سلامٌ .. قيلَ للشّنْطي
أيقونة المقاومة النسائية
مقدمة :
الحمد لله الذي قال في كتابه : (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ ) (195) سورة آل عمران
والصلاة والسلام على سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، الذي جاءته امرأة فقالت : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا وَافِدَةُ النِّسَاءِ إِلَيْك ، يَا رَسُولَ اللَّهِ : رَبُّ الرِّجَالِ وَرَبُّ النِّسَاءِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، وَآدَمُ أَبُو الرِّجَالِ وَأَبُو النِّسَاءِ ، وَحَوَّاء أُمُّ الرِّجَالِ وَأُمُّ النِّسَاءِ ، وَبَعَثَكَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، فَالرِّجَالُ إِذَا خَرَجُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقُتِلُوا فَهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ، وَإِذَا خَرَجُوا فَلَهُمْ مِنَ الْأَجْرِ مَا قَدْ عَلِمْتَ، وَنَحْنُ نَخْدُمُهُمْ وَنحْبِسُ أَنْفُسَنَا عَلَيْهِمْ ، فَمَاذَا لَنَا مِنَ الْأَجْرِ؟ فأجابها : أَقْرِئِي النِّسَاءَ مِنِّي السَّلَامَ وَقُولِي لَهُنَّ: إِنَّ طَاعَةَ الزَّوْجِ تَعْدِلُ مَا هُنَالِكَ.
ومع ذلك فلم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم المرأة حسب ما تملك من قدرات – في ما يوافق فطرتها وضوابط الشريعة – أن تشارك برأيها وجهادها، فكانت معه زوجه عائشة رضي الله عنها في غزوة بني المصطلق، وأم سلمة رضي الله عنها في صلح الحديبية، كما حضرت معه في غزوة أحد أم عمارة نسيبة بنت كعب النجارية، وكانت تباشر القتال بنفسها دفاعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، وشهدت بيعة الرضوان يوم الحديبية، كما شهدت يوم حنين، ويوم اليمامة مع جيش خالد بن الوليد رضي الله عنه، قال الذهبي: جرحت يوم اليمامة اثني عشر جرحاً وقُطعت يدها، وكان أبو بكر رضي الله عنه يسأل عنها وهو خليفة، وعندما عادت إلى المدينة كان يزورها.
وهكذا الحال في أم سليم بنت ملحان فقد كانت حاضرة يوم حنين مع زوجها أبي طلحة رضي الله عنهما وقد ثبتت مع النبي صلى الله عليه وسلم في من ثبت معه عند الهزيمة التي وقعت أولاً، وكان الغالب على دور النساء مُداواة الجرحى والمرضى ومناولة الطعام والشراب.
لقد نزلت سورة الأحزاب تروي مشاهد الغزوة، والحصار الذي تعرّض له المسلمون والخوف والنفاق والخيانة ( إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ) (11) سورة الأحزاب .
وفي هذه السورة وصف الله عز وجل حال المجاهدين فقال : ( مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23) فوصفهم بقوله ( رجال ) ثم جاء حظّ النساء من هذه الرجولة فقال تعالى : ( إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (35)
ومن هؤلاء النسوة التي – زيادة على مسؤولياتها في البيت وتعلّمها وتعليمها – شاركت في المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني الشهيدة الدكتورة جميلة الشنطي نسأل الله أن يتغمّدها برحمته، وفي هذا المقال سنحاول أن نستعرض أهمّ محطات سيرتها كنموذج للمرأة الفلسسطينية المقاومة .
ميلادها ونشأتها :
كأي فلسطيني وفلسطينية فقد وُلت الشهيدة أم عبد الله جميلة الشنطي وفلسطين تئن تحت وطأة الاحتلال، وكان ميلادها عام 1957، في مخيم جباليا شمالي مدينة غزة، وقد تعرّضت عائلتها للتهجير من مدينة المجدل قرب عسقلان المحتلة.
وهذه الظروف هي التي دفعتها إلى إتمام دراستها والانضمام إلى العمل الدعوي والجهادي بعد ذلك، وقد تركت عملها في السعودية وعادت إلى فلسطين تاركة الأمن والأمان والمنصب والراتب، وقلّ من يضحّي هذه التضحيات، رغم أنها لو بقيت في السعودية لافترضنا أنه كان لها دور في المقاومة كما يفعل كثير من الفلسطينيين في العالم، ينصرون قضيتهم بعيدا عن أرضهم التي هُجّروا منها ومُنعوا من الدخول إليها .
مسارها العلمي :
يتفق الكثير من المختصين أن أحسن وظيفة للمرأة هي الوظيفة التربوية والطبّية، ولهذا اختارت الشهيدة جميلة الشنطي مجال التربية .
ومن مميزاتها إتقانها للغة الإنجليزية، فقد حصلت على شهادة الليسانس في اللغة الإنجليزية من جامعة عين شمس بجمهورية مصر العربية عام 1980، ثم على شهادة ماجستير في أصول التربية من الجامعة الإسلامية بمدينة غزة عام 1998، واستكملت مسيرتها التعليمية عام 2013، إذ حصلت على درجة الدكتوراه في الإدارة التربوية من كلية العلوم الأسرية بجامعة دبي في الإمارات، عبر تقنية التعليم عن بعد.
هذا المسار العلمي هو الذي أهّلها فيما بعد لتشرف على الجمعيات التربوية وتترك بصمتها في التدريس الجامعي والنضال السياسي .
المنصاب التي تقلّتها :
– عملت معلمة في المملكة العربية السعودية مدة 10 سنوات مباشرة بعد حصولها على درجة البكالوريوس سنة 1980.
– التحقت بالعمل التنظيمي لحركة حماس بعد عودتها لقطاع غزة عام 1990.
– أشرفت على ملف الجامعات ودُور القرآن الكريم في حركة “حماس”.
– عضو فعال في جمعية الشابات المسلمات .
– مشرفة تربوية في الجمعية الإسلامية .
– مُحاضِرة في كلية التربية بالجامعة الإسلامية في غزة .
– عضو المجلس التشريعي الفلسطيني عن كتلة التغيير والإصلاح محافظة شمال غزة عام 2006 وقد تم تعيينها بتاريخ 19/07/2006 عضوا في لجنة شؤون المجلس الذي كان يرأسه الدكتور عزيز دويك .
– وزيرة شؤون المرأة في الحكومة الفلسطينية بغزة عام 2013 .
– عضو لجنة التربية والقضايا الاجتماعية في المجلس التشريعي .
– ترأست مجلس الشورى الخاص بالنساء لدورتين متتاليتين.
– عضو المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية “حماس” عام 2021 وتُعتبر أول امرأة تنال هذا المنصب .
وقال المكتب الإعلامي للحركة النسائية إن انتخاب الشنطي في عضوية المكتب السياسي، يأتي تتويجاً للفكر الحضاري للحركة.
وأضاف في تصريح صحفي أن النظام الانتخابي الداخلي لحركة حماس ” يسمح للمرأة أن تُنتخب وتتولى مناصبَ متقدمة وواسعة في صناعة القرار، ويضمن لها حقها في العمل المشترك أو المنفصل”.
وقد تحملت الدكتورة جميلة الشنطي مسؤوليات جسيمة، فقد ذكر الدكتور إبراهيم صقر الزعيم في كتابه ” الحركة النسائية الإسلامية ” : ( أما في قطاع غزة فكان النواب ثالثة، وبعد وفاة النائب مريم فرحات، زاد العبء الذي تتحمله كل من: جميلة الشنطي وهدى نعيم، فالنائب جميلة الشنطي أحد أعضاء لجنة شؤون المجلس، وفيها خمسة نواب، ھم إلى جانب الشنطي: “أحمد بحر، وخليل الحية، وفرج الغول، وإسماعيل الألشقر”، وتؤدي ھذه اللجنة دورا كبيرا، فهي تتولى إدارة المجلس، ومتابعة النواب، والجلسات، والنظام الإداري، وسنّ القوانين، كما أن النائب الشنطي عضو في لجنتين مهمتين ھما: لجنة التربية والقضايا الاجتماعية، واللجنة القانونية، ولهما دور مهم في سَنّ مجموعة من القوانين المهمة، منها: قانون حماية حقوق زوجات الشهداء، وضبط أحوال الرضاعة، والتبني، واسم المولود وتسميته، ولذلك فإن ھذا القانون حلّ كثيرا من المشاكل الاجتماعية ) .
محاولة اغتيالها :
برز اسمها عندما نجحت في كسر حصار فرضه جنود الاحتلال الإسرائيلي على عدد من المقاومين الفلسطينيين لجؤوا إلى مسجد في بلدة بيت حانون شمالي قطاع غزة، وهو ما يفسّر رؤيتها القيادية، حيث استطاعت قيادة مسيرة نسائية في الثالث من نوفمبر سنة 2006 استُشهدت فيها سيدتان وجُرحت أخريات، تكلّلت بالنجاح في فكّ الحصار عن المقاومين .
هذا كان سببا في استهداف منزلها بطائرات الاحتلال يعد 3 أيام فقط، مما أسفر عن استشهاد زوجة أخيها وشخصين كانا بالقرب من المنزل، بينما نجت هي بسبب عدم وجودها في الموقع المستهدف حينها.
استشهادها :
استشهدت الدكتورة جميلة الشنطي إثر غارة جوية شنتها طائرات الاحتلال الإسرائيلي على منزلها في 18 أكتوبر 2023، وبهذا أصبحت ثالث عضو في المكتب السياسي لحركة حماس يستشهد منذ بدء عملية طوفان الأقصى، إذ سبقها القياديان زكريا أبو معمر وجواد أبو شمالة.
آثارها :
من أقوالها اللطيفة في اللقاء الصحفي الذي جمعها بالصحفية أحلام حماد ” شبكة نوى الإخبارية ” في 30 مارس 2021 : ( مهام المكتب السياسي – لحركة حماس – .. فيه مهام .. أنا كامرأة لا أستطيع القيام بها .. ليس عجزا جسديا أو عجزا فكريا .. لكن هناك اجتماعات وسفريات وتحت الطاولة وتحت الأرض وفوق الأرض، يعني .. أنا أعتبره لا يناسبني ولن أخوض هذا الغمار ) .
وأضافت : ( نحن نساء حماس لدينا كاريزما معيّنة وأدبيات معينة، لا يُنقص قدرنا أن لا نشارك، ولا يزيد قدرنا أن نشارك .. نحن نعمل مع الناس .. الناس تعرف من نحن .. هوياتنا معروفة … وعلاقاتنا معهم طيبة .. حياتنا مرحة .. حياتنا واسعة وليست ضيقة .. حماس ليست جماعية إسلامية متطرفة .. ) .
وذكرت من بين الأهداف التيتسعى إليها ( محاربة البطالة، تعزيز دور المرأة في المجتمع، دعم التعليم .. )
ولما سُئلت عن رئاسة المكتب السياسي للحركة قالت : ( لو عُرضت علي رئاسة الحركة سأرفض ) .
وقد نقل الدكتور إبراهيم صقر الزعيم قولها في كتابه ” الحركة النسائية الإسلامية ” وهي تدخل معترك الانتخابات التشريعية : ( لا يخفى على أحد أننا ندخل تجربة نعدّها إضافة من خلال المشاركة السياسية، فنحن من خلال مؤسساتنا الاجتماعية والتربوية عملنا على خدمة المواطنين والمرأة الفلسطينية، وتواصلنا معهم في أكثر الأوقات شدة، واستطعنا أن نقدّم الكثير، ونأمل في غطاء رسمي وشرعي وأن نقدّم الكثير، وطموحاتنا كبيرة في جوانب عدة ) .
وقد وصفها فقال : ( وحول شخصية جميلة الشنطي التي تميزت في كل المناصب التي أسندت إليها، فقد أضاف العمل التشريعي لها معرفة بالناحية القانونية، وعلى صعيد العلاقات الدولية، فإن مشاركتها في زيارة برلمانات عربية أتاح لها التعرف على آليات عملها، وكانت زيارة الدول العربية مفيدة لها من جانبين، ھما: حضور جلسات البرلمان في تلك الدول والمشاركة في النشاطات المختلفة، والثاني ھو الالتقاء بالنساء، والحديث معهنّ عن القضية الفلسطينية.
أما العمل الوزاري فعزز لديها الإدارة، والدول التي لم تتمكن من زيارتها، التقت بقياداتها البرلمانية والفكرية والاجتماعية من خلال زيارة قطاع غزة، وكانت تلك اللقاءات مهمة في تبادل الخبرات، وحشد الدعم لقضية فلسطين، ودعم صمود المرأة الفلسطينية ) .
قلت فيها :
ألا يا حامل السّوْطِ ..
أتَبقى مُحكِمَ الرَّبْطِ ؟ ..
فروحي للسما صَعَدَتْ
سلامٌ .. قيل للشَّنطِي
أتخْشَى بعدها جسدا
شهيدا لُفَّ في مِرْطِ
جميلةُ .. أنتَ تَذْكُرُني
جبانًا دائمَ السُّخْطِ
سلاحٌ كنتُ أحمِلُهُ
وأقلامٌ مع المِشْطِ
وأسقي الوَرْد أحضُنُهُ
أُنَظِّفُ لُعبةَ القِطِّ
بأيديكم خرائطُنا
لِيَعْبَثْ راسِمُ الخطِّ
فلسطينُ سنُرجِعُها
بلا قيدٍ ولا شَرْطِ
وإنْ جمعوا وإن قصفوا
بمال الغاز والنَّفْطِ
نُحرّرُها بأيدينا
برغم الجَحْدِ والغَمْطِ
سيَحْكُمُ سيفُنا يوما
ستأتي ساعة السَّمْطِ
سلامٌ على الدكتورة جميلة الشّنطي .. سلام على المقاومين والشهداء في فلسطين .. نساء ورجالا .. صغارا وكبارا .. ( فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ (47) سورة إبراهيم