حصريا

ظاهرة تمزيق الكتب المدرسية-د.بوعموشة نعيم-الجزائر-

0 1٬981

ظاهرة تمزيق الكتب المدرسية

الدكتور بوعموشة نعيم- علم اجتماع التربية (جامعة تامنغست)

تعد ظاهرة تمزيق الكراريس والكتب المدرسية من بين أكثر الظواهر السوسيو تربوية انتشارا مع نهاية كل سنة دراسية، حيث يقوم التلاميذ في مختلف الأطوار الدراسية بتمزيق كراريسهم وكتبهم المدرسية وحتى مآزرهم ورميها في فناء المدارس والساحات العمومية والطرقات مع انتهاء فترة الامتحانات الفصلية النهائية أو مع نهاية الموسم الدراسي. هذه الظاهرة التي باتت تتكرر كل سنة ليست بالظاهرة الجديدة أو المحصورة على منطقة دون أخرى أو فئة عمرية دون غيرها، بل هي ظاهرة عالمية. يبقى الفرق الوحيد في درجة انتشارها ما بين بيئة وأخرى وكدا درجة الوعي والنضج المعرفي لدى التلاميذ. ويمكن النظر لظاهرة تمزيق الكتب والأدوات المدرسية على أنها أحد أشكال العنف الخفي داخل المجال المدرسي أو محيطه، كتعبير انفعالي عن سلوك يحمل في طياته بعدا انتقاميا ونوعا من التمرد تجاه المعلم والمؤسسة التعليمية، كما أنه تصرف مشين في حق المدرسة الجزائرية والمنظومة التعليمية ككل. وهذا ما يدفعنا لطرح العديد من الاستفهامات حول أسباب انتشار هذه الظاهرة بشكل كبير في السنوات الأخيرة.

إن أسباب تفشي ظاهرة تمزيق الكتب المدرسية والكراريس تتداخل فيها عدة عوامل وأسباب منها أسباب نفسية واجتماعية وأخرى تربوية، سنحاول التفصيل فيها فيما يأتي:

بالنسبة للأسباب النفسية فتعود إلى حالة الكبت والضغط والتوتر النفسي الذي يعيشه التلميذ طيلة الموسم الدراسي، خاصة إذا كان المدرسون يتخذون من القسوة والعقاب أسلوبا لضبط سلوك التلاميذ داخل الصف، بالإضافة إلى عدم الاهتمام بميول التلاميذ وحاجاتهم وعدم تنشيط الحصص الترفيهية كالرياضة والتربية الفنية (الموسيقى والرسم) والتي تسمح بامتصاص حالة التوتر والضغط والروتين الدراسي اليومي الذي يعاني منه التلميذ بسبب كثافة البرنامج الدراسي ورتابة وجمود بعض المواد الدراسية، إذ يلجأ بعض المدرسين لاستغلال هذه الحصص لتعويض تدريس بعض المواد الأساسية كالرياضيات واللغة بحجة إنهاء البرنامج الدراسي. ضف إلى ذلك صعوبة بعض المواد الدراسية والاختبارات التي يقبل عليها التلاميذ مع نهاية السنة الدراسية، وبالتالي يلجأ التلاميذ إلى هذا السلوك للتعبير عن السعادة والابتهاج بانتهاء الموسم الدراسية والتحرر من كل القيود والالتزامات المدرسية وضغوط الدراسة (حل التمارين، تحضير الدروس، المراجعة …). في حين يعمد بعض التلاميذ إلى هذا السلوك كنوع من الانتقام بسبب حالة الاحباط من النتائج الدراسية المتدنية التي حصلوا عليها في نهاية السنة، أو عدم الرغبة في مواصلة الدراسة والتخلي عنها نهائيا. وهذا السلوك أيضا يعبر عن حالة اللا إنتماء التي يشعر بها التلميذ، في ظل تشتته وعدم إدراكه لدوره الاجتماعي، وهنا يتحمل المدرسون والأولياء المسؤولية مناصفة في عدم مرافقة التلميذ ومساعدته لاكتشاف ذاته وتفجير طاقاته الابداعية وتقويم سلوكه وتأكيد إنتمائه وأهمية دوره التنموي مستقبلا.

أما الأسباب الاجتماعية فتعود للتقليد الأعمى للتلميذ لبعض الأصدقاء أو الأقران، مما يشجعهم للسير على خطاهم في ممارسة هذا السلوك مستقبلا. وكدا غياب دور بعض الأولياء في التوجيه السليم والقويم لأبنائهم المتمدرسين، وغرس فيهم القيم السوية كالمحافظة على الممتلكات الخاصة والعامة والتحلي بروح المسؤولية، وتعلم الاستثمار في الممتلكات الخاصة وترشيد النفقات وذلك باستغلال الكراريس والكتب المدرسية في السنوات اللاحقة إما على الصعيد الشخصي أو إعارتها لإخوانهم الأصغر سنا أو أحد الجيران أو الأصدقاء أو التبرع بها لمن هو في حاجة ماسة إليها، بدلا من إتلافها وتشويه المحيط العام وإرهاق عمال النظافة بتجميع وتنظيف الساحات العمومية من الأوراق المترامية هنا وهناك.

بينما الأسباب التربوية فترجع لانخفاض الدافعية للتعليم بشكل عام، وانتشار النظرة السلبية للعملية التعليمية ككل وما ينتج عنها من عدم توفر وتكافئ الفرص لدى كافة المتعلمين والخريجين، فالعديد من المتمدرسين ينظرون إلى المدرسة على أنها سجن حرمتهم من الاستمتاع بطفولتهم بسبب كثرة الواجبات المدرسية المنزلية وطول ساعات الدراسة. وكدا ضعف دور المؤسسات التربوية على الصعيد التربوي والتعليمي في تنمية الوعي المعرفي وغرس ثقافة روح المسؤولية لدى الناشئة، وتطبيق القوانين والعقوبات من قبل الإدارة المدرسية بحق التلاميذ الذين يخلون بالانضباط المدرسي ويقدمون على اتلاف ممتلكات المؤسسة التربوية أو تمزيق الكتب والكراريس في فناء المدرسة كونه سلوك غير سوي ويتنافى والآداب العامة ويمس بالمنظومة التربوية ككل. ومن بين الأسباب التربوية أيضا عدم وجود ترابط في محتوى البرامج الدراسية من سنة دراسية لأخرى،  وكدا توفر الكتاب المدرسي لفئات واسعة من المتمدرسين بشكل مجاني وعدم مطالبة المؤسسة التربوية باسترداد الكتب المدرسية في نهاية السنة الدراسية، ما يكون لدى التلاميذ قناعة ذاتية بانتهاء الغرض منها أو الحاجة إليها وبالتالي فلا داعي للاحتفاظ بالكتب المدرسية أو الكراريس ما دامت السنة الدراسية قد انتهت وأن التلميذ قد ضمن نجاحه أو انتقاله لمستوى دراسي أعلى أو أنه قد رسب ويفكر في التخلي عن الدراسة نهائيا، فيتم التخلص من الكتب والكراريس بأسهل طريقة وهي تمزيقها ورميها.

وبالنسبة للإجراءات الوقائية من هذه الظاهرة والحد من تفشي انتشارها في الأوساط التربوية والاجتماعية، يمكن اقتراح الإجراءات الآتية:

– ضرورة تكاثف جهود كل الفاعلين في المؤسسات التعليمية للقضاء على أسباب ظاهرة تمزيق الكراريس والكتب المدرسية بشكل جاد، بحيث يدرس كل سبب على حدا للوصول إلى علاج لهذه الظاهرة.

– تفعيل الدور التواصل للأسرة مع الهيئات التدريسية والإدارية للمؤسسات التعليمية التي يزاول بها أبنائهم دراستهم لمتابعة القضايا التعليمية والسلوكية لأبنائهم خلال العام الدراسي، والعمل سويا على تحديدها وعلاجها.

– توعية التلاميذ بقيمة وأهمية الكتاب المدرسي ووظيفته التعليمية والتثقيفية وضرورة المحافظة عليه، وعدم إهانة الكتاب ورميه لتضمنه بعض السور والآيات القرآنية والأحاديث النبوية.

– وضع آلية لاسترجاع الكتب المدرسية من الطلبة في نهاية السنة الدراسية، والقيام بفرزها للاستفادة من الكتب الصالحة للاستخدام مستقبلا للتلاميذ الجدد، في حين توجه الكتب غير الصالحة للاستخدام للتدوير في مصانع الورق.

– بناء منظومة تعليمية مرنة تتوافق مع الاحتياجات النفسية والتربوية والاجتماعية للطفل، مع ضرورة تفعيل النشاطات اللاصفية والنوادي كونها متنفسا للتلميذ ومصدرا لاكتشاف مواهبه وصقلها.

– إعادة النظر في محتوى بعض المناهج الدراسية لتساهم في بناء الشخصية المتوازنة للطفل، وربط المعارف بواقعه وخصوصيات البيئة التي يعيش فيها، فمن غير المنطقي تلقين التلميذ معارف بعيدة عن واقعه ولا يستطيع توظيفها في حل مشكلاته اليومية.

– عدم التساهل أو التسامح من قبل إدارة المؤسسات التعليمية مع أي حالة من حالات تخريب ممتلكات المؤسسة أو تمزيق الكتب المدرسية في فناء المؤسسة التعليمية أو محيطها، والحزم في تطبيق القوانين.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page