- حوار مجلة آصرة مع د.كاميليا حلمي رئيس لجنة الأسرة بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
حاورها الاستاذ بن جدو بلخير
- هناك من يثبت نظرية المؤامرة وهناك من ينفيها وهو من يخفف من وطأتها، لكن في مجال الأسرة المسلمة هل نستطيع أن نقول أن هناك مؤامرة ولنقل دولية حول الأسرة بعامة والمسلمة بخاصة؟
بسم الله، والصلاة والسلام على رسوله الكريم، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
لم يعد استهداف الأسرة مجرد افتراض أو نظرية، بل أصبح مشروعًا دوليًّا يمكن تتبع مراحله وأدواته في عدد كبير من الوثائق والسياسات الدولية. ولا يقتصر هذا الاستهداف على إضعاف الأسرة أو تفكيكها، وإنما يمتد إلى استئصال النموذج الأسري الأصيل من جذوره، وإحلال أنماط أخرى محله. وهو يستهدف الأسرة بصفة عامة، والأسرة المسلمة بصفة خاصة؛ لما تتميز به من مرجعية دينية، وتماسك بنيوي، ودور محوري في حفظ الهوية ونقل القيم بين الأجيال.
وترتبط جذور هذا المشروع بالحقبة الاستعمارية التي اجتاحت البلدان التي أُطلق عليها لاحقًا اسم «العالم النامي». ولهذا الاستهداف خلفية تاريخية وأسباب جوهرية، من المهم أن يتعرف إليها القارئ؛
فبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى (1914–1918م)، تعرضت الدولة العثمانية للتفكيك، وأُعيد تقسيم كثير من مناطق العالم الإسلامي إلى كيانات خضعت للاحتلال أو الانتداب الأوروبي، ولا سيما البريطاني والفرنسي، في سياق الترتيبات الاستعمارية التي مثّلت اتفاقية سايكس–بيكو سنة 1916م أحد أبرز معالمها. وقد حرصت الدول المنتصرة على تثبيت نفوذها في هذه البلاد، وتحويل السيطرة العسكرية المباشرة إلى نظم أكثر استقرارًا وأقل كلفة، تضمن خضوع الشعوب المحتلة وعدم مقاومتها.
وفي هذا السياق، تأسست عصبة الأمم سنة 1919م بموجب معاهدة فرساي، وكان هدفها المعلن تعزيز التعاون الدولي وتحقيق السلام والأمن. غير أن العصبة أخفقت في منع اندلاع الحرب العالمية الثانية، ودخلت بعدها مرحلة الانهيار، حتى حُلّت رسميًّا سنة 1946م، بعد تأسيس هيئة الأمم المتحدة سنة 1945م لتحل محلها. وقد عبّر الدكتور حسن نافعة عن الصلة بين المنظمتين في كتابه » الأمم المتحدة في نصف قرن «بقوله: “الأمم المتحدة ليست إلا تعبيرًا عن رؤية ومصالح التحالف المنتصر في الحرب العالمية الثانية، مثلما كانت عصبة الأمم تعبيرًا عن رؤية ومصالح التحالف المنتصر في الحرب العالمية الأولى”.
ومع اشتعال حركات التحرر في أنحاء العالم الإسلامي، أخذت الشعوب المحتلة تنتزع استقلالها بلدًا تلو الآخر. وكانت الثورة الجزائرية من أكثر حركات التحرر شراسة وتضحية؛ إذ واجه الشعب الجزائري استعمارًا فرنسيًّا امتد 132 عامًا، من سنة 1830م إلى سنة 1962م، ومع ذلك استطاع تحرير بلاده بعد حرب قاسية قدم فيها تضحيات هائلة.
وقد كشفت تجارب التحرر أن الأسرة كانت أحد أهم حصون الحفاظ على الهوية الدينية والوطنية، وأن الأم أدت دورًا أساسيًّا في تنشئة الأجيال، وتعليمها القرآن والسنة، وغرس معاني الانتماء والتضحية فيها. ومن داخل هذه الأسر خرجت أجيال قاومت الاحتلال، وتمسكت بدينها وهويتها، ورفضت الذوبان في ثقافة المحتل، حتى كان حرصها على الحرية والشهادة يفوق حرص المحتل على البقاء والهيمنة.
ولم يكن تخريج الأجيال المقاومة هو الدور الوحيد الذي جعل الأسرة في مرمى مشروعات التغريب ومحو الهوية؛ بل كان هناك دور آخر لا يقل أهمية، هو دورها في استمرار النسل والمحافظة على القوة البشرية للمجتمعات.
فقد أصبح خفض معدلات الإنجاب في الدول المسماة بـ«النامية» هدفًا استراتيجيًّا في سياسات النظام الدولي. ويظهر ذلك بوضوح في مذكرة دراسة الأمن القومي الأمريكي رقم 200، المعروفة اختصارًا بـ NSSM 200، والصادرة في 24 أبريل 1974م بعنوان: «تداعيات النمو السكاني العالمي على أمن الولايات المتحدة ومصالحها فيما وراء البحار«، والتي أشرف عليها هنري كيسنجر مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية في إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون.
وانطلقت الدراسة من النظر إلى النمو السكاني المتسارع في عدد من الدول النامية بوصفه مؤثرًا في الأمن القومي والمصالح الاقتصادية الأمريكية؛ لما تمتلكه هذه الدول من موارد طبيعية ومعدنية تحتاجها أمريكا، وما يسببه تزايد سكانها من اضطرابات تؤثر في تدفق تلك الموارد إلى الولايات المتحدة؛ ولذلك أوصت تلك الدراسة بتبني استراتيجية دولية لخفض معدلات النمو السكاني، وتوسيع برامج تنظيم الأسرة، وإباحة الإجهاض لتحقيق أهداف السياسة السكانية.
ومن هنا يمكن القول إن استهداف الأسرة يحقق غايتين مترابطتين: أولاهما إضعاف قدرتها على تخريج أجيال شابة تحمل هوية دينية ووطنية، وقادرة على مقاومة الهيمنة الخارجية؛ وثانيتهما خفض معدلات النمو السكاني في الدول النامية، ولا سيما في وقت تعاني فيه دول غربية عديدة انخفاض معدلات الزواج والإنجاب وشيخوخة السكان.
أما الاستراتيجية التي تم اتباعها لهدم الأسرة، فتمثلت في عولمة الفكر النسوي الراديكالي، الذي نظر إلى الأسرة بوصفها أحد مصادر اضطهاد المرأة، وإلى الأمومة باعتبارها قيد عبودية، وقد استخدمت سيمون دي بوفوار في كتابها « الجنس الآخر» تعبير «عبودية التناسل»، ورأت أن تحرر المرأة من أعباء الإنجاب، إلى جانب مشاركتها في العمل المنتج، يمهّد لتحقيق استقلالها الاقتصادي.
كما اعتبرت النسوية الراديكالية ما تؤديه المرأة داخل بيتها من رعاية أطفالها وتربيتهم وإدارة شؤون أسرتها؛ «عملاً غير مدفوع الأجر»، ورأت أن تفرغ المرأة لهذه المسؤوليات يحرمها من فرص العمل والكسب، ويجعلها أكثر عرضة للفقر. وقد أُدرج هذا التصور ضمن التفسيرات المرتبطة بمفهوم «تأنيث الفقر»، الذي صاغته الباحثة الأمريكية ديانا بيرس سنة 1978م، ثم اتسع استخدامه في الأدبيات الدولية ليشمل وضع المرأة داخل الأسرة، بسبب عدم امتلاكها دخلاً مستقلاً، في مقابل حصول الزوج على الدخل من العمل خارج المنزل!
غير أن هذا التصور لا يتناسب مع الرؤية الإسلامية للأسرة؛ فالزوج ملزم شرعًا بالإنفاق على زوجته وأطفاله، وما يكسبه لا يختص بمنفعته وحده، بل تقوم عليه معيشة الأسرة كلها. كما أن تفرغ الزوجة لرعاية بيتها وتربية أطفالها ليس عملاً بلا قيمة ولا منفعة تقدمها للزوج وحده، وإنما هو إسهام أساسي في بناء الأسرة وتنشئة الأجيال، يقابله تحمل الزوج مسؤولية النفقة والرعاية المادية.
وهكذا تلاقت مصالح بعض القوى الدولية مع أطروحات النسوية الراديكالية في استهداف الأسرة وإعادة تشكيلها، والسعي إلى إحلال نماذج بديلة محل النموذج الأسري القائم على التكامل والتراحم؛ منها نموذج يقوم على الصراع بين الجنسين، والتمحور حول الذات والفردانية، ومنها نموذج «اللاأسرة»، القائم على العلاقات العابرة خارج إطار الزواج والأسرة الطبيعية أو العلاقات الشاذة.
وقد تسللت تلك الأفكار تدريجيًّا إلى عدد من مؤسسات الأمم المتحدة ولجانها ووثائقها وبرامجها، ولا سيما تلك المعنية بالمرأة والطفل والسكان وحقوق الإنسان، ثم انتقلت، عبر المؤتمرات والاتفاقيات الدولية وبرامج التمويل والوسائل الإعلامية، من حيز التنظير الفكري إلى سياسات وبرامج عابرة للحدود، تستهدف إعادة تشكيل مفهوم الأسرة، وتغيير أدوار أفرادها والعلاقات القائمة بينهم، ومن ثم إعادة تشكيل المجتمع بأسره.
- يوظف البعض مصطلحات «الجندر» و«الصحة الجنسية والإنجابية» توظيفًا علميًّا بحتًا؛ فهل هذه المصطلحات بريئة الدلالة، أم تحمل وراءها مضامين فكرية خطرة؟ وكيف يمكن ضبط استخدامها ضبطًا شرعيًّا؟
أولًا: الجندرGender:
الأصل في تعريف الإنسان من الناحية البيولوجية هو «الجنس Sex» أي كونه ذكرًا أو أنثى. أما مصطلح «الجندر Gender» فقد استُخدم للدلالة على (الخصائص والصفات) و(الأدوار) و(العلاقات)، وتُرجم عربيًّا إلى «النوع الاجتماعي».
وفي البداية، لم يُستخدم مصطلح الجندر ليشمل الشذوذ الجنسي أو الهويات المتعددة، ولم يرد ذكره في الاتفاقيات التي صدرت في السبعينيات والثمانينيات، مثل اتفاقية سيداو 1979م، واتفاقية حقوق الطفل 1989م. لكنه ظهر بوضوح في الوثائق التي صدرت في التسعينيات، مثل وثيقة القاهرة للسكان 1994م، وفي منهاج عمل بيكين 1995م.
وبدأ المفهوم يتسع تدريجيًّا فيما بعد، ويرتبط بمفاهيم أخرى، منها «الهوية الجندرية Gender identity»، والتي تعبر عن الهوية التي يرغب الإنسان في أن يظهر بها أمام المجتمع، بغض النظر عن جنسه الذي ولد به؛ فقد يعرّف الإنسان نفسه بهوية مغايرة لجنسه البيولوجي، وقد يسعى إلى التحول من ذكر إلى أنثى أو العكس، فيُطلق عليه «متحول جندريًا Transgender ».
ثم ارتبط به مصطلح «التوجه الجنسي Sexual Orientation» الذي يعبر عن الميل الجنسي للشخص، فليس بالضرورة، وفق هذا المفهوم، أن تكون العلاقة بين ذكر وأنثى، وهي ما يطلق عليها «العلاقة الجنسية الغيرية Relationship Heterosexual»، بل شخصين من الجنس نفسه، فتُسمى «علاقة مثلية Homosexual Relationship ». وقد أدى جمع تلك المفاهيم داخل خطاب حقوقي واحد إلى تجاوز الثنائية الفطرية بين الذكر والأنثى، والاعتراف بهويات وعلاقات شاذة تخالف الفطرة، وإضفاء المشروعية عليها.
وقد عرف مكتب المستشارة الخاصة للأمين العام المعنية بقضايا الجندر، وهيئة الأمم المتحدة للمرأة UNWOMEN «الجندر» كما يلي: “الجندر يشير إلى الخصائص والفرص الاجتماعية المرتبطة بالذكورة والأنوثة، والعلاقات بين الرجال والنساء، وبين الفتيات والفتيان، وكذلك بين النساء بعضهم البعض، وبين الرجال بعضهم البعض. هذه السمات والفرص والعلاقات مبنية اجتماعيًّا socially constructed، وتُعلَّم من خلال عمليات التنشئة الاجتماعية، فهي قابلة للتغيير وفقًا للسياق والوقت. (UN WOMEN, Concepts and definitions.).
وتكمن خطورة هذا التعريف في أنه نقل «خصائص» الإنسان و«صفاته» و«أدواره المرتبطة بالذكورة والأنوثة» من نطاق الثوابت الفطرية والبيولوجية والشرعية، إلى نطاق المتغيرات «المبنية اجتماعيًا»! ومن ثم انتقل هذا المفهوم، في تطبيقاته اللاحقة، إلى إعادة تعريف هوية الإنسان وأدواره وعلاقاته؛ فأصبحت «الهوية الجندرية»، وفق هذا الاتجاه، غير مقيدة بالضرورة بالجنس البيولوجي، وأصبح للفرد أن يعرّف نفسه ويظهر أمام المجتمع بهوية قد تخالف جنسه الذي وُلد عليه.
كما امتد الخطاب «الجندري» إلى الأدوار الأسرية، فتعرضت الأدوار الأسرية، كالقوامة والأمومة والأبوة لإعادة تعريفها بوصفها أدوارًا اجتماعية صنعتها التربية والثقافة، وليست مرتبطة بالفطرة أو بالاختلافات الخِلقية بين الرجل والمرأة.
وانطلقت بعض التيارات النسوية الراديكالية من رفض قوامة الرجل وقيادته للأسرة، وصوّرت توزيع الأدوار والمسؤوليات بين الزوجين باعتباره بناءً اجتماعيًّا فرضته التنشئة، وليس نظامًا فطريًّا يقوم على التكامل في الأدوار بين الزوجين؛ ومن ثم دعت إلى تحرير المرأة من أدوارها الأسرية، ولا سيما دورها كزوجة وأم، بدعوى أن هذه الأدوار تحد من استقلاليتها، وعملت على تحقيق استقلالها الاقتصادي والاجتماعي عن الرجل، بما يغنيها عن الزواج وتكوين الأسرة.
وتعمل السياسات الدولية ذات الصلة على تحقيق رؤيتها من خلال محورين أساسيين يشكلان جوهر عدد كبير من المواثيق والبرامج الخاصة بالمرأة والطفل:
أولهما: المساواة الجندرية Gender Equality:
تعرّف هيئة الأمم المتحدة للمرأة UNWOMEN «المساواة الجندرية» بأنها: تساوي النساء والرجال والفتيات والفتيان في الحقوق والمسؤوليات والفرص، وألا تختلف هذه الحقوق والمسؤوليات والفرص بسبب ولادة الإنسان ذكرًا أو أنثى.
هذا هو التعريف النظري المعلن، أما في التطبيق العملي، فقد اتسع مفهوم «المساواة الجندرية» مع اتساع مفهوم «الجندر» نفسه؛ فلم يعد مقصورًا على المساواة بين الرجل والمرأة، وإنما أصبح يعني المساواة بين جميع «الهويات الجندرية» و«التوجهات الجنسية». أي مساواة الرجل بالمرأة، ومساواة أصحاب «الهويات الجندرية» المختلفة بالذكر والأنثى، أي مساواة العلاقات الشاذة بالعلاقة الطبيعية بين الرجل والمرأة، ومنح الجميع الحقوق نفسها والاعتراف القانوني والاجتماعي نفسه.
وهنا تكمن الخطورة؛ لأن المساواة لم تعد تعني معنى إنساني يحمي الإنسان من الظلم، بل أصبحت وسيلة لإلغاء الفروق الفطرية بين الرجل والمرأة، وإضفاء الشرعية على هويات وعلاقات تخالف الفطرة، ثم مطالبة المجتمعات بقبولها والتعامل معها بوصفها صورًا متساوية ومشروعة للحياة الإنسانية.
وثانيهما: استقواء (تمكين) المرأة Women’s Empowerment:
ويعني في الخطاب الدولي تقوية قدرة المرأة اقتصاديًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا، وتوسيع مشاركتها في اتخاذ القرار والوصول إلى الموارد والمناصب القيادية. غير أن الإشكال لا يكمن في تعليم المرأة أو تنمية قدراتها، وإنما في توظيف مفهوم التمكين لفصل المرأة اقتصاديًّا واجتماعيًّا عن أسرتها، وتصوير اعتماد الزوجين المتبادل وتفرغ المرأة للأمومة وتربية أطفالها بوصفها مظاهر ضعف وتبعية ينبغي التحرر منها.
ومن أبرز الاتفاقيات الدولية التي جسدت هذا التوجه اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة «سيداو»، الصادرة سنة 1979م. فقد نصت ديباجتها على أن: “تحقيق المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة يتطلب إحداث تغيير في الدور التقليدي للرجل، وكذلك في دور المرأة في المجتمع والأسرة”.
كما ألزمت المادة الخامسة من الاتفاقية الدول الأطراف باتخاذ التدابير المناسبة من أجل: “تغيير الأنماط الاجتماعية والثقافية لسلوك الرجل والمرأة، بهدف تحقيق القضاء على التحيزات والعادات العرفية وكل الممارسات الأخرى القائمة على الاعتقاد بكون أي من الجنسين أدنى أو أعلى من الآخر، أو على أدوار نمطية للرجل والمرأة”.
ونصت الفقرة الثانية من المادة نفسها على: “كفالة تضمين التربية العائلية فهمًا سليمًا للأمومة بوصفها وظيفة اجتماعية، والاعتراف بكون تنشئة الأطفال وتربيتهم مسؤولية مشتركة بين الأبوين، على أن يكون مفهومًا أن مصلحة الأطفال هي الاعتبار الأساسي في جميع الحالات”.
وتكمن خطورة هذا النص في أنه يعيد تقديم الأمومة من خلال مفهوم «الوظيفة الاجتماعية»، بما قد يفتح الباب لفصل وظيفة الأمومة عن خصوصيتها الفطرية والبيولوجية وارتباطها بالمرأة. كما يضع الأدوار الأسرية، بما فيها أدوار الأبوة والأمومة، ضمن الأنماط الاجتماعية المطلوب تغييرها، وذلك بعد أن تم اعتبارها «أدوار نمطية»، ويجعل المناصفة بين الأبوين في مسؤوليات تنشئة الأطفال هي الأصل، بدلاً من التكامل بينهما وتوزيع مسؤولياتهما وفقًا للفطرة والمرجعية الشرعية.
ثانيًا: الصحة الجنسية والإنجابية Sexual and Reproductive Health:
قد يوحي ظاهر مصطلح «الصحة الإنجابية» بأن المقصود به الحفاظ على صحة الأم أثناء الحمل والولادة، حتى تكون هي وطفلها في صحة جيدة. وهذا المعنى ساعد على انتشار المصطلح. لكن معرفة مضمونه الكامل تستوجب الرجوع إلى الوثائق الدولية التي اعتمدته، وأهمها وثيقتي «القاهرة للسكان 1994م» و«منهاج بكين 1995م».
أما وثيقة القاهرة للسكان (1994م)، فقد عرفت «الصحة الجنسية والإنجابية» بأنها: “حالة رفاه كامل بدنيًّا وعقليًّا واجتماعيًّا في جميع الأمور المتعلقة بالجهاز التناسلي ووظائفه وعملياته. وليست مجرد السلامة من المرض أو الإعاقة، ولذلك تعني الصحة الإنجابية قدرة الناس على التمتع بحياة جنسية مرضية ومأمونة، وقدرتهم على الإنجاب، وحريتهم في تقرير الإنجاب وموعده وتواتره”. (البند 7-2) . ثم كرر منهاج عمل بكين نفس التعريف بالنص في البند (94).
واللافت أن الوثائق لا تقصر تلك الخدمات على الأزواج، بل تستخدم ألفاظًا عامة مثل «الناس» و«الأفراد». حتى أن وثيقة القاهرة للسكان استنكرت صراحة عدم وصول خدمات الصحة الجنسية والإنجابية لكافة “الأفراد غير المتزوجين الناشطين جنسيًّا، الذين يرغبون في الحصول على المعلومات والخدمات” (البند 7-13).
وقد أكدت «أجندة 2030 للتنمية المستدامة» هذا التوجه، فنص (الهدف 3-7) من أهداف التنمية المستدامة على: “ضمان حصول الجميع على خدمات رعاية الصحة الجنسية والإنجابية، بما في ذلك خدمات ومعلومات تنظيم الأسرة والتوعية الخاصة به، وإدماج الصحة الإنجابية في الاستراتيجيات والبرامج الوطنية بحلول عام 2030”.
وقد تم تقديم التعريف الحقيقي لهذا المصطلح في المواثيق الدولية بشكل مجزأ ومتفرق؛ حتى يمكن تمريره. فقد نص منهاج عمل بكين على: “كفالة توفير حصول الأزواج Couples والأفراد على الصعيد العالمي على الخدمات الوقائية المناسبة وبأسعار زهيدة فيما يتعلق بالأمراض التي تنتقل عن طريق الاتصال الجنسي، بما في ذلك فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز، وذلك من خلال نظام الرعاية الصحية الأولية.. وتوسيع نطاق توفير المشورة وخدمات التشخيص والعلاج الطوعية والسرية للمرأة.. كفالة تزويد الدوائر الصحية بالواقيات الذكرية ذات النوعية الرفيعة، وبالأدوية الخاصة بعلاج الأمراض التي تنتقل عن طريق الاتصال الجنسي”. (الفقرة /m108).
وفي مؤتمر المتابعة لوثيقة القاهرة للسكان+20، شدد برنامج عمل القاهرة للسكان ما بعد 2014م، على ضرورة حصول أوسع نطاق ممكن من الناس على وسائل منع الحمل، بما في ذلك وسائل منع الحمل في حالات الطوارئ، فضلاً عن خدمات الإجهاض الآمن. وتم التأكيد على ضرورة تزويد المراهقين والشباب بالتعليم الجنسي الشامل.
إذن ماذا تشمل «خدمات الصحة الجنسية والإنجابية»؟
لا تضع الوثائق الدولية تعريفًا واحدًا جامعًا لجميع «خدمات الصحة الجنسية والإنجابية»، وإنما تتوزع عناصرها بين عدة وثائق وبرامج، ومن أبرزها:
- تقديم المعلومات والتثقيف المتعلقين بالسلوك الجنسي والإنجاب لكل الأفراد من كل الأعمار.
- توفير وسائل منع الحمل، ومنها وسائل منع الحمل الطارئة.
- الوقاية من الأمراض المنقولة جنسيًّا، وتوفير الفحوص والعلاج والواقيات الذكرية.
- تقديم الخدمات بصورة سرية، ولا سيما للفتيات والمراهقين والشباب.
- الدعوة إلى إباحة الإجهاض للتخلص من الحمل غير المرغوب فيه.
- تقديم ما يسمى «التعليم الجنسي الشامل»، الذي يمتد إلى موضوعات العلاقات الجنسية والتوجه الجنسي والهوية الجندرية.
وهنا يظهر الفارق بين التصور الإسلامي والتصور الذي تنطلق منه تلك الوثائق: فالإسلام يربط العلاقة الجنسية بالزواج الشرعي، أما الوثائق الدولية فتنطلق من وجود علاقات جنسية خارج الزواج، ثم تبحث في كيفية جعلها «مأمونة»، وذلك عبر حماية أطراف العلاقة من الأمراض والحمل غير المرغوب فيه، من دون التطرق إلى مشروعيتها الدينية والأخلاقية.
كيف تصل تلك الخدمات إلى المراهقين؟
لم تكتفِ الوثائق بالمطالبة بتقديم هذه الخدمات داخل المراكز الصحية، وإنما دعت إلى توصيل المعلومات للمراهقين والشباب من خلال التعليم والإعلام والحملات الصحية ووسائل الاتصال الحديثة.
فقد دعا منهاج عمل بكين إلى: “إعداد معلومات يسهل الحصول عليها، ونشرها من خلال الحملات الصحية العامة، ووسائط الإعلام، والمشورة الموثوقة، والنظام التعليمي.. للمعرفة فيما يتعلق بصحتهم، ولا سيما المعلومات بشأن الأبعاد الجنسية والإنجاب”. (البند 107/ه). كما اتجهت البرامج الصحية الحديثة إلى استخدام الهواتف المحمولة والمنصات الرقمية لتقديم المعلومات والخدمات إلى المراهقين بطريقة توصف بأنها أكثر سهولة وسرية.
والإشكال هنا أن تلك الوسائل جميعها بيد الدولة. أي أن الدولة بدلاً من توجيه الشباب إلى العفة والزواج وتقديم ما يعينهم عليه، تصبح مطالبة بتقديم الوسائل التي تجعل العلاقات الجنسية خارج الزواج متاحة وآمنة، من خلال التعليم والإعلام والمراكز الصحية والهاتف المحمول. وبذلك ينصب الاهتمام على الوقاية من نتائج العلاقة، كالحمل والمرض، بدلاً من الوقاية من العلاقة المحرمة نفسها.
الزنا المبكر بدلاً من الزواج الشرعي المبكر:
في الوقت الذي تتوسع فيه الدعوة إلى تقديم خدمات الصحة الجنسية للمراهقين، تتجه المواثيق والسياسات الدولية إلى رفع سن الزواج وتجريم الزواج دون الثامنة عشرة، وإدراجه ضمن مفهوم «زواج الأطفال»!
فقد نص الهدف (5-3) من «أهداف التنمية المستدامة» على: “القضاء على جميع الممارسات الضارة من قبيل زواج الأطفال و الزواج المبكر“.
وهكذا يُوصف الزواج المبكر بأنه «ممارسة ضارة»، حتى وإن توافرت فيه الأهلية والرضا والقدرة وكل شروط الزواج الشرعي، بينما يُتعامل مع النشاط الجنسي خارج الزواج باعتباره واقعًا ينبغي توفير المعلومات والوسائل الصحية اللازمة لجعله أكثر أمانًا.
وهنا يظهر التناقض: فالزواج الذي يحقق العفة والإحصان وحفظ الأنساب يُحاصَر ويؤخَّر، بينما تُتاح للمراهقين المعلومات والوسائل التي تمكّنهم من ممارسة العلاقات الجنسية مع تقليل احتمالات الحمل أو الإصابة بالأمراض!
أما استخدام عبارة «الممارسات الضارة» فهدفه تحويل الزواج الشرعي المبكر من كونه أمرًا مستحبًا، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا معشرَ الشبابِ مَنِ اسْتطاع منكمُ الباءةَ فليتزوجْ فإنَّه أغضُّ للبصرِ وأحصنُ للفرجِ ومَن لم يستطعْ فعليه بالصومِ فإنه له وِجاءٌ”[رواه البخاري برقم 5066، ومسلم برقم 1400] إلى أن يكون مجرد «ممارسة ضارة» ومن ثم تسهل محاربته.
كما أن أهداف التنمية المستدامة فرقت بين «زواج الأطفال» و«الزواج المبكر»، أي أنهما مختلفان، فإذا كانت تعتبر الزواج دون سن الثامنة عشر هو «زواج أطفال»، فإن «الزواج المبكر» يتجاوز الثامنة عشر!
طفولة ممتدة وعدم تحمل المسؤولية:
وتماشيًا مع توجه السياسات الدولية نحو رفع سن الزواج إلى ما بعد الثامنة عشرة، دعا الهدف (8-7) من أهداف التنمية المستدامة إلى: “إنهاء عمل الأطفال بجميع أشكاله بحلول عام 2025”.
وفي المقابل، أكدت دراسات حديثة أن امتداد سنوات التعليم إلى ما بعد سن الحادية والعشرين يؤخر دخول الشباب إلى سوق العمل، مما يطيل فترة اعتمادهم على آبائهم، ويؤخر قدرتهم على تحمل المسؤولية وتكوين أسرهم.Top of Form
- هل هناك ضغوط على الدول لقبول اتفاقية سيداو وغيرها؟ وكيف توزعين الأدوار لمواجهة هذه الاتفاقية؟
اتفاقية سيداو هي نموذج لعدد من الاتفاقيات، والمواثيق الدولية، التي تتشارك في المضامين الشائكة التي عرضنا نماذج لها آنفا. وقد تكون اتفاقية سيداو هي أخطرها، كونها اتفاقية ملزمة، تناولت العلاقات الأسرية بكل تفاصيلها، وتعمدت القضاء على التوزيع الفطري للمسؤوليات الأسرية، وتخريب هيكل الأسرة الذي حافظ عليها منذ بدء الخليقة، بدعوى تحقيق المساواة التامة بين الرجل والمرأة، كما أن لها لجنة متخصصة تتبع نظامًا محكمًا لمتابعة الحكومات في تنفيذها؛ وهذا ما جعلها تؤتي ثمارها المُرّة عبر السنين.
ومن الطبيعي أن تتعرض الدول الإسلامية والدول المحافظة بشكل عام لضغوط متعددة من أجل الانضمام إلى اتفاقية «سيداو» وتنفيذها. ولا يكون الضغط دائمًا في صورة إجبار مباشر؛ فالأمم المتحدة لا تملك من الناحية القانونية أن تُكره دولة ذات سيادة على التصديق على الاتفاقية، وإنما يُمارس الضغط بوسائل سياسية وحقوقية وإعلامية وتمويلية.
فقد يُقدَّم الانضمام إلى «سيداو» باعتباره دليلًا على تقدم الدولة واحترامها حقوق المرأة، بينما تُصوَّر الدولة التي ترفض الانضمام، أو تتحفظ على بعض المواد، بأنها متأخرة أو معادية لحقوق النساء. وقد ترتبط بعض المساعدات والبرامج الدولية بمدى التزام الدولة بما يسمى «المساواة الجندرية» و«تمكين المرأة»، فتجد الدولة نفسها تحت ضغط تحسين صورتها الدولية أو الاستفادة من التمويل والمشروعات المقدمة إليها.
ولا ينتهي الضغط بانضمام الدولة إلى الاتفاقية، بل يبدأ بعده طور جديد؛ إذ تصبح ملزمة بتقديم تقارير دورية إلى لجنة «سيداو» توضح فيها الإجراءات التي اتخذتها لتنفيذ مواد الاتفاقية. وتفحص اللجنة تلك التقارير، ثم تصدر ملاحظاتها وتوصياتها، وتطالب الدولة بتعديل قوانينها وسياساتها، خاصةً في قضايا الزواج والطلاق والقوامة والولاية والميراث وأدوار الزوجين داخل الأسرة وغيرها.
ولتشجيع الدول على التوقيع على الاتفاقية أو الانضمام إليها، أُتيح لها إبداء بعض التحفظات. ولذلك تحفظت الدول الإسلامية على المواد المخالفة للشريعة أو الدستور، ولا سيما المادتين (2) و(16) من اتفاقية سيداو. ولكنها فوجئت بعد ذلك باستمرار لجنة «سيداو» في مطالبتها بسحب تلك التحفظات، بدعوى أنها تتعارض مع موضوع الاتفاقية وغرضها، ومن ثم لا يجوز إبداؤها من الأساس، استنادًا إلى المادة (28) من الاتفاقية نفسها. وبذلك تحول التحفظ، الذي لجأت إليه الدول لحماية مرجعيتها الدينية والدستورية، إلى وسيلة ضغط متواصل عليها.
أما الدول التي انضمت إلى البروتوكول الاختياري الملحق بالاتفاقية، فقد قبلت وفق ذلك البروتوكول أن يقوم بعض مواطنيها، من أفراد أو جماعات برفع شكاوى ضدها إلى (لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة) بالأمم المتحدة للنظر فيها (وهي اللجنة المسؤولة عن متابعة مدى التزام الحكومات بتطبيق الاتفاقية)، ويمنحها ذلك مجالاً أوسع لمساءلة الحكومات والضغط عليها من أجل تعديل قوانينها وسياساتها الداخلية.
ومن هنا، فإن مواجهة اتفاقية «سيداو»، ومثيلاتها، لا يمكن أن يقوم بها العلماء وحدهم، ولا الحكومات وحدها؛ وإنما تحتاج إلى توزيع واضح للأدوار:
أولاً: دور الحكومات:
يجب على الحكومات مراجعة موقفها من الاتفاقية، وعدم التعامل معها باعتبارها التزامًا لا يمكن الرجوع عنه، فالدولة تملك أن تتمسك بتحفظاتها، وأن تنسحب من البروتوكول الاختياري، وأن تطلب تنقيح الاتفاقية وفق المادة (26)، كما يمكنها أن تسعى إلى الانسحاب من الاتفاقية نفسها وفق القواعد العامة التي تقررها اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، إذا ثبت تعارضها مع دينها ودستورها وقيم مجتمعها، أو أن تطبيقها تسبب في هدم الأسرة وتهديد أمن المجتمع.
كما يجب عليها ألا تقبل مشروعات أو تمويلات دولية تحمل شروطًا تهدد الأسرة أو تسعى إلى تغيير هويتها.
ثانيًا: دور البرلمانات والمشرّعين:
على البرلمانات مراجعة مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة والمرأة والطفل، والكشف عن التشريعات المستمدة من الاتفاقيات الدولية، وإبدالها بتشريعات مستمدة من الشريعة الإسلامية. كما يجب إخضاع أي اتفاقية دولية لدراسة شرعية واجتماعية وقانونية دقيقة، وعدم تمريرها تحت عناوين عامة جذابة، مثل «حماية المرأة» أو «مكافحة التمييز»، من دون بيان ما يترتب عليها من آثار في الأسرة والمجتمع.
ثالثًا: دور العلماء والباحثين:
تقع على العلماء مسؤولية بيان المواد المخالفة للشريعة بلغة واضحة يفهمها الناس، مع تقديم البديل الإسلامي الذي يحفظ حقوق المرأة ولا يهدم الأسرة. ولا يكفي أن نقول إن «سيداو» مخالفة للإسلام بصورة عامة؛ بل ينبغي مناقشة موادها بندًا بندًا، وبيان مواضع التعارض وأثرها العملي في الزواج والطلاق والميراث والقوامة والأمومة وتربية الأبناء.
رابعًا: دور المؤسسات الإعلامية والتعليمية:
على الإعلام أن يعرّف الناس بحقيقة الاتفاقية، وألا يكرر المصطلحات الدولية كما لو كانت مفاهيم علمية محايدة. كما ينبغي للمؤسسات التعليمية أن تقدم للشباب تصورًا صحيحًا للعلاقة بين الرجل والمرأة، قائمًا على العدل والتكامل والتراحم، لا على الصراع والمنافسة داخل الأسرة.
خامسًا: دور المؤسسات الأهلية:
ينبغي إنشاء مؤسسات أسرية قوية تراقب السياسات والتشريعات، وتقدم دراسات حول آثار تطبيق الاتفاقيات الدولية على الأسرة والمجتمع، وتتواصل مع صناع القرار، وتقترح مشروعات تحمي الأسرة بجميع مكوناتها. فالساحة لا يجوز أن تُترك للمنظمات النسوية الممولة دوليًّا، كي تتحدث وحدها باسم النساء.
سادسًا: دور الأسر والأفراد:
تبدأ المواجهة الحقيقية من داخل الأسرة، بتربية الأبناء والبنات على الاعتزاز بدينهم وفطرتهم، وفهم قيمة الزواج والأمومة والأبوة، وإدراك أن العلاقة بين الرجل والمرأة تقوم على المودة والرحمة والتكامل، لا على التماثل أو إلغاء الفروق بينهما؛ فلكلٍّ منهما مكانته ودوره ومسؤولياته التي تتناسب مع طبيعته، ويتكاملان معًا في بناء الأسرة واستقرارها.
إذن فنحن أمام مشروع دولي متشابك، يبدأ من الاتفاقيات الدولية، ثم ينتقل إلى اللجان الدولية والتمويل والتشريعات والإعلام والتعليم. لهذا لا تكفي مواجهته بخطبة أو بيان عابر، بل نحتاج إلى مشروع متكامل وموازٍ، يجمع بين التأصيل الشرعي، والدراسة القانونية، والعمل السياسي، والتوعية الإعلامية، وبناء المؤسسات التي تدافع عن الأسرة، وتصون كيانها وتدعم استقرارها.
Bottom of Form