حصريا

أبناؤنا والامتحانات … الجهد والنتيجة- أ.سامية مازوزي –

0 327

أبناؤنا والامتحانات … الجهد والنتيجة

بقلم: سامية مازوزي

لعل الامتحانات المدرسية خلال العشرين سنة الماضية قد استحالت من النوازل التي تصيب الأسر العربية عامة والجزائرية خاصة. فقد تغيرت نظرتنا لهذا النوع من الفحوص لأسباب عدة لها علاقة بالمنظومة التربوية والاجتماعية وما تعانيه من فوضى في التسيير وعشوائية في الإعداد، ربما تعود إلى قصور في التعامل مع المعطيات الجديدة لجيل الألفية صاحِب الخصوصيات المتعددة. ومع ذلك لا بد من الإشارة إلى أن المشكلة لا تتعلق بهذا الجيل فقط بل تتعداه إلى الفاعلين من أولياء ومعلمين وأصحاب القرار الذين يضطلعون بمهمة تحديد الأهداف ووضع الخطط.

بدعة الامتحان

يتفق الكثيرون على أن الصين هي من سنت الامتحانات الموحدة على مستوى البلاد، وهو ما عرف بالامتحان الإمبراطوري، حيث أنشأته أسرة سوي عام 605م، وكان الغرض منه اختيار المرشحين المؤهلين لشغل وظائف حكومية محددة تابعة للإمبراطورية، ولكنه ألغي سنة 1905 من قبل أسرة تشينغ. ورغم أن نظام العرب التعليمي كان خاليا من الامتحانات الموحدة بحيث كان المعلم يمنح إجازة للمتعلم بناء على استكمال كتاب أو منهج، إلا أن الحاجة دعت ابن أبي أصيبعة إلى استحداث امتحان شفوي في بغداد لإجازة الأطباء أيام المقتدر في القرن العاشر الميلادي. ومع ذلك بقي الأمر فرديا واختياريا ولم يكن موحدا وإجباريا إلا في القرن العشرين. ومن هنا تحولت مجرد وسيلة تقييمية إلى عبء وكابوس؛ عبء المحتوى وكابوس الوقت.

عبء المحتوى

إن انتقال المحتوى التعليمي من الكيف إلى الكم جعله يشكل عبئا ليس على المتعلم فحسب بل على المعلم أيضا؛ فصراع التعاطي اليومي مع محتوى محكوم بمجال زمني غير مناسب أفقد المعلم الفعالية المطلوبة في عملية التعليم، بسبب فقدان متعة التعليم والتعلم وسط زحمة تفريغ المحتوى، دون اعتبار للقدرات والاستعدادات الفردية.

وقد علق ابن خلدون على مشكلة الأسلوب الكمي في النظام التعليمي فقال: (اعلم أنه مما أضرّ الناس في تحصيل العلم والوقوف على غاياته كثرة التأليف واختلاف الاصطلاحات في التعليم وتعدد طرقها ثمّ مطالبة المتعلم باستحضار ذلك).

ورغم أن خططا تربوية كثيرة تنادي بضرورة اقحام المتعلم في العملية التعليمية إلا أن الواقع العملي لا يستجيب لذلك. وقد أكدت أبحاث كثيرة على ضرورة ربط إعداد وتقديم محتوى المناهج باهتمامات التلاميذ وحاجاتهم اليومية، والتأكيد على عنصر التشويق في تقديم محتوى المناهج، إضافة إلى إثراء الموقف التعليمي باستخدام الوسائل التعليمية المتعددة، والإمكانيات التعليمية المختلفة، والطرائق التدريسية الملائمة والمناسبة لموضوعات الدراسة. وذلك ليصبح التحصيل عملية جماعية تبدأ وتنتهي في قاعة التدريس وليس عملية فردية تتكرر في معزل.

الوقت/القيد

تحول الوقت في العملية التعليمية من عامل ضبط وعنصر دفع إلى عامل مقيد وعنصر تثبيط؛ ذلك أن الجيل الناشئ لم يتزود بالأسس الكافية التي تعلمه كيف يتحكم في الوقت. ومع ذلك يجب أن نفرق بين التلميذ الذي لا يعرف قيمة الوقت وبين الذي يتباطأ في تنفيذ المهام. فالتلميذ الذي يتباطأ في تنفيذ مهامه ليس بالضرورة غير مقدر لقيمة الوقت، إذ من الممكن أن تكون لديه مشكلة في مهارات التخطيط والتنظيم وترتيب الأولويات، وهذه مهارات عقلية وظيفية، لا يكتسبها من العدم. وغياب هذه المهارات قد تحول الوقت في حياته إلى أداة ضغط.

ولعل ما يفتقده في خضم ذلك تعلم إدارة الوقت، والذي يبدأ منذ الصغر بدءا بجدولة المهام البسيطة التي يتعلم من خلالها تقدير الوقت. وبالتالي الالتزام بالجدول بغض النظر عن مدى استكمال المهمة، مدركا علاقة الأولويات بقيمة الوقت.

لقد ربط التشريع الإسلامي أهم التكاليف بالوقت، كالصلاة والصوم والزكاة والحج، نجد ذلك في قوله تعالى: “إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا”، وقوله: “الحج أشهر معلومات”. كما ربط أهم قيمة في الإيمان وهي الصبر بالوقت أيضا كما هو الحال في الصوم. ولعل تدريب النفس وضبطها على إدارة الوقت كان جزءا من المشقة التي تتكلفها.

بين النتيجة والجهد المبذول

إن المنظومة التعليمية التقليدية خلقت فكرة تشييء النجاح؛ فقد أصبح رقما يمكن تجميعه وقياسه وتثمينه. الاستسلام لحمى التقييم والترتيب ضيع حقيقة التحصيل، وقد نبه للحل معلم رياضيات في فنلندا التي وضعت التعليم على قائمة أهم استثماراتها، في تصريح حول برنامج دولي لتقييم طلبة المدارس، يقول فيه: “نحضّر طلابنا ليتعلموا كيف يحصلون على المعلومات، ولا نعلمهم كيف يجتازون الاختبارات. لذا لسنا مهتمين جدًّا بالبرنامج الدولي لتقييم الطلبة. فهو لا يأخذ بالحسبان ما نفعله لتهيئة الطلاب”. وتلك هي فلسفتهم التعليمية فهم يعلّمون طلابهم كيف يحصلون على المعلومات، لا كيف يجتازون الاختبارات. نظام خال من الامتحانات والواجبات المنزلية، قائم على الثقة في المدرس كي يقيم تلاميذه وفق معايير يحددها دون تدخل من الإدارة. هذا النظام هو ذاته الذي رفع التعليم الفنلندي إلى المرتبة الأولى عالميا.

طرف ثالث في العملية التعليمية

لم يسبق للأسرة من قبل أن انغمست في العملية التعليمية كما حدث لها منذ بداية القرن ولعل ذلك يرجع إلى انتشار التعليم بين مختلف الفئات العمرية وارتفاع مستوى الوعي، ومع ذلك فقد صيرتها ظروف التعليم والتعلم الجديدة إلى طرف ثالث في العملية والمشكلة أنه ليس لدور هذا الطرف مواصفات معينة متفق عليها كي يسهم في نجاح العملية فقد اقتحمها بصفة عشوائية حتى بات عامل فوضى بدل أن يكون عامل تنظيم.

صحيح أن دور الأسرة ممثلا في دور الأم في العملية التعليمية قد أشادت به وبأهميته أطراف كثيرة لكن هذا الدور الجديد الذي غرقت فيه الأم دون توجيه يؤثر لا محالة على الأسرة ككل من خلال تحيين وظيفة الأمومة من الوظيفة التربوية الأسمى إلى أداة في سباق الحشو وسعار النتائج، مع ما يستصحب ذلك من تأثيرات نفسية تطال الجميع دون استثناء وبدرجات متفاوتة.

إن أساس التعليم الناجح هو العناية بتطوير المهارات والأداء، والتربية الناجحة هي تلك التي تحسن توجيه الأهداف وإدارة الضغوط. وإن السعي المحموم خلف الرتب والنتائج أدى إلى وقوع الأسرة ككل وبالتالي المجتمع في فوضى الأولويات من خلال تثمين النتيجة بدل تثمين الجهد المبذول.

لذا فإن المواعيد المصيرية المتعلقة بالامتحانات عامة وامتحانات الشهادات خاصة تستدعي من الأسرة استيعاب عناصر الدور المنوط بها دون تجاوز أو مبالغة. كما أن مواعيد ظهور النتائج يجب أن تكون فرصة لتثمين الجهد المبذول الذي سبقها، والاحتفاء بنجاح التحصيل أيا كانت الرتبة.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page