حصريا

سيداو (cedaw) قراءة نقدية في المبادئ والآيات – د.بوحفص روملية -الجزائر-

0 39

سيداو (cedaw): قراءة نقدية في المبادئ والآليات

بوحفص روميلة أستاذة محاضرة قسم ب جامعة محمد لمين دباغين سطيف2


لقد أولى الإسلام عناية كبيرة بالمرأة ، فقرر لها من الحقوق والواجبات ما يصون كرامتها ويحقق لها العدالة، وجعل معيار التفاضل بين الناس التقوى والعمل الصالح، لا الجنس أو اللون أو العرق، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ، وانطلاقًا من هذه الرؤية، أرسى الإسلام مبدأ العدل بين الرجل والمرأة، مع مراعاة الخصائص الفطرية والتكامل الوظيفي بينهما ﴿وليس الذكر كالأنثى﴾ ، وفي العصر الحديث برزت اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) بوصفها أحد أهم الصكوك الدولية المتعلقة بحقوق المرأة ، وقد حظيت باهتمام واسع وترحيب من بعض الدول والمنظمات، في مقابل إثارتها جدلًا فقهيًا وقانونيًا في المجتمعات الإسلامية، لما تتضمنه أحكامها من مفاهيم تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية والثوابت الأسرية والثقافية، الى جانب الزامية تضمين التشريعات والقوانين الداخلية للدول لبنود سيداو ومن هذا المنطلق يسعى هذا المقال إلى بيان أهم مضامين اتفاقية سيداو وآلياتها.


معاهدة سيداو ومبدأ عدم التمييز

إن عدم التمييز ضد المرأة لم يكتسب قوة قانونية ملزمة في الاتفاقيات السابقة، الأمر الذي حدا بالمجتمع الدولي وبمبادرة من منظمة اليونسكو لإيجاد نص شامل لكافة الحقوق المتعلقة بتعزيز وتطوير فعلي لوضعية المرأة، وبناء على ذلك صدرت اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة سيداو (cedaw) (خليفة، 2000) ، وتحتل هذه الاتفاقية موقعا هاما بين المعاهدات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، فالاتفاقية تتفق في مضمونها مع أهداف الأمم المتحدة المؤكدة على الحقوق الأساسية للإنسان ، كما توضح هذه الاتفاقية معنى المساواة بين الجنسين وكيفية تحقيقها، فترى اتفاقية سيداو التمييز ضد المرأة: فترى انه يشمل عنصرين رئيسيين وهما :الأفعال التي تعتبر تمييزا ضد المرآة وأثار هذه الأفعال وأغراضها (جمعة.، 2014) ، ولا تقتصر الاتفاقية على مجرد تعريف التمييز، بل تصف أيضا بالتفصيل الالتزامات التي تقع على عاتق الدول في التنفيذ، والتي تتمثل في الاحترام والحماية والإيفاء، أما الاحترام، فيتطلب من الدولة الامتناع عن التدخل بشكل مباشر أو غير مباشر في التمتع بحقوق الإنسان، وأما الحماية، فتستلزم من الدولة اتخاذ التدابير اللازمة لمنع الغير من التدخل في حقوق الإنسان التي يتمتع بها الأفراد، وأما الإيفاء، فيقتضي تيسير التمتع بحقوق الإنسان وتأمينها وتعزيزها باعتماد المناسب من التدابير التشريعية والإدارية والقضائية والتوعوية وغيرها من التدابير الرامية إلى إحقاق حقوق الإنسان بالكامل (راس، 2012) ، وهي إذ تلعب هذا الدور، فإنها لا تعتبر وثيقة دولية لحقوق النساء فحسب، بل تضع كذلك برنامجا للتدابير التي ينبغي على الدول الأطراف القيام بها لضمان تمتع المرأة بهذه الحقوق ، و شرعت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة تصوغ الاتفاقية كصك شامل يمكن أن يضم طائفة واسعة من حقوق المرأة (بلول، 2009) و بشهادة الكثير من انصار الحركات النسوية تعد هذه الاتفاقية نقطة تحول في النضال من اجل حقوق المرأة من المنطلق الغربي ، فلقد دعت هذه الاتفاقية الدول الأطراف إلى شجب جميع أشكال التمييز ضد المرأة عن طريق :إدماج مبدا المساواة بين الرجل والمرأة في دساتيرها وتشريعاتها الوطنية ،وان تتخذ ما يناسب من تدابير تشريعية وغير تشريعية بما في ذلك ما يناسب من جزاءات لحظر كل تمييز ضد المرأة ، مع فرض حماية قانونية لحقوق المرأة على قدم المساواة مع الرجل (المراة.، 1979) ،وقد دعت الاتفاقية من خلال أحكام موادها الدول الأطراف إلى الالتزام باتخاذ كافة التدابير المناسبة والإجراءات من اجل القضاء على التمييز ضد المرأة من جانبه القانوني من جهة ومن جانبه الواقعي من جهة أخرى (تبسي، 2011) واعترفت الاتفاقية في بداية ديباجتها على إيمانها بحقوق الإنسان وبكرامة الفرد وأدميته وبتساوي الرجل والمرأة دون أي تمييز .

بدأت لجنة وضع المرأة بإعداد بنود الاتفاقية منذ عام 1973 ، وتم اعتمادها وعرضها للتوقيع والتصديق والانضمام بموجب قرار الهيئة العامة للأمم المتحدة 180-34المؤرخ في 18ديسمبر 1979،ولم تدخل حيز التنفيذ الا في 03-سبتمبر 1981 (مسعد، 2004) ، وكانت الاتفاقية خطوة هامة لتحقيق المساواة التي لطالما كانت شعار الحركات النسوية وهدفها الازلي في إقرار الحقوق والقضاء على التمييز بين الرجل والمرأة، و الدعوة إلى تمكين المرأة من حقوقها السياسية والاقتصادية والثقافية والمدنية

و سعت الاتفاقية لمعالجة موضوع التمييز ضد المرأة بشكل أكثر عمق وشمولية واقصائية في آن واحد ، ولتحقيق تقدم فعلي ألزمت الاتفاقية كل حكومات الدول الموقعة بتقديم تقارير دورية عن أوضاع المرأة فيها، کما أعطت الاتفاقية لمؤسسات المجتمع المدني المختصة الحق في تقديم تقارير تفيد في مقارنتها التقارير الرسمية (السمينة، 2016-2017)


المبادئ التي قامت عليها اتفاقية سيداو

ونجد الاتفاقية حملت في مضمونها مجموعة من المبادئ أهمها :

  • هدم القيود والعادات القائمة على فكرة تفوق أحد الجنسين على الآخر .
  • القضاء على أي مفهوم يناقض مبدأ المساواة ويجعل من فعالية دور الرجل تعلو على فعالية دور المرأة في المجتمع وإتاحة الفرص للنساء على التعليم والتثقيف في جميع المستويات .
  • منح المرأة الأهلية القانونية وحرية ممارستها ، وتكون تساوي الأهلية القانونية للرجل .
  • الحق في حرية اختيار عدد الأولاد وحرية الولاية على أولادها والوصاية عليهم
  • عدم تقييد حقوق المرأة في جميع الميادين على أنها تتمتع بالمساواة الكاملة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية .
  • تشجيع الدول على مكافحة جميع أشكال استغلال النساء وفتح لها مجالات وفرص نفسها المتاحة للرجل فلم تكن تكفي عالمية وعلانية حقوق المرأة بل كان يجب التركيز على الزامية المبادئ القانونية لكي يكون العمل بهذا الاتفاقية ذو فعالية ،جاءت اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة بأحكام تلزم دول الأطراف على تطبيقها والعمل على مبادئها ، كما أنها تناولت عددا من القضايا بشأن المرأة ومن بينها :
  • تكريس مبدأ المساواة وتوسيع نطاقه ، فرض ضمانات لهذه الاتفاقية لأنه على الرغم من أنها إلزامية لكن مازال مبدأ التمييز من نظر سيداو cedaw قائما في التشريعات الوطنية لبعض الدول .

لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة

لقد ألحقت الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة بروتوكول اختياري صدر بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة تحت رقم 54/4 المؤرخ في:6-10- 1999 وتم فتح باب التوقيع والتصديق عليه والانضمام إليه في: 10-12-1999، وقد دخل حيز النفاذ في 22-12-2000 وفقا لأحكام المادة 16 منه (المراة، 1999) ، وقد وصل عدد الدول الأطراف فيه سنة 2007 إلى 87 دولة، ويدعو البروتوكول الاختياري الدول الأطراف لتصبح طرفا في الصك الدولي الجديد، بالمصادقة على البروتوكول الاختياري لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة بحيث يمكن سريانه في اقرب وقت ممكن على أساس إجراء وكفالة الحق في التظلم من انتهاكات حقوق النساء (جمعة، 2014) ، هذا البروتوكول الذي أوجد آلية دولية وهي لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة (نعار، 2017) ،التي انشات بموجب المادة 17من الاتفاقية وتتألف عند بدء إنفاذ الاتفاقية من 18 خبير وبعد تصديق الدولة الطرف الخامسة وثلاثين عليها وانضمامها اليها من 23 خبيرا من ذوي المكانة الخلقية الرفيعة والكفاءة العالية في ميدان عمل الاتفاقية تنتخبهم الدول الأطراف من بين مواطنيها …مع إيلاء الاعتبار لمبدأ التوزيع الجغرافي العادل (جمعة.، 2014)، والذي وسع من مهامها، حتى يصبح بالإمكان مراجعة النصوص الوطنية، التي تحرم النساء من الحصول على حقوقهن (الشيخ، 2014-2015) ،وتعتبر أيضا هذه اللجنة بمثابة جهاز رقابة على كيفية تطبيقها (تبسي، 2011) ،وكان من مهام هذه اللجنة هو تمكين المتضررين من رفع الشكاوي ،بحيث يتيح هذا البروتوكول الجديد جعل الدول تحت وطأة إذعان للرقابة والمحاسبة والمساءلة الأممية ،وتعمل أيضا على تحديد الإجراءات الواجب اتباعها لضمان اعتماد انسب السبل لتحقيق المساواة الحقيقية .

وتقوم إجراءات البروتوكول الاختياري على :

  • إجراء النظر في الشكاوي المعروضة ودراسة سبل إنصاف تراهمضحايا
  • التحري وفتح تحقيق جراء الانتهاكات الجسيمة والمنتظمة لحقوق النساء

وفي الختام وفي ضوء ما سبق، يتبين أن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) تمثل إحدى أهم الاتفاقيات الدولية الخطيرة التي تتجاوز الأعراف والتقاليد بل وتدعو الى الغائها وتقفز هذه الاتفاقية على القوانين الوطنية للدول وهذا من خلال ما تضمنته من مبادئ وآليات قانونية ولجان رقابية تهدف إلى ضمان تنفيذ أحكامها على المستوى الدولي ، ولقد أثارت أحكامها نقاشًا واسعًا في الأوساط الفقهية والقانونية، ولا سيما في المجتمعات الإسلامية، بسبب ما يُنظر إليه من تعارض بين مضامينها وأحكام الشريعة الإسلامية خاصة المتعلقة بالأسرة والولاية والأحوال الشخصية ، ومن ثم فإن دراسة الاتفاقية لا تقتصر على بيان أهدافها وآلياتها، بل تستلزم أيضًا قراءة نقدية عميقة نفهم من خلالها الأهداف الحقيقية المعلنة والغير معلنة وتتبع كل ما يرتبط بها من مشاريع ظاهرها خير وباطنها شر مستتر عظيم.


المراجع

احمد جمعة. (2014). القضاء على كافة اشكال العنف والتمييز ضد المراة. عمان: الوراق للنشر والتوزيع .
المادة 16 البروتوكول الملحق بالاتفاقية الدولية لمنع جميع اشكال التمييز ضذ المراة. (1999).
المادة 2 الاتفاقية الدولية لمنع جميع اشكال التمييز ضد المراة. (1979).
زهرة نعار. (2017). حماية حقوق المراة وفقا لاتفاقية القضاء على التمييز ضد المراة (سيداو). مجلة الدراسات القانونية .
صابر بلول. (2009). التمكين السياسي للمراة العربية بين القرارات والتوجهات الدولية والواقع . مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية.
عايدة ابو راس. (2012). اتفاقية القضاء على التمييز ضد المراة . . ورقة علمية مقدمة الى اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا الاسكوا.
عصام بن الشيخ. (2014-2015). مقاربة الجندر وانعكساتها على الوضع السياسي للمراة المغاربية . . . اطروحة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه علوم. باتنة ، كلية الحقوق والعلوم السياسية .
ندى خليفة. (2000). .واقع تحفظات البلدان العربية على تطبيق اتفاقية التمييز ضد المراة. . المجلة العربية لحقوق الانسان.
نعيمة السمينة. (2016-2017). نظام الحصص النسائية وتاثيره على التمثيل السياسي للمراة المغاربية في المجالس المنتخبة المحلية . اطروحة الدكتوراه غير منشورة. باتنة، جامعة الحاج لخضر .
نفين مسعد. (2004). حقوق المراة . اعمال الندوة الاقليمية حول سبل تفعيل اتفاقية القضاء على جميع اشكال التمييز ضد المراة. المنضمة العربية لحقوق الانسان .
هالة سعيد تبسي. (2011). حقوق المراة في ظل اتفاقية القضا على جميعاشكال التمييز ضد المراة سيداو . بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page