حتى يغيروا ما بأنفسهم
شعرت بحاجة ملحة إلى أن أتدبر بعض قضايا أمتنا , فوجدت نفسي قد أبحرت في التفكير و لا رجعة لي , استفزت فكري و وجداني بعض الأحداث التي مرت بالمسلمين و التي أثارت حفيظتهم كما أثارتنا في سنوات سبقت … فقلت في نفسي : لماذا تتقصد الأمم الأخرى أمتنا ؟ و لماذا كان رد فعل المسلمين لا يختلف عن سابقه ؟ أليس هذا الرد فاتحا لشهية هؤلاء , يتطاولون على غيرهم تحت مبررات و عناوين مختلفة ( كحرية التعبير ) – مثلا – ربما
إذا هي كلمات نفثها قلم يرقب أعينا تقرؤها و أحلاما تدركها , إذ ينبغي أن يعلم الناس و أولهم المسلمون أن هذا الدين ليس بحاجة إلى من ينصره على النحو الذي نراه أو يعيد سرد سيرة النبي – صلى الله عليه و سلم _ على الأمم الأخرى لأنهم أدرى بها و أعلم بصاحبها أكثر ممن اتبعه في أحيان أخرى …
فهؤلاء تخيلوا شخصية بعقل فاسد فرسموها بقلم جاحد ثم سخروا منها و هم لا يدركون أن هذه الشخصية لا نعرفها و لا نبينا في شيء فنقول : هو الحقد الذي سكن القلوب أنطق صاحبها بالباطل
لذلك أردنا أن نضع بين يدي القارئ الكريم بعض الأسباب التي جعلت أمتنا مرمى و هدفا مرة تلو الأخرى دون أن تبادر إلى بناء حصن يقيها هذه الهجمات الشرسة أو تقابلها بما يظهر قوتها و قوة هذا الدين , هذا من جهة و من جهة أخرى نحاول أن نرمي بحبال النجاة التي إن أمسكت بها هذه الأمة أعادتها إلى عصورها الذهبية
- من هنا يبدأ التغيير …
المسلمون عزة و مهابة ….
تستوقفني بعض الأحداث التي نعيشها في زمننا هذا فتسحب ذاكرتي نحو جيل الرسالة , فكأني بي أشهد لوحة تنجزها أنامل بارعة تريد أن تسحر بها العقول قبل العيون أو أن تستنطق ما فيها حتى يلتبس على الناس سحر الصورة ببساطة الواقع
فقوة السلف لم تنشأ من فراغ , إنما بعثت من سرائر نقية ثم صقلت بالنوايا الخالصة
فقد تعلّق هؤلاء بالهدف الذي خُلقوا لأجله و هو عمارة الأرض و الاستخلاف فيها بعبادة _ الله تعالى _ عليها ( … و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون … ) الذاريات – 56 – فأدركوا جيدا هذه الغاية و سعوا إلى تحقيقها سعيا حثيثا .
- الرغبة الجامحة في السير قدما نحو تمكين الرسالة الإلهة من قلوب الناس مع الإخلاص لله تعالى في كل خطوة .
- تكريس كل الوسائل الشرعية و المتاحة لتحقيق هذا الهدف في كل مكان وزمان , فلم يمنعهم عن ذلك مانع و يثنهم عن عزيمتهم شيء .
فلا تعتقد – عزيزي القارئ – أن الأخذ بهذه الأسباب أمر يسير , إذ ينبغي أن تقدم على الصورة التي ترغب الناس فيها فيمشون وراءها و يأتمرون لأوامرها .
و من هذه الصور :
- العلم :
فأمتنا أمة علم , قامت عليه و دعت إليه و تبرأت من العشوائيات و الصدف لتجسيد العقلانية و المنطق في كل شيء لتكون منسجمة مع إبداع الله تعالى في صنعه و إتقانه لخلقه
فالمسلم الحق هو من يأخذ بعناصر القوة و الحكمة و لو من أعدائه و هذا ما فهمه أسلافنا فتسابقوا في تحصيل مختلف العلوم الدينية منها و الدنيوية , فسبقوا غيرهم بل و كانوا منهجا تأخذ منه الأخرى ما تحتاجه من العلوم لتخرجهم من الكساد و الفساد اللذان غمرت بهما لقرون
- التواضع :
فالعلم يقتضي من صاحبه التواضع للمنعم الذي يبقى أعلم من كل ذي علم , فلا خير في علم جر صاحبه إلى التعالي و الجحود و هذا الذي أدركه جيل النبوة , فتجد الواحد فيهم – حاكما كان أو محكوما – يجتهد في أخذ العلم أكثر من اجتهاده في تحصيل عروض الدنيا .
فالراعي يحرص على شؤون رعيته و يشركها في هذا الحرص دون أن يرى في ذلك نقيصة في إدارة حكمه , فهذا أبو بكر الصديق – رضي الله عنه – حين تولى الخلافة ظهر تواضعه للناس من أول خطبة له حين قال : ( إني وليت عليكم و لست بخيركم , فان رأيتموني على حق فأعينوني و إن أسأت فقوموني … )
و من يكون هذا الذي يجرؤ على تقويم صاحب رسول الله – صلى الله عليه و سلم – و ثاني اثنين ذكر في القرآن الكريم .
انه لم ير في الخلافة مكرمة و تشريفا بقدر ما استشعرها أمانة و تكليفا .
و ذاك عمر – رضي الله عنه – الذي انسلخ عن كل رغباته الدنيوية و الطموحات التي يهفو إليها , سخر نفسه لغيره , و رعى الناس قبل رعايته لنفسه و أهله , فان أصاب الأمة غم كان أول من يتحمله و لا ينأى بنفسه عنه . فإذا حكم في شؤون رعيته كان السيف البتار , فلا يكاد ينفصل عن جموع الناس و هو يراقب أحوالهم و يتبع سيرهم .
خطب يوما ما في الناس عن تقليل المهور فقال : ( لا تغالوا في صدقات النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله – صلى الله عليه و سلم – ما أصدق قط من نسائه فوق اثنتي عشرة أوقية فقامت امرأة قائلة : يا عمر يعطينا الله و تحرمنا , أليس – الله تعالى – يقول : ” … و إن أردتم استبدال زوج و ءاتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا … ” – النساء -20—
فقال عمر : أصابت امرأة و أخطأ عمر … ) رواه النسائي
و لما يعود لأهله يقوم في جوف الليل قيام المذنب المقصر التائب و هذا التواضع يفضي إلى التناصح الذي يشد بناء الأمة و يعزز قوتها .
فنصح الراعي لرعيته و نصح الراعي لراعيها ينم على الإدراك السليم بمعنى المسؤولية و الرغبة في التمكين لهذه الأمة ثم الإخلاص في السعي لتحقيق ذلك .
وصف القرآن الكريم لهم و تفاخر النبي – صلى الله عليه و سلم _ بهم :
لما حدث أول اتصال بين السماء و الأرض عن طريق الوحي لم يكن موجها للنبي – صلى الله عليه و سلم – فحسب , إنما لتحتضنه أيضا سائر الأمم . فكما هيأ – الله تعالى – نبيه الكريم لاستقبال هذا الوحي فانه حشد من ورائه رجال و نساء يشدون من أزره ويعينونه على تبليغ أمر ربهم .
ما كان لهذه الرسالة أن تبلغ أقصى الأرض في وقت قياسي لولا تسخير الله لأولئك العظماء الذين اتخذوا دنياهم مطية لآخرتهم . لذلك لا تكاد تخلو صور القرآن الكريم من ذكرهم , فمرة يثني عليهم و يذكر مناقبهم و أخرى يُقرن ذكرهم بذكر النبي – صلى الله عليه و سلم – كما في قوله – تعالى – : ” محمد رسول الله و الذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم “– المنافقون 8 –
فالصحابة – رجالا و نساء – اكتسبوا خصوصية من ربهم بحكم جهادهم مع النبي – صلى الله عليه و سلم – و ملازمتهم له فارتفعوا عن مستوى جميع من سواهم . و لم تخل السنة النبوية من ذكر فضل الصحابة و توعد من ينالهم بسوء كما جاء في قوله – صلى الله عليه و سلم – : ” لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مُدَّ أحدهم و لا نصيفه ” رواه البخاري
فالنبي – صلى الله عليه و سلم – أدرك أن أصحابه كانوا سندا له يوم فقد كل سند , فأعانوه في بداية الدعوة رغم ما لقيَه بعضهم من تعذيب و هوان , كما اجتهدوا في بناء الدولة كاجتهاد أحدهم في بناء بيته و حرصه على تمتينه و استقراره .
فبعد كل هذه النصوص لا نقبل بوجود مسلم يعتز بدينه ثم يتطاول على هذه الهامات الشامخة التي اصطفاها – الله تعالى – لتكون الشاهد على دينه المبلغ لرسالته .
مكانتهم بين الأمم آنذاك :
صنع ذلك الجيل من الصحابة العزة لنفسه و لدينه و لم يكن ليحقق ذلك لولا اكتمال فهمه لأصول دينه ثم امتثاله لأوامر ربه و هجرته لجاهلية قومه .
فهذه مدرسة النبوة التي تخرج منها جيل وضع الأسس السليمة في معرفة أصول الدين و فروعه و جعل مرجع الأمة إلى كتابها و سنة نبيها – صلى الله عليه و سلم – بينما تتهافت قلوب الناس على نعيم الدنيا فيحصلها البعض و تفوت البعض الآخر , تجد هؤلاء قد أخضعوها لهم و انقادت لإرادتهم فكانت في قبضتهم و لم تتسلل إلى قلوبهم .
تراهم يقبلون على الموت إقبال غيرهم على الحياة , فزاد ذلك في شأنهم و قلل من شأن غيرهم . و من ذلك ما جاء في موقف الصحابي عبد الله بن حذافة السلمي مع قيصر الروم , إذ أرسله النبي – صلى الله عليه و سلم على غرار باقي الصحابة ليعرض الإسلام على هذه الأمصار . فعندما وصل , لقي من عنت هذا الملك و جبروته ما وصل إلى حد التعذيب هو و من معه من المسلمين . فعرض عليهم الملك و السلطان مقابل التنصر و التخلي على دعوة محمد – صلى الله عليه و سلم – . فأبى الصحابي ذلك بأنفة و حزم و أُعيد عليه العرض مرات فأبى , فلما رأى القيصر إصراره و استحالة استمالته أمره أن يُقبل رأسه مقابل الإفراج عنه و عن أصحابه .
فقال عبد الله في نفسه : ( عدو من أعداء الله أقبل رأسه فيخلي عني و عن أسرى المسلمين جميعا لا ضير في ذلك )
ثم دنا و قبل رأسه فأمر الملك أن يخلى سبيلهم و عاد بهم عبد الله إلى المدينة , فلما أخر عمر بن الخطاب ذلك سر و أمر بتقبيل رأس عبد الله بن حذافة
جوهر القصة :
أن الصحابة ( خاصة من كلفوا بتوصيل الرسالة ) أدوا ما عليهم و امتثلوا لأوامر نبيهم ليس خوفا منه أو شعورا منهم بتورطهم في هذا الأمر , إنما بدافع العقيدة الراسخة رغم أميتهم و حبهم في الأعمال البطولية و تنافسهم على تقديم الامتثال لأوامر نبيهم . حتى أن بعضهم يبكي لأنه ما أتيح لهم تقديم أرواحهم في سبيل الله .
فمن من المسلمين اليوم على هذا المستوى من الإيمان و اليقين ؟؟
ذلك الذي جعل ملوك الأرض يعجبون لأمرهم و قد كانوا يسعون لإبادة هذا الدين ظانين أنها حمى أصابت العرب مآلها إلى الزوال , و قد غابت عنهم حقيقة عالميته و استمراريته و قيام الساعة به , فلما لقوا هذا الجيل حاملا لهذه الأمانة انكسرت شوكتهم أمام ثباته فمنهم سلم و استسلم كما فعل ” باذان ” نائب ” كسرى ” , و منهم من لقي حتفه لظلمه و جبروته كما كان حال ” كسرى ” نفسه .
فالذي خالف هذا المنهج من أمتنا اليوم فقد ساهم في كسر قواعدها و أخذ يترنح بين مختلف الفرق فلا هو يميل إلى هؤلاء و لا إلى هؤلاء .
و هذه الصورة المخالفة لمنهج الله الصحيح ظهرت في عصرنا هذا , حيث سيطر الغرب بتفوقه و مدنيته و انتصاراته العسكرية على العقول الشابة التي تسعى إلى المعرفة بأصول الإسلام و فروعه فأخذت تتبنى أفكارا غربية ألبستها لباسا إسلاميا و في اعتقاد أصحابها أنهم يخدمون دينهم بطرق عصرية , إنما هو في الحقيقة قصور في الفهم الذي أدى إلى سوء في التبليغ …