عجز التأطير النسوي في المساجد والمدارس القرآنية
بقلم : عثمان بندو
تمهيد :
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد :
يتطور الصراع في العالم، وأغلبه يُبنى على أساس عقائدي وقومي وتاريخي، فروسيا لا ترضى أن تكون أوكرانيا جزءا من الاتحاد الأوروبي لأن أوكرانيا مهد الإمبراطورية الروسية القديمة ومنشؤها وجزء منها، والصين ترى في تايوان جزءا لا يتجزأ منها، وتركيا تصارع اليونان من أجل جزرها التي هي حقّ لها، ولهؤلاء جميعا حنين إلى الإمبراطوريات والأمجاد التي صنعوها في الماضي، وحين أقارن هؤلاء ببلدي الجزائر أحسّ بذاك العجز الرهيب في دفاعاتنا الدينية والتاريخية لبلد مسلم سيطر على البحر المتوسط ثلاثة قرون، دون أن أنسى ذلك العجز المرتبط بتطوير الاقتصاد، وقبله بناء الإنسان من خلال تطوير التعليم وبناء مدن جديدة في الشمال وفي المناطق الداخلية وفي الصحراء ذات بنية تحتية متطورة مترابطة بشبكات نقل حديثة .
وسأدع المجال التاريخي والاقتصادي لأهله، وأركّز على المجال الديني، وهو أهمّ المجالات المذكورة، لأن العقيدة هي أساس بقاء الأمة وحفظِها وحمايتها، وقد كان المسجد ولا يزال الركيزة الأساسية لبناء هذه العقيدة، ونشر الفضائل وتحسين الأخلاق، غير أن طريقة تسيير المساجد وإدارتها لا ترقى إلى دورها المنشود في بناء المجتمع .
والمسجد كبناء يحتاج إلى روح، والروح هي أولئك الرجال والنساء الذين ينشطون داخله وخارجه، وبدون هؤلاء تبقى المساجد مجرد هياكل مهما عَظُم حجمها وازدان بُنيانها وكثُرت مرافقها وملاحقها .
والحقيقة أن هناك نقصا فادحا في تأثير المساجد على المجتمع نظرا لقلة العاملين فيها من أئمة وأساتذة للتعليم القرآني وأعوان، وأفْدَحُ منه النقص في التأطير النسوي، فداحةً نجني ثمارها في وسط بناتنا وشاباتنا وحتى النساء الكبيرات، من نقص في تعلّم أساسيات الدين وفقه المرأة وانعكاسات ذلك على تربية النشء وبناء الأسرة والحفاظ على الأخلاق في المجتمع .
وفي هذا البحث أحاول تسليط الضوء على هذه المشكلة، وإعطاء بعض الحلول الممكنة التي تعالجها، فكم نحن بحاجة إلى مساحات في المساجد والمدارس القرآنية تنشط من خلالها المرشدات الدينيات وأستاذات التعليم القرآني من أجل تعليم المرأة دينها وكتاب ربها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم وسيرة أمهات المؤمنين رضي الله عنهن .
المبحث الأول : نقص فادح في تأطير الإرشاد الديني النسوي .
بناء على ما جاء في القرار الوزاري المشترك المؤرخ في 10 أبريل سنة 1999، الذي يتضمن الخريطة المسجدية، فإن المساجد المحلية التي تُقام فيها صلاة الجمعة لابد أن تتوفر على 6 موظفين : إمام أستاذ وإمام مدرس وإمام معلم ومعلّم قرآن ومؤذن وقيّم، أما مساجد الأحياء التي تُقام فيها الصلوات الخمس فقط فيجب أن تتوفر على 04 موظفين : إمام معلم ومعلّم قرآن ومؤذن وقيّم، أما المساجد الرئيسية فلابد أن تتوفر على 08 موظفين : إمامان أستاذان وإمام مدرس وإمام معلم ومعلم قرآن ومؤذن وقيّمان .
لكن الواقع يقول غير هذا، ففي ولاية تحتوي على حوالي 400 مسجد قد تجد 50 إماما أستاذا و60 إماما مدرسا و70 أستاذا للتعليم القرآني و40 مؤذنا و50 قيّما، ومجموع الموظفين في الولاية لا يستطيع أن يؤطّر كافة المساجد، أي أن هناك بعض المساجد يؤطرها قيّم لوحده أو مؤذّن لوحده، رغم أن مهمة القيّم في القانون الأساسي الخاص بالموظفين المنتمين للأسلاك الخاصة بالإدارة المكلفة بالشؤون الدينية والأوقاف رقم 08/ 411 المؤرخ في 24 ديسمبر 2008 هي : مساعدة الإمام في الحفاظ على النظام داخل المسجد واستخلاف المؤذن عند الضرورة والإشراف على تنظيم الحراسة ومتابعة أعمال صيانة المسجد ومرافقه، فيجد القيّم نفسه مسؤولا عن مسجد بأكمله : رفع الأذان وصلاة الجمعة والصلوات الخمس والتعليم القرآني ثم وظيفته الأصلية كقيّم .
وجاء في المرسوم 13/377 المتضمن القانون الأساسي للمسجد المادة 20 منه : يكلّف مدير الشؤون الدينية والأوقاف قائما بالإمامة إذا لم يتوفّر للمسجد إمام موظف، غير أن العدد الإضافي من القائمين بالإمامة قليل جدا لا يلبّي احتياجات المساجد .
وهذا العجز مهما بلغ من فداحة فإنه لا يُقارن بالعجز في العنصر النسوي ( المرشدات الدينيات وأستاذات التعليم القرآني ) فالعجز فيه خطير، حيث تعاني النساء بشدة من الجهل بأمور دينهن .
هذا الأمر يفتح الباب على مصراعيه لطلب التطوّع في المساجد من أجل سدّ الفراغ، ونظرا لنقص المفتشين والمفتشات وبُعد المساجد عن مقر المديريات الولائية تصبح السيطرة على المساجد مستحيلة، ولا تستطيع الإدارة التحكم في من يتطوّع فيها وكيف .
ولا يمكن لمساجد تعاني من نقص التأطير أن تحمي المرجعية الدينية للجزائر، ولا يمكنها مواجهة الأفكار الدينية المتطرّفة، ولا يمكنها حماية شبابنا وأبنائنا وشاباتنا وبناتنا من هجمات التطرف والإلحاد والشذوذ والانحلال .
ومن الغرابة فتح باب التطوّع لإرشاد النساء وتعليمهن بينما يمكن لسدّ هذا العجز فتحُ مسابقات التوظيف لحاملات شهادات الليسانس والماستر والماجستير في العلوم الشرعية، وأغربُ من ذلك أن قطاعا له نفس الأهمية ونفس الوظيفة تقريبا وهو قطاع التربية له رخصة خاصة لفتح مسابقات التوظيف كل عام، بينما قطاع الشؤون الدينية يعاني من تجميد التوظيف منذ عشر سنوات أيُعقل هذا .
وما يُفتح من مسابقات لتوظيف 300 موظف بين إمام مدرس وأستاذ للتعليم القرآني ومؤذن وقيّم لا يسدّ الرمق، خاصة أنها لا تُفتح كل عام .
وهؤلاء الذين ذكرت يُشترط فيهم شهادات الثالثة ثانوي فما أقلّ، مع شهادة حفظ القرآن الكريم، ثم يدرسون في المعاهد ثلاثة سنوات أو سنتين أو سنة حسب الوظيفة، بينما يُترك حملة ليسانس الشريعة الإسلامية في بطالة طويلة الأمد .
ومع هذا فإن أغلب المشاركين في مسابقات المعاهد هم من الرجال ( أئمة مدرسون، مؤذنون، قيّمون ) وقد تشارك بعض النساء في سلك التعليم القرآني، ولكنّ العدد يبقى غير كاف أبدا .
والمتأمل لمهام المرشدات الدينيات حسب المرسوم التنفيذي رقم 08- 411 مؤرخ في 26 ذي الحجة عام 1429 الموافق 24 ديسمبر سنة 2008، المتضمن القانون الأساسي الخاص بالموظفين المنتمين للأسلاك الخاصة بالإدارة المكلفة بالشؤون الدينية والأوقاف، سيدرك إذا اكتشف هذا العجز في التأطير حجمَ الخسائر في الثروة البشرية النسوية، ومعاناتها من عدم تعلّم ما تحتاجه من أمور دينها .
ففي المادة 48 من المرسوم : تكلّف المرشدات الدينيات على الخصوص بما يأتي :
– تدريس مواد العلوم الإسلامية وتعليم القرآن الكريم للنساء في المساجد والمدارس القرآنية .
– المساهمة في النشاط الاجتماعي للمسجد .
– المساهمة في برامج محو الأمية .
– المساهمة في النشاط الديني الموجّه للنساء والأحداث في مؤسسات إعادة التربية .
– المساهمة في الحفاظ على الوحدة الدينية للجماعة وتماسكها .
– المشاركة في الدروس التحضيرية لمناسك الحج والعمرة .
– المشاركة في حماية الأمومة والطفولة .
وزيادة على هذه المهام، تتولى المرشدات الدينيات حسب المادة 49 ما يلي :
– المشاركة في إعداد الفتاوى وتقنينها .
– المشاركة في الدراسات وأعمال البحث العلمي التي ينظّمها المجلس العلمي لمؤسسة المسجد .
– المشاركة في البرامج القطاعية لحماية الأسرة .
فإذا لم يكن في المساجد والمدارس القرآنية عدد كاف من المرشدات الدينيات فمن يتولى هذه المهام ؟
هذا الفراغ الرهيب، يُضاف إليه عامل الزمن، فالمرسوم المتعلق بالخريطة المسجدية الذي دخل حيّز التنفيذ سنة 1999 لم يتم تغييره إلى يومنا هذا، رغم إنشاء قانون أساسي جديد للمسجد سنة 2013، إلا أنه جاء في المادة 16 منه : ( تتكفّل الدولة بالتأطير البشري للمساجد وفق خريطة مسجدية .
تحدد الخريطة المسجدية بقرار مشترك بين الوزير المكلّف بالشؤون الدينية والأوقاف والوزير المكلّف بالمالية والوزير المكلّف بالداخلية والجماعات المحلية والسلطة المكلّفة بالوظيفة العمومية ) .
لكن إلى يومنا هذا لم يتم إعداد هذه الخريطة المسجدية، ومنذ إدراج سلك المرشدات الدينيات في الأسلاك الخاصة بالشؤون الدينية سنة 2008 إلى سنة 2013 خمس سنوات، ومن سنة 2013 إلى سنة 2023 عشر سنوات لم تحدد فيها الخريطة المسجدية العدد التي تحتاجه المساجد من المرشدات الدينيات والمرشدات الدينيات الرئيسيات وأستاذات التعليم القرآني، وهذا بالنسبة لي أمر خطير في ظل التحديات الأمنية والفكرية والدينية التي يواجهها بلدنا، ونحن في حاجة لوعي نسائه ورجاله جميعا .
ومن جهة أخرى يعاني التعليم القرآني في بلدنا من مشاكل عدة، أهمها نقص المدارس القرآنية، والمدارس يبنيها المحسنون، فمن يجهّزها ويؤثثها ؟ ولا يوجد وقت ولا برنامج مضبوط للتعليم القرآني نظرا لتعارضه مع التعليم الرسمي، والوزارة عاجزة عن طبع كتابين خصصتهما لفئة ما قبل التمدرس، حتى أن الكتابين أشرف على تأليفهما متخصصون من وزارة التربية .
وليس للمدرسة القرآنية ميزانية خاصة لشراء مستلزمات التدريس المختلفة، فهل تتحمّلها المرشدة الدينية وأستاذة التعليم القرآني من جيبها ؟
وأغلب الفاعلين في مجال التعليم القرآني هم المتطوعون، وفروع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وجمعية الإرشاد والإصلاح وجمعيات أخرى .
ورواية ورش من طريق الأزرق كرواية أولى في تعليم القرآن الكريم قد انحسرت كثيرا، والمصاحف المرتلة برواية ورش قليلة جدا مقارنة بدول أخرى، وفتح الباب للبحث العلمي فيها قليل، أين تحقيق المخطوطات وطبع الكتب والأبحاث العلمية ؟
” إن الأمن الديني لأمتنا أكبر من مسألة فرعية كحكم المولد وزكاة الفطر نقدا، ومرجعيتنا الدينية أكبر من حمل العصا على المنبر، والمظهر ليس معيارا تُقبل به ملفات التوظيف والتطوع أو تُرفض ” .
هذه بعض من الأسباب التي تُضعف دور المساجد والمدارس القرآنية في مواجهة الأخطار الدينية والفكرية، خاصة مع تطور وسائل التواصل الاجتماعي وانتشارها وما تُلقيه من سموم في عقول أبنائنا وبناتنا، وإن لم تتدارك بلادنا هذا النقص فستكون التكلفة باهظة مستقبلا، فلأَن تتحمل الحكومة أعباء بناء المساجد والمدارس القرآنية وتكاليف موظفين أكفاء جدد تؤطّر بهم المساجد خير من أن تتحمّل أعباء وتكاليف التطرّف والإرهاب والانحلال الأخلاقي والشذوذ والإلحاد .
المبحث الثاني : الحل هو في مسابقة كبرى للتوظيف .
لابد من وجود توازن بين بناء المساجد وتأطيرها، فالحركة السريعة لبناء المساجد وملاحقها تشبه الحركة السريعة لبناء المؤسسات التربوية، غير أن قطاع التربية يحصل على التأطير وقطاع الشؤون الدينية عاجز، فأين الخلل ؟ هل هو من الحكومة أم بسبب صمت مسؤولي القطاع ؟
في هذا العام فُتحت آلاف المناصب لتعليم اللغة الإنجليزية في الابتدائي ولتعليم الرياضة البدنية أيضا، ماذا عن قطاع الشؤون الدينية ؟ أم أنه غير مهمّ ؟
وبفتح مسابقات التوظيف حسب احتياجات كل ولاية بشرط تحديد مكان الإقامة سيُحَلُّ مشكل السكن الوظيفي التي تعاني منه أغلب المساجد، فخريجو الجامعات بالآلاف في تخصص الشريعة الإسلامية، يكفي أن تُعلن مسابقات في كل ولاية يكون المطلوب في ملف التوظيف نسخة من شهادة الإقامة، مع توفير العدد المناسب للتأطير في كل مسجد، فيصبح المسجد مؤطّرا .
فخريجو الشريعة الإسلامية من حفظة القرآن الكريم يوظّفون كأئمة أساتذة للتعليم القرآني أو مرشدات دينيات أستاذات للتعليم القرآني وغير الحفظة يهتمون بالتدريس والخطابة والصلوات، وإن المساجد اليوم بحاجة ماسة إلى هذا التأطير خاصة في الجانب النسوي .
والعجيب أن هناك طلبة درسوا في دار الإمام تخصص الإمامة والإرشاد الديني وقد حُرموا من التوظيف رغم أنهم إنما درسوا هذا التخصص بشرط التوظيف المباشر، مثل المدارس العليا لأساتذة التربية .
ومن ناحية أخرى – وكالعادة – ينتظر المهتمون بالتعليم القرآني الإفراج عن قانون خاص بالمدارس القرآنية، فالمرسوم التنفيذي 32-94 المؤرخ في 06 رجب 1415 هـ الموافق لـ 10/12/1994 الذي يحدد قواعــد إنشــاء المـدارس القرآنيـة وتنظيمها وسيرهــا يتميّز بوجود نقائص كثيرة، والحلّ هو في قيام الحكومة ممثلة في وزارة الشؤون الدينية والأوقاف ببناء مدارس قرآنية .
بتاريخ 27/11/2016 بموقع جريدة البلاد ذكرت الجريدة أنه من المقرر أن يُعرض مشروع قانون تنظيم المدارس القرآنية العمومية والخاصة للمناقشة من قبل خلية العمل المكلفة بالملف على مستوى وارة الشؤون الدينية والأوقاف، وبتاريخ 12 فيفري 2017 نفس التصريحات ونفس الموضوع نشرته جريدة النهار، وإلى غاية اليوم لم يخرج هذا المشروع إلى النور، وبدون مشروع ينظّم التعليم القرآني ويحدد برامجه ودور أساتذة وأستاذات التعليم القرآني والمرشدات الدينيات فإنّ هؤلاء سيبقون عاجزين عن أداء وظائفهم بكل نشاط وكفاءة، وسيقدمون أقل الخدمات التي يمكنهم تقديمها، أو سيقتصر التعليم القرآني على نهاية أيام الأسبوع أو على فئة ما قبل التمدرس، مع ما يعانيه هؤلاء من نقص القاعات بالنسبة لما يسمى بأقسام التعليم القرآني التي تكون داخل المساجد أو مصليات النساء، أو نقص التجهيزات والأدوات، أو نقص المناهج والبرامج، وقد ذكرت لكم عجز وزارة الشؤون الدينية والأوقاف عن طباعة هذه الكتب وإحالة ذلك إلى المديريات لتقوم بدورها بمحاولات يائسة لطبعها بالتعاون مع المحسنين أو من خلال التعاون مع موظفي التعليم القرآني، بطريقة مُهينة لقطاع يُعدّ من أهم قطاعات البلاد، كان من المفروض أن تخصّص له الحكومة ميزانية تليق به .
خاتمة :
يؤسفني أن أقول إنه لا يوجد خطاب ديني نسوي في مساجد الجزائر، ولا نشاط نسوي ديني لائق، وأحيانا تقوم جمعيات كجمعية العلماء المسلمين الجزائريين والإرشاد والإصلاح والمعالي غيرها بدور أهمّ مما تقوم به المساجد .
وحين نعلم أن ولاية كولاية بومرداس فيها أكثر من 300 مسجد تصلّى فيه صلاة الجمعة دون أن نذكر المساجد التي تُصلى فيها الصلوات الخمس فقط، ثم لا نجد لتأطير النساء فيها سوى مرشدتين دينيتين رئيسيتين و51 مرشدة دينية و 08 أستاذات للتعليم القرآني، فسنُدرك حجم المأساة التي تعيشها بنات وأمهات الجزائر .
والحل هو في تخصيص ميزانية تليق بالقطاع، وميزانية وبرامج خاصة للنهوض بالنشاط النسوي، فالوقت يمرّ، والتحديات تزداد، والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .