حصريا

فقه المسافة الآمنة: براءة الذمة في صلة الرحم المؤذية د. فداء منصور الجوهري- مصر

0 19

فقه المسافة الآمنة: براءة الذمة في صلة الرحم المؤذية

د. فداء منصور الجوهري- مصر

جعل الإسلام صلة الرحم من عظيم القربات، بل وقرنها الله U بعبادته وتقواه، فقال تعالى )وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا( (النساء:1) ولكن، ماذا لو كان هذا القريب بابًا للضرر لا جسرًا للمودة؟

بين ميثاق الفطرة وضريبة الأذى

تعد قضية صلة الأرحام في الشريعة الإسلامية ميثاقًا غليظًا لا يقبل النقض، فهي ليست مجرد واجب اجتماعي أو بروتوكول أسري، بل هي عهدٌ إلهي استمد غلظته من كونه مشتقًا من اسم الله “الرحمن”، وشريان يربط العبد بخالقه؛ كونها معلقة بالعرش كما جاء في الحديث الصحيح، ” الرَّحِمُ معلَّقةٌ بالعرشِ تقولُ: مَن وَصَلني وصلَه اللهُ ومَن قطعني قطعه اللهُ”[1])أخرجه مسلم: 2555). ما يجعلها رحمًا موصولة بذات الخالق سبحانه، وقد قرن الله صلتها بتقواه وعظم شأنها لتكون اختبارًا لإيمان العبد لقول النبي ﷺ في الحديث القدسي عن الرحم: (إنَّ الرَّحِمَ شُجْنةٌ مِنَ الرَّحمَنِ، فقال اللهُ: مَن وصَلَكِ وصَلتُه، ومَن قَطَعَكِ قَطَعتُه)[2](أخرجه البخاري: 5988)، وفيه تعظيم قدر الرحم، والحث على وصلها والتحذير الشديد من قطعها،[3]ومن هنا استقرت في وجدان المسلم عظمة هذا الحق، حتى غدا قطع الرحم كبيرة من الكبائر التي تُغلق دونها أبواب السماء.

ولكن حين نصطدم بأرض الواقع، نجد نفوسًا قد تشوهت فطرتها، فصار القريب الذي يُفترض أن يكون سندًا مصدرًا للنكْد، والرحم التي جُعلت للصلة أصبحت مكمنًا للأذى. وهنا يقف المسلم في حيرة متمزقًا بين مطرقة الوعيد الشرعي للقطيعة وسندان الضرر النفسي أو المادي الممنهج.

متسائلاً: هل صلة الرحم تعني استباحة الكرامة؟ وهل الواصل هو من يقدّم نفسه قربانًا لظلم ذوي القربى الذين قال فيهم الشاعر: “وَظُلمُ ذَوي القُربى أَشَدُّ مَضاضَةً.. عَلى المَرءِ مِن وَقعِ الحُسامِ المُهَنَّدِ”؟

إن الإجابة تكمن في فهم مقاصد الشريعة؛ فالإسلام الذي أمر بالصلة هو ذاته الذي أقرّ قاعدة “لا ضرر ولا ضرار”، لذا فإن تفكيك إشكالية الأرحام المؤذية لا يبدأ بفتح باب القطيعة، بل بضبط مفهوم الصلة وكيفية إدارتها بما يحفظ على المسلم دينه ونفسه وسلامة صدره، دون أن يسقط في فخ القطيعة المحرمة.

القاعدة الشرعية: لا ضرر ولا ضرار

الأصل في العلاقة مع الأقارب هو الوصل، لكن الشريعة الإسلامية لا ترضى للمسلم أن يُهان أو يُلحق به الأذى المستمر سواء أكان أذىً نفسيًا، أم جسديًا، أو في العرض، والقاعدة الفقهية أن الضرر يُزال، والمصلحة في حفظ النفس والدين مقدمة على غيرها، ومن ثم فإن صلة الرحم ليست صكًا مفتوحًا للقريب ليمارس الأذى، بل هي علاقة إحسان.

وقد يظن البعض أن الصلة تعني الملازمة والمجالسة، وهذا غير صحيح في حال وجود الأذى، فمفهوم الصلة واسع وليس محصورًا في المخالطة، فالصلة درجات، كما قال القاضي عياض رحمه الله:[4](أنه لا خلاف في أن الصلة واجبة جملة وقطيعتها معصية كبيرة، وللصلة درجات، أدناها ترك المهاجرة وصلتها بالكلام ولو بالسلام، ويختلف ذلك باختلاف القدرة والحاجة فمنها واجب، ومنها مستحب، ولو وصل بعض الصلة ولم يصل غايتها لا يسمى قاطعًا). وعلى ذلك تكون مراتب الصلة:

  • المرتبة الدنيا: مجرد ترك الهجر، وتتحقق بأقل القليل وهو السلام والكلام، وتكفي فيها أحيانًا المكالمة أو الرسالة النصية.

وزاد البعض الصلة بالدعاء: وهي أقل الدرجات وأسلمها في حالات الخصومة الشديدة.

  • المرتبة المتوسطة: فعل بعض الصلة الممكنة دون الوصول إلى كمالها، كالصلة في المناسبات، لكسر حدة الهجر.
  • المرتبة العليا (الغايـة): وهي أعلى درجات الإحسان والصلة التي تليق بحال القريب وقدرة الواصل.

الصبر على الأذى.. ومتى يكون الاعتزال مشروعًا؟

من الضروري أن يدرك المسلم أن الشريعة التي جعلت الرحم ميثاقًا غليظًا وأمرت بالصلة لم تأمر بالذلة، ولا الاستسلام للأذى الذي يهدم حياة الإنسان أو دينه. فإذا وصل الأذى لمرحلة لا يمكن احتمالها، جاز (الهجر الجميل) الذي لا سب فيه ولا عدوان، بل ابتعاد طلبًا للسلامة.

وهنا نجد خطًا فاصلاً دقيقًا بين القطيعة المحرمة وبين اتخاذ مسافة آمنة أو الاعتزال المشروع الذي يعد تدبيرًا لحماية النفس والدين:

فالقطيعة المحرمة، هي النية المبيتة على بتر العلاقة تمامًا، بحيث لا يربطك بالقريب سلام ولا صلة ولا دعاء، مع القدرة على أدنى درجات الوصل بلا ضرر، وعلاماتها رد السلام بالصدود، وإظهار العداوة والبغضاء، وتمني زوال النعمة عن القريب.

وهذه القطيعة مُحرمة شرعًا، وهي من كبائر الذنوب لقوله تعالى: )فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ( (محمد: 22)، وفيها ورد الوعيد الشديد لأنها نكثٌ لهذا للعهد الرباني.

أما الاعتزال المشروع، فهو هجر الأذى لا هجر الشخص، ويتمثل في تقليل المخالطة إلى الحد الأدنى الذي يضمن سلامة الإنسان وكف الأذى عن النفس، مع بقاء أصل الصلة قائمًا بسلام أو رد تحية أو رسالة أو دعاء بظهر الغيب، وذلك بالسلام العابر الذي يرفع إثم الهجر، والابتعاد عن مواطن الاحتكاك التي تولد الصدامات. ويكون هذا الاعتزال مشروعًا ومندوب أحيانًا، إذا كان البقاء مع هذه الارحام يفسد الدين (كالغيبة والنميمة) أو يفسد الصحة النفسية والبدنية.

وهذا المسلك أصله في السنة النبوية حين استأذن رجل على النبي ﷺ، فقال: “ائذنوا له، فلبِئْسَ ابن العشيرةِ، أو بئس رجل العشيرة”، فلما دخل عليه آلان ﷺ له القول. وعندما سألته عائشة رضي الله عنها عن ذلك، قال: “يا عائشة، إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من ودّعّهُ، أو تركهُ الناسُ اتقاءَ فُحْشِه”.[5](أخرجه مسلم:2591) وفي هذا الحديث دليل قاطع على مشروعية المُدارة والتعامل بحذر مع من يُخشى شره حفاظًا على النفس والكرامة، دون الدخول معه في مودة عميقة تؤدي للأذى.[6]

إن هذا السلوك يعكس نضجًا إيمانيًا؛ حيث يفصل المسلم بين كرهه لأفعال القريب المؤذي وبين استمراره في أداء حق القرابة العام، وبذلك يغلق مداخل الشيطان الذي يفرح بتفكك الأسر وتقطع الأواصر. ويجب أن يقترن هذا الاعتزال بتوطين النفس على العفو، فإذا زال سبب الأذى أو أبدى القريب ندمًا وإصلاحًا، وجب على المعتزل أن يلين جانبه ويفتح أبواب الوصل تدريجيًا. فالهدف من البعد هو الحماية وليس الإقصاء، وبذلك يجمع المسلم بين عزة المؤمن الذي لا يقبل الهوان، وبين رحمة العبد الذي يرجو الخير لكل ذي رحم.

المآل الأخير بين براءة الذمة وراحة الضمير

إنَّ الوقوف على أعتاب صلة الأرحام المؤذية جهاد عظيم يتطلب فقهًا عميقًا يتجاوز مجرد الحضور والغياب، إلى فقه القلوب ومقاصد العبادات. فالغاية العظمى من صلة الرحم هي تحقيق المودة والسكينة وبناء مجتمع متماسك، فإذا استحال هذا المقصد بفعل الأذى المتعمد، صار لزامًا على المسلم أن يتعبد الله بكف الأذى عن نفسه كما تعبده بالوصل.

إنَّ الاعتزال الواعي ليس هروبًا من المسؤولية، بل هو إدارة للأزمة تضمن للمسلم ألا يفقد دينه في خصومة، ولا يفقد كرامته في صلة، ولا يفقد صحته النفسية في محاولة إرضاء من لا يرضيه إلا الأذى. فالمسلم الواعي هو من يجعل صلة رحمه قربة لا كربة، ومنحة لا محنة. والموفق من جمع بين براءة الذمة أمام الله فلا يقطع بالكلية، وبين حماية النفس فلا يلقي بها في تهلكة الأذى.

وفي الختام، ينبغي للمؤمن أن يستصحب دائمًا نية “الوصل المعنوي” حين يتعذر الوصل الحسي، وذلك من خلال الدعاء الصادق بظهر الغيب لمن آذاه من رحمه، طالبًا من الله الهداية لهم وكفاية شرهم، فالدعاء جسر لا تقطعه المسافات ولا تمنعه الخصومات. وتذكر دائمًا أنَّ الله الذي أمرك بالصلة هو “العدل” الذي لا يرضى لك الظلم، وهو “الرحيم” الذي جعل في سعة الشريعة مخرجًا لكل ضيق. فاجعل صلتك بالله هي الأصل، ومنها استمد القوة لتصل من قطعك بالقدر الذي يرضي ربك ويحفظ قلبك، متذكرًا قول النبي ﷺ:”ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصلُ الذي إذا قطعت رحمه وصلها”[7]-؛ (صحيح البخاري: 5991) وصِلها بالسلام، أو بالدعاء، ليبقى باب الرجاء في إصلاح ذات البين مفتوحًا بانتظار رحمة الله.

 

 

[1] مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، صحيح مسلم، تحقيق أبو صهيب الكرمي، بيت الأفكار الدولية، 1998م، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها، حديث رقم 2555.

[2] محمد إسماعيل البخاري. صحيح البخاري، دار ابن كثير- بيروت، الطبعة الأولى، 2002، كتاب الأدب، باب من وصل وصله الله، حديث رقم 5988.

[3]  الدرر السنية، الموسوعة الحديثية- شروح الأحاديث، متاح على: https://dorar.net/hadith/sharh/4072

[4] بدر الدين أحمد العيني، عمدة القارئ شرح صحيح البخاري، دار الفكر، 2015، الجزء 22، كتاب الأدب، باب فضل صلة الرحم، ص 90

[5] مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، صحيح مسلم، تحقيق أبو صهيب الكرمي، بيت الأفكار الدولية، 1998م، كتاب البر والصلة والآداب، باب مدارة من يُتقى فحشه، حديث رقم 2591.

[6] إسلام ويب، حول حديث “بئس أخو العشيرة”، متاح على: https://www.islamweb.net/ar/fatwa/56434/حول-حديث-بئس-أخو-العشيرة

[7] محمد إسماعيل البخاري. صحيح البخاري، دار ابن كثير- بيروت، الطبعة الأولى، 2002، كتاب الأدب، باب ليس الواصل بالمكافئ، حديث رقم 5991.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page