حصريا

تبعات عدم توزيع التركة على العلاقات الأسرية -أ. عتيقة نابتي -الجزائر-

0 307

 

تبعات عدم توزيع التركة على العلاقات الأسرية

 

نظم الاسلام العلاقات الأسرية على أساس تعبدي فالعلاقة الزوجية وعلاقة الوالدين بالأبناء والعلاقة مع الوالدين وعلاقة المسلم بالآخر مسلما أو غير مسلم تحكمها ضوابط عقدية شرعية ذات مقصد تعبدي يتمثل في طاعة الله .

فيكون السلوك البشري عامة بعيدا عن الأنانية وحب الذات وتضخم الأنا بل يتميز بالإيثار والتعاون والتكافل والتغافل ، سواء كان سبب العلاقة قرابة عن طريق المصاهرة والنسب أو لسبب من أسباب العلاقات مثل الجيرة أو الشركة في عمل أو مال أو عقار ، حيث تنضبط بضوابط روحية وأحكام شرعية تحفظ الحقوق ومنه تحفظ العلاقات .

غير أن الإنسان إن تجرد من الضوابط الشرعية التعبدية تستلمه الغرائز فيصبح عبدا لها وينحدر إلى أسفل دركات الشهوة فتطغى الأنانية ويصبح الظلم حقا يمارسه بكل الطرق .

فلماذا يقترن المال بالظلم ؟ وهل الأقربون أولى بالظلم ؟ بل ما هي مبررات هضم الحقوق في الأموال عامة وفي الميراث خاصة ؟

فمن أكثر المظاهر التي  فيها ظلم كبير بين الناس وهضم للحقوق هي ما تعلق بالمال لذلك فإن الإسلام جعل له قواعد وضوابط دقيقة وواضحة فيما يخص الأعمال  والشركات والزكاة والصدقات وما تعلق بحقوق التركة ز الميراث ، فتحددت بالتالي طرق كسبه وصرفه ومن هم أصحاب الحقوق فيه وكيف يجب الحفاظ على هذه الحقوق فالمال من الكليات وحفظه حفظ للشريعة بضرورياتها وحاجياتها وتحسينياتها .

والميراث  باب من أبواب المال التي أفرد لها القرآن تفصيلات في الأحكام أخرجت منها علما قائما بذاته وهو علم الميراث أو علم الفرائض ، تحددت من خلالها الحقوق المتعلقة بالتركة وطرق الميراث ومن هم الوارثون من الرجال والنساء ، وماهي أسباب الميراث وموانعه .

دستور التركة في الاسلام :

يقوم دستور التركة في الاسلام على أسس وقواعد وقوانين تحتكم للعدل والمساواة وليس فيها غمط للحق لأنها توزع على أفراد الأسرة الذين تربطهم بالميت قرابة أو نسب صحيح إن لم يكن هناك أحد موانع الميراث طبعا .

وجعل الميراث بالفرض أو التعصيب أو هما معا حسب القرابة ، وحسب الذكورة والأنوثة مع إدراج جانب القوامة للرجال فالمرأة تعطى نصيبها من الميراث مع إعفائها من النفقة التي هي من واجبات الرجل حيث تدخل في إطار مهام القوامة على النساء لديه فهو قوام على المرأة أختا وبنتا وزوجة وأما .

فالقوامة حماية للمرأة من تقلبات الزمن ودحض لمفهوم المساواة بين الرجل والمرأة وإقرار للعدالة في الحقوق لأن المساواة بينهما ظلم للمرأة خاصة فلا تستقيم بين مختلفين بل هي سبيل لتحقيق العدل والعدل سبحانه وتعالى هو من وضع هذا الدستور حيث يقول في محكم كتابه العزيز الحكيم : ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ / الملك 14/

وأوجب الإنفاق مع القوامة مبينا سبب التفاضل في ذلك دون تمييز في قوله تعالى : ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ النساء / 34 ومع ذلك فالقوامة ليست سببا مباشرة للتفاضل في الميراث بين الرجال والنساء بل إن بعض الحالات ترث النساء أكثر من الرجال وقد ترث المرأة ولا يرث الرجل والأمر يحتاج إلى تفصيلات وتفريعات ليس هذا مجالها ،إنما فقط لنقول بأن للمرأة مكانة في الإسلام عامة وفي توزيع التركات خاصة ، فرغم مسؤولية الرجل عليها من خلال الانفاق إلا أن لها نصيبا مفروضا من التركة ومع إعفائها من الإنفاق.

كما لا يوجد تفرقة في استحقاق النصيب بين الذكر والأنثى أو الصغر والكبر ولابسبب العقل والجنون أو المرض والصحة حتى الجنين في بطن أمه يحفظ نصيبه ولا يضيع حق من ثبتت أحقيته في التركة بسبب نسب أو مصاهرة ، غنيا أو فقيرا ، مجنونا أو عاقلا  إلا بموانع الميراث المعروفة كقتل المورث أو اختلاف الدين وغيرها .

وقفة مع آيات الميراث :

  1. قال الله تعالى : ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴾ النساء / 7

في الآية بيان لسبب الميراث وهو القرابة سواء قل أو كثر فلكل صاحب حق نصيب ودون تفرقة بين الرجال والنساء .

  1. قال الله تعالى : ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾ النساء / 8

ولأن الله أعلم بالنفوس التي جبلت على الشح والبخل يدعوهم من باب الاستحباب إلى إكرام اليتامى والمساكين من ذوي القرابة لأن الصدقة دواء للنفوس من الشح والبخل والطغيان بسبب كثرة المال.

  1. قال الله تعالى : ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴾ النساء / 9

تدعو الآية الأوصياء على مال اليتامى بتقوى الله فيهم ومنه الوصاية على ماله في الميراث .

4.قال الله تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ النساء / 10

في الآية زجر لمن يأكلون مال اليتيم كونه الحلقة الأضعف في نسيج العلاقات داخل الأسرة سواء كان ذلك بحكم الوصاية على ماله أو غير ذلك .

  1. قال الله تعالى : ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ النساء / 11

هذه الآية هي عمدة أحكام الميراث وتوزيع التركة فلا يوجد فيها باب للاجتهاد أو التأويل لأنها بينت مستحقي التركة وأنصبتهم بكل وضوح ، فتصدر الكلام بوصية الوالدين بالأولاد ذكورا وإناثا وبينت الحقوق المتعلقة بالتركة التي منها تنفيذ الوصية وسداد الديون ، فهذا التفصيل في الأحكام لا يترك بابا أو ثغرة لظالم بأن يستأثر بالمال المتروك من طرف الميت إلا إن أراد ظلم نفسه في أخذ مال غيره استبدادا .

فالحقوق المتعلقة بالتركة هي تجهيز الميت والوصية والدين سواء ما تعلق بحقوق العباد أو ما تعلق بحق الله في إخراج الزكاة ثم توزيع التركة على مستحقيها دون تأجيل أو مماطلة أو استغلال لبعض الورثة دون غيرهم خاصة إن كان المال يحتاج إلى تصفية.

  1. قال الله تعالى : ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴾ النساء / 12

مع بيان أصحاب الحقوق في التركة تكرر الكلام عن الوصية والدين لأنهم أيضا أصحاب حق وهم الحلقة الأضعف لأن علاقتهم بصاحب المال انتهت وانتقلت إلى ورثته فالتأكيد على إعطاء الحق لأصحاب زجر للنفوس المريضة التي يمكن أن تستولي على حقوق الغير .

ومع بيان الأنصبة بالتفصيل لا يمكن تأويلها بأي وجه من الوجوه ولا لسبب أو ظرف يتحجج به من يستولي عادة على حقوق الورثة خاصة الضعاف منهم فلا يجب التفريط بها تحت أي مبرر فقد بدأت الآية السابقة بقوله تعالى : (يوصيكم الله ) وانتهت الآية الثانية : ( وصية من الله ) وهذا دليل على الحرص على أداء حق الورثة وتأكيد على أن دستور الميراث في الاسلام قوانين كالعقد لا يجب أن تنفرط حباته وإلا أصبح الأمر فيه فرطا فتضيع الحقوق وتنتشر العداوة والبغضاء .

وتختم آيات الميراث في أوائل سورة النساء بقانون رباني واجب التنفيذ وهو التزام حدود الله من خلال قوله تعالى : ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ النساء / 13

  1. قال الله تعالى : ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ  وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ  فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ  وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ  يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا  وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ النساء / 176

وتختم سورة النساء بتفصيل واضح كيف تقسم التركة حين يكون المورث قد ترك مالا وليس له والد أو ولد فتبين الآية كيف أن الله تعالى لم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا ووضع لها حكما ولكل فرد نصيبه فرضا أو تعصيبا حتى لا يظل الناس وتطغى النفوس فتعمى البصائر فيقع الظلم بأكل أموال الضعاف من الورثة فهو سبحانه أعلم بالنفوس .

لقد جاء الاسلام في زمن كانت المجتمعات تموج بألوان شتى من الظلم ونهب الحقوق وأظهرها ضياع الحق في الميراث ، حيث وضع فلسفة خاصة لحفظ تلك الحقوق  و قوانين ضابطة للمال والعلاقات .

تبعات عدم توزيع التركة على العلاقات الأسرية :

لطالما كانت المرأة هي الحلقة الأضعف في الحقوق والواجبات وكثيرا ما يقع عليها الظلم فهي مكسورة القلب مهضومة الحق ، وكثيرا ما كان التمييز في التركة واضحا خاصة في الشرائع والقوانين الوضعية القديمة منها والحديثة ، ويضاف إلى المرأة أطراف أخرى من الضعاف خاصة الأطفال الأيتام فكان توزيع التركة يدور بين الإفراط والتفريط ، فبعض المجتمعات تجعل النصيب الأكبر للابن الأكبر مما يسبب العداوة والبغضاء لأن له وضع خاص ، وهناك من يصل به الأمر أن يكون له الحظ الأوفر في إدارة التركة فلا يوزعها إلا بعد انقراض الورثة الأصليين ، وهذه الذهنية في النظر إلى الميراث مازالت سائدة سواء على مستوى المجتمعات المسلمة التي تجاهلت تلك القوانين الربانية أو على مستوى القوانين التي تتبعها بعض الدول الاسلامية والمستمدة من القوانين الغربية التي تستند بدورها إلى قوانين اليونان والرومان وهي أكثر المجتمعات التي قامت على الظلم وهضم الحقوق والتي تقوم عادة إما على التسوية المطلقة بين الذكور والإناث دون مراعاة لطرق الميراث ولا لأسبابه والبعض يجعل الابن البكر مقدم على إخوته .

وليس الهدف هنا هو عرض طرق توزيع التركة عند بعض المجتمعات غير الاسلامية بل لبيان أن الكثير من الأسر المسلمة تحرم أصحاب الحقوق من التركة فتمنع النساء من الميراث بحكم التقاليد لأنها ستأخذ المال إلى زوجها وهو شخص غريب عن الأسرة وكثيرا ما كان سببا في نشر الظلم وقطيعة الرحم والنزاعات العائلية.

فهناك من يلجأ إلى التزوير حتى يستولي على حق الآخرين خاصة منهم النساء لأن الكثير منهن يجهلن حقهن في الميراث ، فأكثر هؤلاء النسوة ممن يهضم حقهن في الميراث هن إما الأخوات أو زوجة الأب ، بل إن البعض يتنازل عن هذا الحق خوفا من قطيعة الرحم أو رضوخا للتهديدات ، خاصة إن تعلق الأمر بالأراضي والعقار والمال غير المنقول .

حتى أن البعض وخوفا من تبعات توزيع التركة قد يوزعها في حياته فيهب لورثته أنصبتهم بحق وغير حق كالذي عنده ورثة نساء وخوفا من مشاركة الإخوة في التركة فإنه يكتب ممتلكاته لبناته قبل وفاته حتى لا يزاحمهن أحد في التركة .

وفي بعض الحالات يرى الإخوة الذكور بأنهم الأحق بالتركة من غيرهم لأنهم هم من قام بالاستثمار في المال وتوسيع الممتلكات فيحز في أنفسهم أن يأتي من يقاسمهم ثمرة جهودهم ، وكما يلجأ البعض إلى التزوير هناك من يلجأ إلى جعل التركة حبوسا أو وقفا لا تباع ولا تشترى وتستغل من طرف فئة يعينها دون غيرها .

والحقيقة أن لهذه التصرفات في عدم توزيع التركة تبعات سلبية قد يتجرع مرارتها أجيال متتابعة ومنها قطيعة الرحم وانتشار العقوق بأنواعه عقوق الوالدين وعقوق الأهل وتكثر النزاعات التي تنتهي عادة في المحاكم حيث تباع الممتلكات في المزاد العلني وفي مرات كثيرة تهضم الحقوق في صمت لأن أهلها ضعاف لا يقدرون على استرجاع حقوقهم وبعضهم يتنازل حياء وقد تصل هذه النزاعات الى حد ارتكاب جرائم حتى في حق أحد الوالدين حين يغيب العدل في توزيع التركة .

والحقيقة أن سبب هذا الظلم والاعتداء على الحقوق ماهو إلا جشع وتسلط عند غياب الفهم الصحيح لفلسفة المال في الاسلام ، وعندما تطمس معالم البصيرة يصبح الانسان كالوحش الكاسر ظالما مبررا لظلمه .

فلسفة المال في الاسلام :

المال في الاسلام أمانة والمتصرف فيه لابد أن يكون أهلا لذلك قال الله تعالى : ﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ النساء / 5

وهو من الكليات الخمس التي يجب الحفاظ عليها وأحد الأركان الخمس ممثلا في الزكاة وليس كما يعتقد البعض بأنه وسخ الدنيا فظاهرة تنجيس المال جعلت البعض لا يطلب حقه خاصة إن تعلق الامر بالتركة وتبعاتها .

المال في الاسلام نحن مستخلفون فيه فهو أمانة يجب حفظها ، قال الله تعالى : ﴿ آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ الحديد / 07

ومنه واجب إقامة مصالح الناس في الأموال والتصرف وفق أحكام مالك المال صاحب الوديعة التي استخلف فيها الانسان الذي لا يجب أن يمارس الحرية المطلقة في التصرف في الأموال حتى وإن كان هو من عمل على كسبها فأباح الله تعالى امتلاك الأموال والتمتع بها ولكن وفق أحكام الاستخلاف فيها .

قال الله تعالى : ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ آل عمران / 14

فشهوة المال أكثر ما يجعل الانسان يغفل عن الحق لأنها السبيل للمتعة وقد جبل الانسان عليها ومن متع الدنيا التمتع بالنساء والبنين والذهب والفضة وكل متعة تصرف عليها أموال وعند تضخم الأنا فإنه يتجاوز الحدود إلى السيطرة والظلم والاستيلاء على الحقوق وأكل أموال الناس بالباطل والتي منها الاستيلاء على التركات .

لذلك فإن من فلسفة المال في الاسلام البذل والعطاء فإن في ذلك شفاء للنفوس من الشح والبخل والأنانية وتفعيل لفطرة العطاء لذلك نجد البذل من خلال الزكاة ركن ركين في الاسلام لأن المتعة والامتاع مقيد بعدم الاعتداء قال الله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ المائدة / 87

وإن تجاوز حدود المتعة المباحة أصبح فتنة حيث يقول المولى عز وجل : ﴿ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ۚ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ التغابن / 15

حيث يكون كذلك إن سببا في الاحتكار والظلم والتنازع بدلا من دفع المظالم والاستخلاف فيه لأنه وديعة وأمانة ووسيلة لممارسة التعبد من خلاله بصرفه حيث يجب .

وقال أحد الشعراء :

إن الدراهم في المواطن كلها تكسو الرجال مهابة وجلالا

فهي اللسان لمن أراد فصاحة وهي السلاح لمن أراد قتالاً

وختاما فإن الحفاظ على الحقوق المالية المتعلقة بالتركة يستدعي معرفة علم الفرائض وتعلمها وتعليمها لأن من أسباب الاستيلاء على حقوق الورثة الجهل بها ، ومن أسباب هضم الحقوق البعد عن الاستقامة وهذا يستوجب التزكية والأخلاق بل من حسن إسلام المرء معرفة أمور دينه ومنها المقاصد والكليات وبالتالي معرفة مكانة المال وارتباطه بسلامة العقيدة لأنه شهوة وزينة وأداة للمتعة ولكنه أيضا وسيلة لحفظ كرامة الإنسان إن تعاملنا معه على أنه وسيلة وليس هدفا وأن الانسان مستخلف فيه ومستأمن عليه فلا يعتدي على حق الغير ويحافظ على حقه فلا يتركه لا حياء ولا خوفا .

توزيع التركة أمانة وحق للميت على الحي وتبعات عدم توزيعها تؤثر على العلاقات الأسرية حيث تضيع الحقوق ويسود الظلم وتنتشر العداوة والبغضاء وتقطع الأرحام ، وكثير هؤلاء الذين يتمرغون في أموال غيرهم من الورثة وتجدهم لا يتركون فرضا ولا نفلا إلا  لكنهم يغمطون حق غيرهم ويأكلون المال بالباطل دون وجه حق ولا سبيل لترك هذه الكبيرة لما فيها من ظلم وجحود إلا تقوى الله وفي ذلك يقول تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ الحشر / 18

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page