حصريا

أثر الذكاء الوجداني في صناعة السكينة وبناء المودة والرحمة في الأسرة -د. علياء العظم- الأردن-

0 446

بسم الله الرحمن الرحيم

أثر الذكاء الوجداني

في صناعة السكينة وبناء المودة والرحمة في الأسرة

أرادها الله منبعاً للسكن ومحلاً للمودة والرحمة، ومنطلقاً لإعمار الحياة وبنائها، وجعلها كثير من الناس منبعاً للشقاء، ومحلاً للنزاع الشقاق، وعائقاً شاغلاً عن الانطلاق في مسارات الحياة وبنائها، …. إنها الأسرة !!!!

في دراسة أجريت من قبل نخبة من المختصين، حول المشكلات الأسرية وكيفية التعامل معها، ضمنت في كتاب “دليل الإرشاد الأسري- 2019” ، تبين أن المشكلة الأولى التي تعصف بالأسرة هي العصبية والعنف، وفي دراسة أخرى أدرجت في كتاب سيكولوجية المشكلات الأسرية، 2014؛ تبين أن المشكلات النفسية والانفعالية تحتل مركزاً متقدماً في تفكيك الأسرة، وفي دراسة أعدتها دائرة الإفتاء الأردنية رصدت فيها الأسباب التي أدت إلى الطلاق خلال الأشهر الخمسة الأخيرة من عام 2014 شملت (2315) حالة طلاق ، تبين أن عدم التسامح وإظهار اللطف والمودة بين الزوجين، جاء في المرتبة الثانية بعد تهديد الزوج لزوجته بالطلاق.

عندما تحدثت أمنا عائشة رضي الله عنها لزوجها رسول الله ﷺ عن قصة أبي زرع وزوجته، قال: ((كنت لك كأبي زرعٍ في الأُلفة والوِفاق، لا في الفُرقة والخلاء)) (صحيح البخاري، 5189)، وإن موقفه ﷺ يشكل مدخلاً لبيان أهمية الذكاء الوجداني في صيانة الأسرة.

فما المقصود بالذكاء الوجداني؟ وكيف يصون الأسرة؟ وكيف يساعد في تحقيق مقاصدها؟

أولاً – مفهوم الذكاء الوجداني

يقصد بمفهوم الذكاء الوجداني القدرة على إدراك الانفعالات بدقة، وتقييمها، والتعبير عنها، والقدرة على توليد الانفعالات، أو الوصول إليها عندما تُيسر عملية التفكير، والقدرة على فهم الانفعال والمعرفة الوجدانية، والقدرة على تنظيم الانفعالات بما يعزز النمو الوجداني والعقلي، (ماير وسالوفي نقلا عن عثمان الخضر 2006م، ص 24).

يُعدّ الذكاء الوجداني من أهم أنواع الذكاءات، بل يُعدّ الذكاء اللازم وجوده عند كل الناس، مهما كانت أنماطهم، نظراً لحاجتهم له في كل مجالات الحياة عموماً، والأسرة خصوصاً، وبحسب تعريف (ماير وسالوفي 1999) نجد أنه يربط بين التفكير وبين الانفعالات، فكل منها تؤثر على الآخر، ويركز على القدرة على إدراك وتنظيم الانفعالات، والتفكير فيها. (عثمان الخضر 2006).

ثانياً – كيف يساعد الذكاء الوجداني في تحقيق مقاصد الأسرة:

لعل خير مثال يبين دور الذكاء الوجداني في تحقيق مقاصد الأسرة هو استلهام مواقف تطبيقية من البيت النبوي، يبين طريقة إدارة الانفعالات في مواقف أسرية شخصية، الموقف الأول سنقف معه عند دور الزوجة، وأما الثاني فسيكون عند دور الزوج.

أما الزوجة في الموقف الأول فهي أم سلمة رضي الله عنها بعد صلح الحديبية، حيث ورد في رواية البخاري عن المسور رضي الله عنه: “قال رسول الله ﷺ لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا، قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة، فقال لها: «هلك المسلمون ، أمرتهم أن ينحروا ويحلقوا فلم يفعلوا» . وفي رواية : «ألا ترين إلى الناس آمرهم بالأمر فلا يفعلونه» .، فقالت أم سلمة: يا نبي الله، أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة، حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك؛ نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا، فنحروا.

يلاحظ أنها أدركت الانفعال الذي انتاب زوجها عليه الصلاة والسلام وهو الحزن، وأدركت دافعه وهو خوفه على أصحابه من قوله: (هلك الناس)، لعدم طاعته من قوله: «ألا ترين إلى الناس آمرهم بالأمر فلا يفعلونه”، فنطقت بما يخرجه من حزنه بقولها: أتحب ذلك؟ ثم أدركت كيف توظف ذلك الانفعال بفعل يخرج النبي ﷺ من حالته تلك، حيث أشارت بمشورتها العاقلة بأن يبادر بما يريدهم فعله، وكان ما اشارت به.

أما دور الزوج، الذي هو نبينا ﷺ، فقد أخرج البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة (إناء) فيها طعام، فَضَرَبَتِ التي النَّبِيُّ ﷺ فِى بَيْتِهَا يَدَ الْخَادِم، فسقطت الصحفة فانفلقت، فجمع النبي ﷺ فِلَقَ الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة ويقول: غارت أمكم، ثم حبس الخادم حتى أُتِيَ بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كُسِرَت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كَسَرت)

نلاحظ في الموقف النبوي الأمور التالية:

1- فهم دوافع الانفعال الظاهر وهي الغيرة.

2- الرحمة بالطرف المنفعل وعدم تأنيبه.

3- استخدام مفردات محددة في التعبير عن الانفعال (غارت).

4- معالجة الموقف بحكمة أمام الضيوف، ورفع الحرج من الموقف، واستمالتهم بعبارة (أمكم).

5- معالجة خسائر الموقف بهدوء، تعويض من خسرت الصحفة.

وبناء عليه … كم نحتاج من الزوجات والأزواج تعلم مهارات الذكاء الوجداني، يعني تفهم انفعالات الطرف الآخر، بمعنى (المعرفة الانفعالية)، ثم تفهم دوافعها وأسبابها، بمعنى (التعاطف)، ثم امتلاك القدرة على توظيف الانفعالات وتوليدها، بمعنى (التوظيف)، وأخيراً القدرة على إدارة الانفعالات، وبالطبع دون إغفال العوامل الأخرى التي تؤثر في صحة الأسرة، وكم نأمل بعد ذلك أسراً رحيمة، تجللها السكينة، وتدفعها للقيام بدورها في عمران الأرض وتحقيق الاستخلاف.

د. علياء العظم

25/10/2024

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page