حصريا

آمنة بنت وهب سليلة العزّ والنسب-أ.سهام داوي-الجزائر-

0 557

نساء في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم

آمنة بنت وهب .. سليلة العزّ والنسب

تفتّح صباها في أعزّ بيئة وأطيب منبت، فاجتمع لها من أصالة النسب ورفعة الحسب، ما تزهو به في ذاك المجتمع المكّي المعتزّ بكرم الأصول ومجد الأعراق .. كانت زهرة قريش اليانعة، وبنت سيد بني زهرة نسبا وشرفا، وقد ظلّت في خذرها محجّبة عن العيون، مصونة عن الابتذال، حتى ما يكاد الرواة يتبيّنون ملامحها أو يتمثّلونها في صباها الغضّ، والذي يعرفه المؤرخون عنها أنّها عندما خُطبت لعبد الله بن عبد المطلب “كانت يومئذ أفضل فتاة في قريش نسبا وموضعا”[1]

**********

تشابهت مرويات كتب السيرة في عرض أحوال القبيلة، وتفصيل أصول النسب، من جهة عبد الله بن عبد المطلب، وآمنة بنت وهب، وترسخت فينا متعلقات الولادة من يتم مبكر بفقد الوالد، وإرهاصات ربانية ترجمتها رؤيا آمنة للنور يخرج منها، وما ذُكر من خبر شرفات كسرى التي سقطت، ونار المجوس التي انطفأت،

وهي كلها من المعلومات التاريخية الضرورية لاستحضار لب الاصطفاء، وحقيقة الانتقاء، في شخص لشر صالح نال شرف الأصل ولم يستقو بوالد ولا إخوة،

لكن الذي يجدر بنا التوقف عنده مليّا هو ظروف هذه الأمّ التي لم تكن لتتشرف بدخول اسمها التاريخ لولا تلك الأمانة التي تركها في أحشائها سيد شباب قريش، لقد كان عبد الله قدرها، وحتما كان فرحة عمرها وهي اليتيمة المحرومة التي كفلها عمّها وهيب بن عبد مناف[2]، ولنا أن نتوسع في الخيال المشروع لعلاقة هذا شأنها بين فتاة بلغت الحلم لتوّها مع شاب يافع متميز لم يتحاوز الثامنة عشرة من عمره[3]، في مجتمع كان ينوبها فيه أن تنضمّ إلى عدد من النسوة تحت عصمة رجل قد يكون في سن أبيها أو أكبر، وقد يكون له من الأولاد من يكبرها بكثير، فتكتفي بيوم من أيامه، وبصدقة من عواطفه، مع ما قد ينوبها من مضايقات الضرائر، ومشاكسات الربائب، لكن الله تعالى أكرمها بالزوج الخاص، والقلب الخاص، والحب الخالص الذي قد تكون فكرت مليا في الحفاظ عليه، حتى لا تأخذه منها غيرها، خاصة وأنّ الروايات قد اتفقت في حكاية سعي نساء قريش خلفه، ليكون من نصيبها دونهنّ، برغبة من أبيه، وغبطة من دويها، وتعيش شهورا زوجية هي عادة شهور العسل، بما يتفجر فيها من الحب الخالص، وما يعيشه في ظلها الزوجان المتآلفان من همس وشوق وأمل، بل وما ينسجانه سويا من الأحلام الوردية للمستقبل، خاصة وأنها سرعان ما حفظت له في رحمها النطفة المباركة، وجاءها هاتف في منامها من ليلة زفافها الأولى يبشرها قائلا:” إنك قد حملتِ بسيّد هذه الأمة..”[4] ويبيّن للزوج الشاب (عبد الله) سرّ النور الذي كان يجذب النساء إليه طلبا للاقتران به، حتى إذا اختار (آمنة بنت وهب) زوجة خفت النور، وذهبت الرغبة، لزوال المطمع، وكانت (آمنة) محطّ هذا النور، ليزرع في رحمها من أوّل ليلة، ويعطّر قلبها بمشاعر جياشة تلهيها عن المصاب المتربّص بها.

كانت الفرحة عظيمة بلا شكّ، وربما انتابها ــ وهي اليتيمة المحرومة ــ توجس الحرمان منها، فلا دوام لنعمة، ولا خلاص من منغّصات الهناء، هذه المنغّصات التي ربما لا تعدو في سقف التوقعات إجهاض الجنين، أو تراجع الحب والحنين، أو حتى الرغبة في الاستزادة من أمهات البنين، تماشيا مع أصول اجتماعية عادية ألفتها المرأة وتأقلمت معها، كان لها في حياة آمنة مسلك آخر، ليست فريدة في بابه، ولا وحيدة في محرابه، فمنذ الخليقة وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، حرمت الزوجات من بعولتهن، وتجرّعن مرارة الفقد مع كلّ حركة للأجنة المتململة في أرحامهن، وكان هذا نصيب (آمنة) التي لم تهنأ كثيرا بعبد الله، فقد لازمها عريسا زمنا وجيزا، ونادي المنادي بالخروج للتجارة إلى غزة والشام فلم يتخلّف، وتجاوز الشوق إلى التصبّر بتجدّد اللقاء، وكان الخطب عليها عظيما، فتألّمت، ولزمت الفراش، ترعاها جاريتها (بركة أم ايمن) التي تحاول عبثا التخفيف من لوعة الفراق، وقوة الاشتياق، انتظارا لطلّة من (عبد الله) الذي تتلهّف لنقل بشرى الحمل إليه، ولكن هيهات أن يتحقق لها ذلك، فقد رحل (عبد الله) إلى حيث لا رجوع، ولم يكن في القافة العائدة إلى مكة، حيث أقعده المرض عند أخواله، فكان شطر الصدمة ذاك، وكانت المحنة العظيمة التي قتلت فيها الفرحة، بالزواج، والفرحة بالحمل، وخنقتها بحبل الحرمان السريع، لينزل بعدها على مكة بأسرها شطر الصدمة الثاني بنعي (عبد الله) الذي نجى حينا بفداء والده (عبد المطلب) له بالإبل إلى أن يهب الله تعالى من خلاله الروح الطاهرة لآمنة، ويستودعها نبي الأمة المنتظر، ويغادر دنيا الناس.

ولا أفوّت في هذا المقام ما ساقته الدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) من راقي الكلام، ودقيق الكشف عن حال صعب مرّت به أم الرسول صلى الله عليه وسلم إذ هي عروس لم تزل حناء يدها، ذات لهفة على عريسها الذي فرحت مكة كلها لنجاته من الذبح بفداء عظيم، وإذا به يرحل في ريعان شبابه مباشرة بعد التعريس بزوجته، حيث تقول:” وانفضّ المأتم، لكن القوم لم يفرغوا من صاحبه الثاوي في لحده بعيدا عن يثرب، .. كانوا في حيرة من أمره، ما دام الله قد كتب عليه الموت هكذا سريعا، ففيم كان الفداء؟ من كان يظن، حين ذبحت الإبل المائة بالحرم، وتُركت لا يُصدّ عنها إنسان ولا سبع، أنّ المنايا واقفة بالمرصاد للذبيح المفتدى، على قيد خطوات معدودات؟ وفي مثل هذا كانت (آمنة) تفكر، وهي في وحدتها تجترّ أحزانها، وتكابد الذي تجد من لوعة المصاب، حتى خيف عليها، فتتابع أهلها يحاولون أن يعزّوها، وهي تأبى أن تقبل في (عبد الله) عزاء .. وناشدوها الصبر الجميل، فأنكرت على نفسها الصبر، ووجدت فيه غدرا بالحبيب الذي رحل، وأوجس “آل هاشم وزهرة” في نفوسهم خيفة، أن تشتد وطأة الحزن على (آمنة) فتذهب بها، ولبثت مكة شهرا وبعض شهر، وهي ترقب في قلق، إلى أين تنتهي الأحزان بالأرملة العروس .. حتى كانت ليلة من ليالي شوال، أحاط فيها العُواد بفراش (آمنة)، وهي في غمرة أحزانها لا تفتأ تسائل كلّ وافد ووافدة من أهلها: فيم كان فداؤه إذن، ما دام الله قد كتب عليه الموت العاجل؟ وفيم كان العرس الحافل، ويد القدر تحفر له لحده في يثرب؟

على أنها ما لبثت أن أُلهمت في نجواها: كأني عرفت سرّ الذي كان: إنّ (عبد الله) لم يُفتد من الذبح عبثا، لقد أمهله الله ريثما يودعني هذا الجنين الذي أحسست به اللحظة يتقلّب في أحشائي، والذي من أجله يجب أن أعيش .. ومن تلك اللحظة الحاسمة أنزل الله سكينته على آمنة، فطوت أحزانها في أعماقها، وبدأت تفكّر في ابنها الذي يحيا بها ويحييها”[5]

مرّ الحمل بآمنة الصبية حفيفا غير شاق، حيث كان يكفيها من لواعج نفسها ما يضاعف عليها المشاق، وحانت لحظة الولادة التي هي مع آلامها فرحة كل أم، ونهاية كلّ همّ، لتكون همّا مضاعفا لهذه الحالات، بحضور طيف زوج لا يدرين هل يحزن عليه لأنه لم يشهد معهن هذه اللحظات، أم على أنفسهن في مواجهة طفل هلّ على الدنيا بالصرخات، وفتح معهن مشوارا إلى مستقبل مجهول مفتوح على كلّ الاحتمالات.

في حالة آمنة كان المستقبل مأمونا في جانبه المادي، فالجد عبد المطلب ليس أرحب منه صدرا لاستقبال بقية من ولده الغالي الراحل في عز الشباب، وعصبة الأعمام من الكثرة بحيث ستستوعبه حتما أخا عزيزا، وابن فقيد عزيز، لكن الحزن العميق تتجرّعه حتما من عميق إحساس باليتم، ما إن بدأت تتجاوزه، وتعتبره ماضيا سيعوضها عنه الزوج والذرية حتى تجسّد لها ماثلا في رضيع بريء خرج منها بيسر لم تكن تتوقّعه، وبدا أمامها في طلّة لم تكن تحلم بها، وكان يسعدها كثيرا أن تراه في يد عبد الله، وتهديه إياه ليسعد به ويستقوي بوجوده في حياته كما هو الشعور الطبيعي لدى كل رجل يستقبل مولوده الأول. لكن اليد الممدودة لأخذه كانت يد الجدّ (عبد المطلب) الذي باركه بالانطلاق به نحو الكعبة، وعوّذه منشدا[6]:

الحمد لله الذي أعطـــــــــــــــــــــــــــــــاني

هذا الغـــــــــــــــــــلام الطيب الأردان

قد ساد في المهد على الغلمان

أعيـــــــــــــــــــــــــذه بالبيت ذي الأركان

حتى أراه بالـــغ البنيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــان

أعيـــــــــــــذه من شـــــــــــــرّ ذي شنآن

من حاســــــــــــد مضطرب العنان

وما لبث أن أعاده إلى حضن أمه، وانشغل بذبح الذبائح على شرف المولود الجديد، أمّا هي فقد ضمّته إلى صدرها حتما، وحاولت ما تحاول النفساء من الإرضاع استدرارا للحليب الأول لطفلها في الحياة، على ما يكون في العملية من تمنّع في البداية لطبيعة هذا الحليب ذي التركيبة الملائمة لوليد في أيامه الأولى، يضاف إليه تمنّع يسببه الحزن عادة للأم المرضعة التي لا تطاوعها المشاعر المسيطرة لترك الجسم ينتج ماء الحياة.

إنها لحظات يتجدد فيها الحزن حتما، على فقيد غادر مبكرا على غير بوادر كانت ستهيئها لتلقي الصدمة، وعلى أمومة ناقصة الطعم بلا أب تكتمل معه الصورة، وعلى حالة مرّة المذاق سوف تتكرر مع وليدها بعدما مرت بها، “يتيم في حجر يتيمة”، ذلك أحسن وصف، وأصدق تعبير يختزل المأساة.

ولم تكن آمنة في مشهدها هذا وحدها، فقد كانت بنات عبد المطلب حتما إلى جوارها باعتبارهن عمات هذا الوليد، سندا لفتاة مكلومة تضع مولودها الأول، وعونا في تقوية روح حزينة ربما تغادر بدورها وهي تضع الولد، على ما كان كثير الحدوث في المجتمعات العربية، وهنا يُتخيّل من حالة الأنثى مهما ثبت عنها من الشجاعة، والصمود أن تمزج الفرحة بالدموع، لتجدد حزن فقد الأخ الذي ترك قطعة منه ورحل.

هذا المشهد لم بحضره النبي صلى الله عليه وسلم بوعيه، لكنه عايشه بدقات قلبه الأولى في الحياة الدنيا، وأنفاسه الأولى من هواء مكة التي سيكون له فيها تقلّب من حجر إلى حضن، ومن صدر إلى صدر سعيا للوفاء بالرضاعة المشبعة، وتوفير أسباب البنية اليافعة على ما اعتادت العرب مع ذكورها الذين تعدّهم للوجاهة، والشجاعة والريادة. وكان في ذلك من نصيب (حليمة السعدية) على ما سنذكر بعد حين.

قضى إذن السنوات الأولى من عمره بعيدا عن حضن أمه، جربا على عادة الإرضاع، ويرجّح أنّ آمنة لم تستطع فعل ذلك لعارض في صحتها، فنشأ في أسرة حليمة بين أولادها، وتحت رعاية زوجها، ليأخذ نصيبا من الحياة العادية بكل أركانها: أب وأم وإخوة، وتمّ له الفطام على راس السنتين، فعادت به (حليمة) على مضض، لما وجدته في بيتها من بركة حلوله فيهم، وتشجّعت بطلب الإبقاء عليه عندها فترة أخرى حفظا لصحته، وحماية له من وبأ مكة حسب الرواية المشهورة في ذلك، حيث يؤوى أنها قالت لأمه:” لو تركتِ بني عندي حتى يغلظ، فإني أخشى عليه وبأ مكة”[7]، وطاوع الأم الحنون قلبها لتتركه عندها من جديد حرصا على صحته، حتى إذا ما تمّ له من العمر أربع سنوات عاد إلى الأم البيولوجية التي لم تصلنا تفاصيل لقائه بها، ولا مشاعر انفصاله عن حليمة عند تسليمه إليها، وإنما ذُكر لنا حسن المعاش في ظلّ أمّه الشابة، وطيب المقام معها، حيث قال (ابن إسحاق):” وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمه (آمنة بنت وهب)  في كلاءة الله وحفظه، ينبته الله نباتا حسنا”[8] فرأت منه في السنوات الأولى من عمره ما أثلج صدرها، وكلّل صبرها، نباهة، ونضجا، وحبّا للأم الغالية التي لم يصرفه عنها البعد في سنوات عمره الأولى.

وما طال به المقام معها، فقد رحلت به وهو في السادسة من عمره إلى ديار أخوال أبيه بني عدي بن النجار، ربما لتزور قبر زوجها، أو للتطبيب إن رجح تخمين مرضها، فسارت مع قافلة مغادرة في جو الصيف الحار، وكانت في صحبتها جاريتها الوفية (أم أيمن)، مع طفلها الواعي الذي أخبرته أنها ستقصد به قبر أبيه، ليسير بهما الشوق إلى الفقيد تحديا لمشقة السفر، وتمنية للنفس بالوقوف من الحبيب الراحل على الرمس والأثر. ونزلت في بني النجار فأكرموها، واحتفوا بالولد الغالي، ولبثت فيهم أياما تتردّد على قبر زوجها الحبيب، وتجد بينهم ما يغنيها عن الطبيب، أنسا بالأحباب، وإمتاعا للطفل بالجوّ الخلاّب، وسط اقرانه من بني أخوال أبيه. غير أنّها لم تكن لتبقى هناك، فمكة تدعوها من بعيد، بعد أن شبعت النفس من أثر الفقيد، وليس لها ولولدها إلاّ بيتها الذي يحفظ لها بدوره جانبا من ذكريات الزفاف السعيد، فسارت بها الراحلة مع الطفل والجارية، في طريق صعب شاق زادته جاذبية الراقد في يثرب صعوبة ومشقة، فالنفس إذ تترك تتباطأ الخطوات وتكاد تبرك، وكذلك كان حالها وقد استيقظت في النفس الأشجان، وتذكّرت في تحسّر ما مضى وما كان، وأوقفت ثمرة اللقاء الجميل على القبر ترجمة للعزم على إتمام المسير .. ولكنها قيدت من حيث لا تدري إلى الذكرى الأخيرة، وكانت هي في نفسها تعدّ الأنفاس الأخيرة، فما هي إلاّ أن ابتعدت عن مضيفيها حتى حلّ الأجل، ونزل الموت بها وحلّ، وأسلمت الروح إلى بارئها بالأبواء، في طريق العودة من يثرب إلى مكة، وغالبا كان الطفل محمد صلى الله عليه وسلم شاهدا للموقف، فاهما لحقيقة الموت، متجرعا لمرارة الفقد. بل غالبا قد بكى وناح، وصُدم وصاح، وترجّاها ألاّ تغادر وتتركه وحيدا فيغيب عنه وجهها الوضّاء الذي ملأ عليه فراغ الأب عطفا واهتماما. لكن قدر الله تعالى حكيم مهما بدا لنا من أحوال القسوة فيه، لقد انطفأت شمعتها، وهمد جسدها، وخلفته وحيدا بين يدي الجارية (أم أيمن). ودفنت بدورها بعيدة عنه بقرية “الأبواء” التي لم يزرها فيها إلاّ مع وداعه للدنيا بأسرها عند مروره بالمكان قبيل وفاته.

ولئن لم تحفظ لنا كتب التاريخ وقائع الوداع، ومشهد الدموع الطفولية على رحيل الأم المفاجئ، فإنها حفظت لنا مشهدا أكثر نضجا، وتأثيرا، ربما اختزن كلّ تلك المشاعر ليبثّها وهو يتجاوز الستين من عمره، حيث مرّ بالمكان الذي فجع فيه وهو في السادسة، فبكى وأبكى، وحنّ وودّع وداعا لم يكن يحسنه في يوم وفاتها وهو صغير لا يعي الذي حلّ به، ولا الذي ينتظره. لقد مرّ بالقبر وهو في طريق الفتح المبين، عائدا إلى مكة التي خرج منها خائفا يترقب، مستسلما لأمر ربه ليؤسّس دولة الإسلام، ويصبر ويصابر إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا, وها هو الأمر يقضى، والمشاعر تسبق الخطوات إلى مكة الحبيبة، مرورا بقبر الوالدة الحبيبة، حيث مرّ بالأبواء في طليعة جيشه، فتوّقف حيث لا يسعه المرور، وقد واتت الظروف وكتبت الزيارة، فعن سليمان بن بردة عن ابيه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا غزوة الفتح، فخرج يمشي إلى القبور، حتى إذا أتى أدناها جلس إليه كأنه يكلّم إنسانا جالسا يبكي”[9]

ويمكن لك أن تتخيل كلّ شيء يمكن أن يقال في هذا الموقف، بزيادة ما تقتضيه النبوة من التضرّع إلى الله تعالى أن يرحمها، وينزلها منزلا مرضيا وقد ماتت قبل دعوة الإسلام، هنا تتفجر الإنسانية، وتفتح المواجع، ويترجم حال هذا القلب الخاشع، الذي عاد معه مشهد توديع الحبيبة في أرض خالية وهو لا يفقه من الحياة شيئا، ليستحضر معه مشهد توديع مكة وهي أحبّ أرض الله تعالى إلى قلبه فداء لدعوته، وها هو يعود إلى مكة فاتحا، لتكتمل الرسالة بعدها بقليل، ويعود إلى ربه عساه يلقى أمه، ويشملها بشفاعته.

لقد أفصح بعد هذا المشهد وهو يجيب عن سؤال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:” ما يبكيك، جعلني الله فداءك؟ فيقول:” هذا قبر (آمنة بنت وهب)، استأذنت ربي أن أزور قبرها فأذن لي، وأدركتني رقّتها فبكيت”[10]، وقال: فأخذني ما يأخذ الولد لوالده من الرقة”[11]

كان بكاء مرّا شهد الرواة أنه لم يبكه قط، بكاء الحرمان، وبكاء الذكرى، وبكاء اكتمال المشوار باستحضار ما طبعه من مشقة وتعب، وبكاء لا يستغني عنه الولد البار ولو لم يترب في أحضان أمه إلا قليلا، فيبقى بطنها وعاءه، تحمله شهورا،

لقد كانت تلك الحادثة سببا في السماح بزيارة القبور، جمعا بين مشاعر الإيمان لتذكر المآل المحتوم، وبين واجبات العرفان للأحباب تذكرا ودعاء

ويكفينا بعد هذه الوقفة مع مشهد كانت له خصوصيته في أول عهده بالدنيا، وتجدّدت به مأساته في آخر عهده بها أن نرفع عبارات التقدير الواجب لهذه السيدة الأمينة التي حفظت ما شبعت من زوج، ولا قرّت بالولد عينا، إذ تركها الزوج عروسا في شهورها الأولى مستودعا ذكراه في رحمها، ولم تأنس بالولد إلاّ قليلا بعد عودته من بادية بني سعد، لتتركه مسلمة الروح إلى بارئها، متوضّحة صورتها في أذهاننا بالقليل الوارد عنها، “فأنباء “آمنة” في زوجيتها، وحملها، ووضعها، وأمومتها، ــ تلك الأنباء التي يحسبها بعض المحدثين من اساطير الأولين ــ تصوّر للمؤرّخ حياة هذه الأمّ في نفوس جيلها، ومخيّلة الذين جاءوا بعدها، وبهذا التصوير يجد تفسيرهم لعناصر حياتها، وتحليلهم النفسي لشخصيتها.. وأنّى لمؤرخ أن يستغني عن ذلك فيما يعاني من تاريخ محقّق؟”[12]

 

 

[1] ــ تراجم سيدات بيت النبوة، عائشة عبد الرحمن، دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى، 1995، ص89.

[2] ــ المستدرك على الصحيحين، 4877.

[3] ــ عيون الأثر، ص33.

[4] ــ سيرة ابن هشام، 1/166.

[5] ــ تراجم سيدات بيت النبوة، ص126.

[6] ــ الروض الأنف، السهيلي، 1/184.

[7] ــ سيرة ابن هشام، 1/173.

[8] ــ سيرة ابن هشام، 1/177.

[9] ــ مصنف بن أبي شيبة، 8/118. وصححه الألباني في صحيح السيرة مسند الإمام أحمد: 38ــ32.

[10] ــ دلائل النبوة للبيهقي، 1/189.

[11] ــ المستدرك على الصحيحين، 3292، وضعفه الألباني بهذا اللفظ لكن صحّح بقية الألفاظ.

[12] ــ تراجم سيدات بيت النبوة، ص30.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page