنذار يحذر من صنمية حديثة، هي نفسية الطفل، ثم ماعلاقتها في إضعاف هيكل الأسر المستقبلية حتى أصبح المفكرون يتنبؤون بأن عصر ما بعد الحداثة هو عصر البربرية يقينًا؟


مظاهر صنمية نفسية الطفل في التربية المعاصرة

إن الملاحظ لأشكال التربية في مجتمعنا اليوم يرى مظاهر كثيرة خصوصا الاهتمام بنفسية الطفل التي أصبحت هي المرجعية الأساسية في تحديد الخطأ من الصواب في التربية، بدل الرجوع لتوجيهات الشريعة الخالية من النقص، مع أخذ خصوصية المجتمع بعين الاعتبار. لقد تم استغلال هوس الآباء وخوفهم على أبنائهم للترويج لأساليب وطرق جديدة تجعل من نفسية الطفل مركزية أساسية في عملية التربية فتلاشت سلطة الوالدين الأخلاقية وأصبحوا مجرد خدّام ومُسهّلين لحياة الأبناء، ويتم محاكمة أخطائهم على أنها جرائم لا تغتفر في حق هذا الطفل الإله فلا يجب أن يحزن أو يغضب أو يتحمل المسؤولية، أصبح الطفل وفق النظرة القاصرة لمروجي التربية الحديثة صنم تقدم له القرابين ويُخشى من سخطه وسخط من نصّبوا أنفسهم رهبان هذا الكهنوت الجديد.

من المظاهر كذلك التحامل والهجوم على كل من يدعو لممارسة الحزم بكل مراحله وتدرجاته بدءا بالتوجيه ثم التنبيه ثم المنع وأخيرا الضرب كآخر مرحلة من مراحل العقاب والتأديب والضرب يكون ضرب رحمة وشفقة لا ضرب انتقام وأذية ثم إن تجاوب الطفل مع المراحل السابقة هي من يحدد الانتقال من مرحلة الى أخرى وليس كل من لا يضرب ولده فهو متساهل وليس كل طفل يخطئ يستحق الضرب، وقد يكون من بين القرّاء من ينفر من هذه الكلمة، وكثير من الكتّاب من يستحي أن يضمنها كتبه ومقالاته لكنني آتي بها كما ذكرت في النص، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(مُروا أولادَكم بالصلاةِ وهم أبناءُ سبعِ سنينَ واضربوهُم عليها وهمْ أبناءُ عشرٍ وفرِّقوا بينهُم في المضاجعِ)

لم تراع هنا نفسية الطفل بل نسميه هواه لأن النفس تركن للراحة وتنزعج من الالتزام فإن راعينا مشاعره وبكاءه كنا نحن وهو عباد هوى لا مصلحين وبناة، يقول عبد الكريم بكار معرّفا التربية أنها “مساعدة الطفل على أن يكتشف نفسه، وأن يمتلك أدوات الوعي والتحكم الإرادي في سلوكه، لتأهيله ليكون فرداً صالحاً قادراً على العطاء والبناء.” ولا يمكن بأي حال أن يتحكم الانسان إراديا في سلوكه ويكون واعيا ما لم يقل لنفسه (لا).

إن نقدنا لهذه الصنمية المتفشية -نفسية الطفل- لا يأتي كدعوة لتعنيفه والحاق الأذى به، وليس ترويجا للقسوة لكنه توجّه يدعو لاستعمال الحزم الممزوج مع الشفقة والرحمة، أطفالنا أمانات وجب أن تصان ونتيجة هذا ستكون شخصيات سوية فاعلة وقادرة على النفع والانتفاع.


التفكك الأسري والآثار المترتبة على التربية السائلة

من جهة أخرى فالخوف الحقيقي على الطفل وعلى مستقبله هو خوف على الأسرة والمجتمع ككل، إذا تربى بالحزم لا باتباع هواه ورغباته، لأننا حينها نكون نربيه على التعاقدية النفعية يقول عبد الوهاب المسيري:

“حينما تتغلغل العلمانية الشاملة في الأسرة، تسقط الحدود والتراتبية الأخلاقية، وتتحول العلاقات الحميمة إلى علاقات تعاقدية نفعية، يُصبح فيها الطفل مركزاً للذاتية المفرطة التي تلتهم القيم المشتركة”

أي أن الفردانية والنرجسية المتفشية اليوم تتجلى مظاهرها في النسب المرتفعة لحالات الطلاق بحيث لم يعد هناك وجود لمعاني التضحية والصبر وتغليب المصلحة وهذا ما جنته التربية الحديثة من تفكك لمفهوم الزواج والأبوة وحلول المتعة اللحظية واشباع الرغبات، ثم من تأليه نفسية الطفل الى تأليه انسان لذاته دون أن يشعر.

لعل أكثر من يتقاطع مع هذه التربية التي أصبحت فعلا سائلة هم ممارسو التربية والتعليم، فالمعلم مربٍ لكنه يفتقر للعاطفة الوَالِدية التي تكون سببا في انزلاق كثير من الآباء نحو أخطاء تربوية تهدم أساسات البناء لدى شخصيات أبنائهم، فالمعلم المربي يرى جليا غياب النضج الأخلاقي والعودة للغريزة البدائية لدى هذه الأجيال؛ ميوعة أخلاقية، إفراط في الذاتية، أجيال لا تؤمن بقيم عليا ولا بالصبر على التحديات، فإن لم تكن هذه بربرية حداثية فماذا نسميها؟ يرى مالك ابن نبي أننا لا يمكن أن نصنع شبكة علاقات اجتماعية قوية بأفراد نشؤوا على الاستهلاك دون الإنتاج، وعلى التمتع بالحقوق دون وعي بالواجبات.

إن كل ما سبق لا أراه إلا هدما لنفسية الطفل تحت مسمى (الحفاظ على نفسية الطفل) بل هو صنم من أصنام الحداثة أبتليت به الأسر في المجتمعات المحافظة والتي يعنيها المستقبل أكثر من أمجاد الماضي، فمنع البناء أهون من هدم البناء، إن مستقبل المجتمعات يحدده واقع الأسرة وواقع الأسرة نستقرئه من جودة الغراس الذي تنتجه، وعليه إن أردنا كشف اللثام عن هذا الوعي المعرفي الزائف وتحليله ثم دراسته دراسة سيكولوجية واجتماعية تنقلنا من الطرح الفلسفي الى التطبيق العملي فإنني أوصي بشدة بقراءة كتاب (الهشاشة النفسية) للباحث د. إسماعيل عرفة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page