حصريا

الزوج والمرأة في السياق القرآني رؤية دلالية – د.عمر ماجد السنوي -العراق-

0 40

الزوج والمرأة في السياق القرآني

رؤية دلالية
عمر ماجد السنوي
(العراق)

تَتميَّز اللُّغة العربيَّة بسَعة أوديتها، ودقَّة ألفاظها، وتناهيها في إحكام المَباني، الدَّالَّة على شريف المَعاني. وإنّ هذا الإحكام يبلُغ غايته في كتاب اللهِ العَزيز، حيث لا تقَع كلمةٌ مَوقع أُخرى إلّا لِنُكتةٍ بلاغيَّة، ولطيفةٍ بيانيَّة، يَنجلي بها وجهٌ من وُجوه التنزيل. ومِن مَظاهر هذا التَّدبير الأسْلُوبيّ في القُرآن الكريم، ذلك العُدول المُطَّرد بين لَفظَي “الزَّوج” و”المَرأة” في مَقام الحديث عن علاقة الرَّجُل بأُنثاه؛ فلمْ يكن هذا الاستعمال عفوًا، بل جرَى وفقَ قانونٍ بيانيّ دقيق يربط اللَّفظ بمدَى تحقُّق المَقاصد الكُبرى للرَّابطة الزَّوجيَّة مِن سَكنٍ نفْسيّ، وتَوافقٍ في الدِّين والعَقيدة، وامْتدادٍ للنَّسْل والذُّرِّيَّة.

التكييف اللغوي لأصل المسألة:

إن التدقيق في فقه اللغة يوقفنا على أن لفظ “الزوج” في أصل الوضع يُطلق على الذكر والأنثى حال الاقتران والمشاكلة والمجانسة.

قال ابن فارس في كتابه “مقاييس اللغة”: «الزاء والواو والجيم أصلٌ يدلُّ على مقارنَة شئٍ لشئٍ. من ذلك الزّوجُ زوج المرأة، والمرأةُ زوج بعلِها».

والتعبير القرآني استعمل هذا اللفظ بهذا المعنى اللغوي العام، ولكنّه في مواضع الحديث عن العلاقة الزوجية الشرعية سَما بهذا المعنى اللغوي إلى أفق دلالي أرحب؛ فأصبح لفظ “الزوج” لا يُطلق إلا عند تحقق كمال الحالة الزوجية التي تنطوي على السكن، والانسجام العقدي، والامتداد النسلي. فإذا اختلّ أحد هذه الأركان، بنقصان الذرية (العقم)، أو باختلاف العقيدة (الدين)، أو بذهاب الأمان (الخيانة)؛ جُرِّدت العلاقة من وصف “الزوجية”، ذلك الوصف السامي الكريم، وأُعيدت الأنثى إلى أصلها الطبيعي المحض، فيُعبَّر عنها بـ”امرأة فلان” أو “امرأته” أو “امرأتي”.

وإن أول مواضع السكن يتبدّى في أصل الخِلقة عند قوله سبحانه:

{وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} (البقرة: 35)؛

فقد جمعت العلاقة هنا اتفاق الطبيعة، والائتلاف في الدين، وتحقق الطمأنينة الكاملة، مع اندفاع العقم؛ فاستحق المقام وصف “الزوج”.

ولهذا قال الله تعالى في الآية الكريمة:

{هُوَ الَّذي خَلَقَكُم مِن نَفسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنها زَوجَها لِيَسكُنَ إِلَيها فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَت حَملًا خَفيفًا} (الأعراف: ١٨٩).

ملحظ المتقدمين وجذور التفرقة:

لم أجد عند أئمة اللغة ومحقّقي المفسِّرين والبلاغيين تلمُّسَ هذه الفروق، وإن بدت في بعض مصنفاتهم بذورًا أوّليّة نمت وتكاملت في العصور المتأخّرة. فإذا نظرنا في أدبيات القرون الهجرية: الرابع والخامس والسادس، نجد التوجيه يؤصل للمشاكلة والاقتران والتجانس، إبقاءً على الأصل اللغوي للمفردات القرآنية، رغم ظهور التفاسير البلاغية فيها وازدهار حركة التحليل البياني.

فهذا الإمام الراغب الأصفهاني (ت: 412 هـ) نراه يقول في كتابه “مفردات ألفاظ القرآن”:

«يُقال لكلِّ واحدٍ من القَرِينَيْنِ من الذَّكَرِ والأنثى في الحيواناتِ المتزاوجةِ: زَوْجٌ».

أيْ لأنه يَقْتَرِنُ به من حَيْثُ المشاكلةِ والمُجَانَسَةِ. مع أنّ هذا اللفظ قد يُطلق للأضداد (كالذكر والأنثى)، ولكنه في سياق العلاقة الزوجية لا يطلقه القرآن إلا لهذا المعنى المذكور، تحقيقًا لمفهوم الزوجية المذكور في قوله تعالى:

{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21].

فهذا التوجيه يؤصل لكون “الزوجية” تفترض التوافق والتشاكل والتشابه، فإذا فُقد ذلك في الدين مثلًا، انخرم شرط هذا اللفظ.

تبلور المسألة عند بعض المتأخرين:

اتسعت دائرة الاستنباط البلاغي لدى العلماء المتأخرين الذين اعتنوا بجمع الفروق ومراعاة النظائر، وجعلوا من المقارنات اللفظية عِلمًا برأسه. ومع هذا لم نجد مَن نصّ على التفريق بين لفظتي “امرأة” و”زوج” في الاستعمال القرآني.

ولعلّ الله ادخّر فتح هذا الباب ليكون على يد أحد علماء الهند وهو الشيخ محمد سليمان المنصورفوري (ت 1384هـ)؛ فقد قال في الباب السابع من كتابه “رحمة للعالمين” -الذي ترجمه من الأوردية الدكتور سمير عبد الحميد-، ما نصُّه:

«تَدبَّر في القرآن كلِّه، فلَن تجد موضعًا وُصف فيه رجل وامرأة بأنهما زوجان بعيدًا عن فقدان الاتحاد الظاهري والباطني، والوحدة الزوجية والإيمانية معًا. ومع بيان هذا الأمر يجب أن نتذكر أيضًا أن القرآن الكريم، لم يتقيّد بهذا، في استعماله لكلمة امرأة، بل ورد استعمالها في كل من الصور الأربعة الآتية:

  1. إذا كان كل من الزوج والزوجة كافرًا مثلما ورد في ذكر أبي لهب وامرأته: {وامرأته حمالة الحطب} (سورة المسد: 4).
  2. إذا كان الزوج مؤمنًا والزوجة كافرة كما جاء في قوله تعالى: {امرأت نوح وامرأت لوط} (سورة التحريم: 10).
  3. إذا كانت الزوجة مؤمنة وكان الزوج كافرًا مثلما ورد في قوله تعالى: {امرأت فرعون} (سورة التحريم: 11).
  4. إذا كان الزوجان مؤمنين مثلما جاء في قوله تعالى على لسان زكريا في شأن امرته: {وكانت امرأتي عاقرا} (سورة مريم: 5). وفي قصة إبراهيم عليه السلام: {فأقبلت امرأته في صرة} (سورة الذاريات: 29).

ففي الصورة الأولى لم تستعمل كلمة “زوج” لأنه خطاب كريم ولا يستحق أبو لهب أو امرأته هذا الخطاب، كما لم تستعمل في الصورتين الثانية والثالثة، لما في كلمة “الزوج” من مشاكلة ومساواة، والمرأة الكافرة لا تساوي ولا تشاكل رجلا مؤمنا، ولا الرجل الكافر يشاكل أو يساوي امرأة مؤمنة، كما لم ترد في الصورة الرابعة، لأنه قد ورد فيها ذكر حمل أزواج زكريا وإبراهيم عليهما السلام وولادتهن، وذكر هذا الأمر بكلمة “امرأة” أبلغ من ذكره بكلمة زوج، لأن كلمة “الزوج” تطلق على الرجل والمرأة كليهما. وقد ذكر الله امرأة زكريا في آية أخرى بكلمة “الزوج” ليزيل شبهة من قصر فهمه فقال: {وأصلحنا له زوجه} (سورة الأنبياء: 90).

والخلاصة أن التزام الحق تعالى بهذا الأمر في استعمال كلمة “الزوج” وعدم التزامه به في استعمال كلمة “المرأة” تؤيد دليلنا تأييدًا كاملًا. ويجب أن نتذكر الآن أن عبارة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وردت في “سورة مريم” مرتين وفي سورة “الأحزاب” أربع مرات. ومن هذا يظهر ما لهن من شرف وفضيلة».

انتهى.

استقرار النظرية عند البيانيين المحدَثين:

لقد تلقف علماء الدراسات البيانية المعاصرة هذه الالتفاتة العميقة، وأخضعوها لمنهج الاستقراء التام لمواضع التنزيل، حتى صاغوا منها نظرية دلالية مطردة، تُقسِّم أسباب العدول عن “الزوج” إلى “المرأة” إلى ثلاثة محاور رئيسة:

1. عائق النسل والذرية:

وذلك في شأن إبراهيم وزكريا وعمران عليهم السلام؛ فما دام العقم قائمًا، فالوصف “امرأة”، كقوله تعالى:

{وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ} (هود: 71)،

وقوله:

{إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} (آل عمران: 35).

فإذا أصلح الله العقم، انقلب اللفظ إلى “الزوج”، كما في قوله:

{فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} (الأنبياء: 90).

2. اختلاف الدين والعقيدة:

حين تفقد الرابطة الإنسانية أساسها الإيماني المشترَك، ينتفي السكن النفسي، فلا يُطلق القرآن اسم الزوجية؛ ومن ذلك قوله تعالى:

{ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ} (التحريم: 10)،

فكان السبب هنا تباين العقيدة، ومثله في الإيمان قوله:

{وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ} (التحريم: 11).

3. انتهاك الأمان ووقوع الخيانة:

كما في شأن يوسف الصديق مع امرأة صاحب مصر؛ إذ عبر القرآن عنها بـ”امرأة العزيز” في قوله:

{وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ} (يوسف: 30)؛

لأن فِعلها هدَمَ ركنَ الأمان والوفاء، فلم يتحقّق الاستقرار النظيف الذي تتطلّبه لفظة “الزوج”.

وقد بسط الأستاذ الدكتور فاضل السامرائي هذا الاستقراء في “لمساته البيانية” المشهورة.

ومِن قَبلِهِ، أكّدَت الأستاذة الدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) في كتابها “الإعجاز البياني للقرآن الكريم” أهمية طرد هذا المنهج اللغوي، فقالت:

«كلمة زوج تأتي حيث تكون الزوجية هي مناط الموقف: حكمةً وآية، أو تشريعًا وحُكمًا: في آية الزوجية قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} (الروم 21). {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} (الفرقان 74).

فإذا تعطلت آيتها من السكن والمودة والرحمة، بخيانة أو تباين في العقيدة، فامرأة لا زوج: {امْرَأَتُ الْعَزِيزِ} (يوسف 30، 51). {امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ} (التحريم 10)… {امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ} (التحريم 11) وقد تعطلت آية الزوجية بينهما، بإيمانها وكفره.

وحكمة الزوجية في الإنسان وسائر الكائنات الحية من حيوان ونبات، هي اتصال الحياة بالتوالد. وفي هذا السياق يكون المقام لكلمة زوج، وزوجين وأزواج، من ذكر وأنثى، كآيات: (النساء 1)، (هود 40)، (الشورى 11)، (يس 36)، (الذاريات 49)، (النجم 45)، (النبأ 8)… فإذا تعطلت حكمة الزوجية في البشر بعقم أو ترمل، فامرأة لا زوج، كالآيات في امرأة إبراهيم وامرأة عمران (هود 71، والذاريات 29، آل عمران 35).

ويضرع زكريا إلى الله سبحانه: {وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا} (مريم 5)، {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ} (آل عمران 40). ثُمّ لمَّا استجابَ له ربُّه وحَقَّقت الزوجيةُ حِكمتها، كانت الآية: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} (الأنبياء 90)».

انتهى.

وقد بدا لي من استقراء مصنّفات أهل التفسير والبلاغة، أنّ الدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) قد وافقت المنصورفوري في الجُملة، دون أن تطّلع على اجتهاده السابق، لأنّ كتابه لم يكن قد تُرجِم حين دَوَّنت الدكتورة اجتهادها هذا.

وغيرُ غريب أن يدَّخر اللهُ للّاحِقينَ ما فاتَ السابقينَ الوقوف عليه والتأمّل فيه، لا سيّما في قضايا القرآن الكريم، الذي هو بحرٌ لا تَفنى لآلِئُه ولا تنقطع فوائدُه.

الردُّ على المعترِضين:

ممّن عارض هذا التوجيه والتفريق من الباحثين المحدّثين: الأستاذ الدكتور فضل حسن عباس، فقد ردّ على بنت الشاطئ وخطّئها، في كتابه “التفسير والمفسرون في العصر الحديث” في الفصل الثالث منه، فقال:

«تُطلَق كلمة زوج حينما يناط أمر بين الزوجين أي حينما تكون قضية مشتركة بينهما {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا} [البقرة: 35] {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ} [الأحزاب: 28] {وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} [الأنبياء: 90] {وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ} [الممتحنة: 11] فنحن نرى في هذه الآيات الكريمة أن هناك قضايا مشتركة بين الزوجين سواء كانت هذه القضية تبليغًا أم إنجابًا أم أمرًا آخر. أمّا قول الكاتبة بأن المرأة تستعمل حينما تتعطل آيتها من السكن والرحمة والمودة بخيانة أو تباين عقيدة فشيءٌ نعجب منه فلئن جاز في امرأة نوح وامرأة لوط فإنه لا يجوز في غيرهما. قال تعالى يحدثنا عن إبراهيم عليه السلام {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ} [هود: 71] وعن زكريا: {وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا} [مريم: 5]».

ويحقّ للقارئ أن يَعجب مِن قَول الدكتور فَضل، لا مِن قَول الدكتورة عائشة، لأنّه لو أكملَ نَصّ كلامها لَمَا قال ما قال، ولَمَا زعمَ أنّ في القرآن ما لا يشهد لهذا الذي قالتْه؛ لأنّها في تتمة كلامها الذي نقلناه سابقًا قالت: “فإذا تعطلت حكمة الزوجية في البشر بعقم أو ترمل، فامرأة لا زوج” واستشهدت لهذا التقرير بالآيات نفسها التي استشهد بها الدكتور فضل في الردّ عليها! وإنّما أُتِيَ مِن استعجاله ونقص قراءته.

ومِن المعترضين أيضًا الدكتور محمد عبد الملك الزعبي، في إحدى حلقات برنامجه على “قناة الرحمة الفضائية”، حيث لم يكفِهِ مجرد الردّ والاعتراض، بل أتْبَعَه بوابل من السخرية والتسفيه والتجهيل والاتهام بالدجل والكذب لِمَن يقول بهذا التفريق! وكان كلُّ اعتماده في هذا الهجوم الشرس على ثلاث آيات كريمات، زعم أنّها البرهان القاطع على دجل القائلين بالتفريق!

الآية الأولى: {إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ…} [آل عمران 35]، زعمَ الدكتور الزعبي أنّ امرأة عمران لم يكن ثمة صارف -من الصوارف التي ذكرها البيانيون- يؤدّي إلى العدول عن لفظ الزوج. فهما متشاكلين في الدين وبينهما وئام وكان الكلام عنها في سياق الحمل والإنجاب، فهذا دليل قاطع على أنّ التفريق بين لفظتي “زوج” و”امرأة” تفريق باطل. وقد أغفل الدكتور كلامهم عن هذه الآية، وهو مسطور في تحليل بنت الشاطئ المنقول سابقًا، قالت: “فإذا تعطلت حكمة الزوجية في البشر بعقم أو ترمل، فامرأة لا زوج”. وامرأة عمران كانت عقيمًا فدعت الله فرزقها مريم الصديقة معجزة منه، وكانت أيضًا أرملة لأنها لم تجد من يكفل ابنتها بعد وضعها.

الآية الثانية: {وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ…} [الممتحنة 11]، زعمَ الدكتور الزعبي أنّ هذه الآية التي فيها ذِكر فِرار بعض الزوجات من أزواجهنّ وارتدادهنّ عن دينهنّ، فيها دليل قاطع على مَن زعم أنّ لفظ “الزوج” يأتي في القرآن عند التوافق الدِّيني والعَقدي. ولم ينتبه الدكتور أنّ هذه الآية جاءت بهذا اللفظ لتشمل كِلا الطرفَين (الزوجين)، فسواء أكان المرتدُّ الزوجَ الذكرَ أو زَوْجَهُ الأنثى، فالحُكم الوارد في الآية يتنزّل عليهما معًا. ولهذا جاء القرآن بهذا اللفظ على أصل المعنى اللغوي (الزوجين الذكر والأنثى)، وليس المقصود بهذا اللفظ وصف العلاقة الزوجية الكريمة.

ويشبه هذا في استعمال الأصل اللغوي من وجه آخر قوله تعالى:

{اُحْشُرُوا الّذِينَ ظَلَمُوا وأَزْوَاجَهُمْ} [الصافات 22]،

أي: أقرانهم في الظلم والكفر والجحود. فليس المقصود بذلك مَن تربطهم علاقة زوجية.

الآية الثالثة: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا…} [المجادلة 1]. فذكرَ المعترضون أنّ هذه الآية جاءت بلفظ الزوج مع أنّهما في حالة خِصام وظِهار وشكاة! فأين مقصود التوافق والانسجام والتوافق الذي زعمه البيانيّون؟!
وهذا اعتراض في غاية السقوط، لأنّه مبني على فهمهم السقيم، وإلا فإنّ هذه الآية خير شاهد للبيانيّن الذين قالوا بالتفريق بين اللفظين في استعمال القرآن الكريم؛ لأنّ المجادلة وزوجها كانا من خيرة صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وكانا على حبّ ووفاق عظيم، وقد جاء في الحديث وصف شكايتها مما وقع فيه زوجها من الظِّهار، وأنّه ندم على ذلك ولكنه لم يعد إليها خشية أن تكون قد حرُمَت عليه، وأنّها في ألمٍ من فراق زوجها وشدة الشوق إليه. فأيّ اتفاق وانسجام أكبر من هذا؟!
والظّهار غير النشوز، فإنّ الأول قد ينشأ عن حالة غضب يعتري أي إنسان، وقد حرّمه الله فكان معصية تجب فيها الكفّارة. أمّا النشوز فحالة تدل على عدم الانسجام وانتفاء التوافق في العلاقة الزوجية، ولهذا كان التعبير القرآني عنها بغير لفظ “الزوج”. قال تعالى:

{وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا} [النساء 128]،

فوصفَ الزوجة بـ”امرأة” ووصفَ زوجَها بـ”بعلها”.

ختامًا:

إن هذا الاستقراء العلمي لهذا التفريق القرآني بين لفظ “زوج” من جهة، و”امرأة” أو “بعل” من جهة أخرى، يثبتُ يقينًا أنّ التعبير القرآني لا يعرف الترادف المحض الذي تتطابق فيه الكلمات بلا مزية؛ فلكل لفظة حيز دلالي هندسي لا تسُدُّ مَسَدَّهُ أختُها.

ولقد تَلخّص ممّا سبقَ أنّ لفظ “الزوج” في الحديث عن العلاقة الزوجية في القرآن مشروط بالاتحاد الظاهري والباطني، دينًا ونماءً وسكنًا، بينما لفظ “المرأة” أصلَحُ للمواضع التي عراها وجود العقم، أو اختلاف الدين، أو اخترام الوفاء. وبمثل هذه المَلاحظ تتجلى وجوه التفسير، وتتضح مسالك التدبر في كتاب الله العزيز.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page