حصريا

المقاصد الاجتماعية في القرآن الكريم – مقصد العدل – د. إيمان سلاوي –

0 613

المقاصد الاجتماعية في القرآن الكريم

– مقصد العدل –

دة. إيمان سلاوي

من المقاصد العظيمة التي أولاها القرآن الكريم مكانة خاصة مقصد العدل، وقد حالت بين الفكر الإسلامي وبين تجلية قيمة العدل وتعزيزها في وعي الناس تداعيات واقع الاستبداد الذي تتالى في تاريخ الأمة، ونتج عنه من الرعب والخوف ما منع النخبة العالمة من الجهر بذلك أو التنصيص عليه تصريحا أو تلميحا مخافة الاتهام والتعرض للعقاب سرا أو علنا، وما محنة الإمام أحمد ابن حنبل، والإمام مالك، والعز بن عبد السلام، والحسن البصري… وغيرهم كثير إلا دليلا على ذلك، وأما في فترات هوان الأمة فحدث ولا حرج عما يؤكد ذلك مما كشف، وأعظم منه ما خفي.

وقد أردت من خلال هذا المقال أن أجدد النظر في مكانة مقصد العدل كواحد من أهم المقاصد الاجتماعية في القرآن الكريم، لحاجتنا إليه اليوم أكثر من أي وقت مضى، أمة وأفرادا، إن أردنا تقديم ديننا بالوجه الحقيقي الذي يتطلع له الناس اليوم في كل بقاع الأرض.

فقد ورد ذكر هذا المقصد في أكثر من 226 موضعا في القرآن الكريم، وورد باعتباره غاية من غايات بعثة الرسل، فقال تعالى: (ولقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط) [سورة الحديد الآية 25]، وأشار إلى أهميته ضمن المقاصد القرآنية الكثير من علماء الأمة، نذكر منهم: ابن تيمية، وابن القيم، والشاطبي، والأصفهاني، والماوردي… يقول الماوردي في فضل العدل: “اعلم أن ما به تصلح الدنيا حتى تصير أحوالها منتظمة، وأمورها ملتئمة، ستة أمور: دين متبع، سلطان قاهر، أمن شامل ، خصب دائم، أمل فسيح…”، وذكر منها العدل الشامل فقال: “فهو أي العدل يدعو إلى الألفة، ويبعث على الطاعة، ويكثر به النسل، ويامن به السلطان”[1] ، هكذا بدا التصور واضحا لأئمة الأمة في مكانة العدل ضمن قيم النهوض والارتقاء بالأمة، وقد بين أئمة الأمة امتدادات مفهوم العدل من المعتقد إلى كل سلوكات الفرد المسلم، ومن العدل مع النفس إلى العدل مع الرعية والناس جميعا، فالعدل يبدأ بأرقى وأعلى مستويات العدل وهو التوحيد، ثم يتدنى العدل إلى عدل الإمام، ثم إلى عدل القاضي، ثم إلى عدل الزوج… حتى يصل إلى أهمية إدخال الميامن والمياسر في الأحذية والأثواب، قال صلى الله عليه و سلم: “إذا انْتَعَلَ أحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ باليُمْنَى، وإذا خَلَعَ فَلْيَبْدَأْ بالشِّمالِ، ولْيُنْعِلْهُما جَمِيعًا، أوْ لِيَخْلَعْهُما جَمِيعًا”[2]، وقد ذكر ابن خلدون في كتاب المقدمة عبارته الشهيرة: “الظلم مؤذن بخراب العمران” و قارن بين أثر الظلم في إفساد النوع البشري وانقطاعه، وبين أثر الزنا في إفساد النوع البشري وانقطاعه، وهذه الإشارة بليغة وأدعى للالتقاط، لتصويب ما ساد في الفكر الإسلامي من تنبيه على خطورة الزنا، في الوقت الذي نحتاج إلى التنبيه إلى خطورة كل ما من شأنه إفساد النوع البشري، وعلى رأسه كل أنواع الظلم والجور حكما وقولا وفعلا.

لقد تنبه علماء الأمة وأئمتها إلى هذا الشمول في مفهوم العدل الذي ينسجم مع جعل العدل غاية من غايات إرسال الرسل:

  • فخروج الناس عن العقيدة الصحيحة هو ظلم وعدم إنصاف: ظلم للنفس بعدم الحكم بما يقتضيه المنطق والعقل السليم، قال تعالى: (وكأي من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون) [سورة يوسف الآية 105].
  • وعدم اعترافهم بالبعث والحساب ظلم وانحراف عن مقتضيات القسط: قال تعالى: (أفنجعل المسلمين كالمجرمين مالكم كيف تحكمون) [سورة الصافات الآية 154].
  • ومن العدلِ العدلُ مع النفس وأداء حقوقها وردها عن غيها: قال تعالى: (وأما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا) [الكهف 87].
  • ومن العدل مع الغير أورد الماوردي تصنيفا شاملا مستوعبا فتحدث عن عدل الإنسان فيمن هم دونه (الأضعف منه)، عدل الإنسان مع من هم فوقه (الأئمة وأصحاب السلطان)، وعدل الإنسان مع الأكفاء (الأقران ويكون ذلك بمجانبة الإذلال وكف الأذى).
  • ومن العدل مع المقربين: عدل المؤمن في بيته، ومن ذلك إنصاف الزوج لزوجته والعكس صحيح، ولذلك وردت آيات كثيرة في بيان حقوق الزوجين حماية لهذا المجال المهم من مظاهر الظلم والجور، والظلم الأسري من القضايا التي تحتاج منا إلى تفصيل وبيان خاصة في ظل التغيرات والتحولات الاجتماعية الكبيرة التي أحاطت بالأسر وبوضعية كل من الزوج والزوجة.
  • ومن العدل نبذ التمييز بين الأولاد: ففي الحديث: “أَعْطَانِي أبِي عَطِيَّةً، فَقالَتْ عَمْرَةُ بنْتُ رَوَاحَةَ: لا أرْضَى حتَّى تُشْهِدَ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأتَى رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقالَ: إنِّي أعْطَيْتُ ابْنِي مِن عَمْرَةَ بنْتِ رَوَاحَةَ عَطِيَّةً، فأمَرَتْنِي أنْ أُشْهِدَكَ يا رَسولَ اللَّهِ، قالَ: أعْطَيْتَ سَائِرَ ولَدِكَ مِثْلَ هذا؟ قالَ: لَا، قالَ: فَاتَّقُوا اللَّهَ واعْدِلُوا بيْنَ أوْلَادِكُمْ، قالَ: فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ”[3].
  • ومن العدل المطلوب: العدل مع الآخر المختلف، قال تعالى: (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما) [آل عمران 75].
  • بل حتى الخصوم دعانا القرآن لإنصافهم: قال تعالى: (ولا يجرمنكم شنآن قوم ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) [المائدة 2].

وما الدعوة إلى العدل في القضاء إلا دعوة شاملة للإنصاف في كل القضايا المفتوحة على إصدار حكم شخصي، أو في الفصل بين المنازعات، أو في المواضيع التي تتجاذبها التيارات والآراء… قال تعالى: (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) [النساء 58].

الخلاصة أن مقصد العدل من المقاصد المركزية في شريعتنا، والحاجة ماسة لرد الاعتبار لدوره في توجيه دفة الأمة نحو الارتقاء المطلوب، والنصوص في فضله عديدة ومتنوعة؛ فعدل الإمام من أسباب جعل دعائه مستجابا، وواحدة من ثلاث منجيات يوم الدين منها العدل في الغضب والرضا، وممن يحظون بأن يكونوا في ظل عرش الرحمان يوم العرض إمام عادل، والمقسطون على منابر من نور يوم القيامة.

فهل تملك أمتنا الجرأة لتعيد النظر في مدى تمثلها لقيمة العدل والإنصاف في علاقتها بربها، وذاتها، ومع غيرها لتبدأ رحلة تصحيح المسار على بصيرة ووعي؟

[1] – من كتاب أدب الدنيا والدين، للإمام الماوردي: ج1 ص 161.

[2] – رواه مسلم.

[3] – رواه البخاري.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page