حصريا

التواصل الأسري من منظور قرآني -د.حفيظة ربيع- الجزائر –

0 1٬085

التواصل الأسري من منظور قرآني

 

عظّم الله تعالى الكيان الأسري في القرآن، وأصّل له القواعد والأحكام؛ قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا ۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا}[1]، ولو تأملنا المفهوم الشرعي للأسرة في الإسلام نجده يقوم على أساس التواصل والرابطة القائمة على الزواج الشرعي، الملتزمة بالحقوق والواجبات، المنتجة للذرية، والمتصلة بالأقارب، لذلك القرآن يرسم منهجا للأسرة المسلمة حتى تتحد مفاهيمها وتوجهاتها سواء حال الاتفاق أو الاختلاف، والمساحة التشريعية التي أولاها الله تعالى للأسرة أوسع بكثير من غيرها، كأحكام الميراث والوصية، وأحكام الزواج والطلاق، وأحكام الحضانة والنفقات، وبيان حقوق الوالدين والأبناء، وتعظيم حقوق الأرحام والأيتام، وذلك من أجل تحقيق التوازن في الأسرة والحفاظ على أواصر القرابة بين أفرادها وتأمينها مما قد يشوبها من قطيعة أو هجر أو خلاف، فالشريعة الإسلامية حرصت على تعزيز الروابط الأسرية وتقويتها، وأحاطتها بقدسية، وتجلّت في القرآن مقومات التواصل الأسري السليم، أبرزها في هذه الأسطر من خلال مقتضيين اثنين:

مقتضى العبودية: فالأسرة بوصفها نموذجا للإصلاح والبناء تتمركز أحكامها الشرعية على مقتضى العبودية، وتجمعها رابطة العقيدة والتوحيد قبل رابطة الدّم أو النسب؛ فهي أقوى الروابط وأنفعها وأصلحها.

والعبودية وصية إبراهيم عليه السلام لبنيه: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}[2]، وخلّفها يعقوب عليه السلام في ذريّته: {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون}[3]، ولمّا انحرف ابن نوح عن مقتضى العبودية، استثناه الله من مسمى الأهلية {قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}[4].

واقترن البرّ في القرآن الكريم بالتوحيد والشكر لله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ}[5]، والبرّ أعظم منازل التواصل الأسري الذي أمر به المولى سبحانه وتعالى، والمتأمل في وصايا لقمان الحكيم التي تمثل نموذجا قرآنيا فريدا في التواصل الأسري السليم: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}[6]، يجدها  قد اشتملت على تأسيس العقيدة وأصول الدين، واعتنت بصلاح السرائر والظواهر، وراعت أسلوب الوعظ واللين، فرسمت بذلك منهجا متكاملا يستوعب جوانب الشخصية السوية التي يجتمع لها صلاح الدنيا والدين ، وأسست لدعائم البرّ، وأقامت ركائز التواصل السليم، وهذا الذي تهدف إليه منظومة القيم الأسرية في القرآن الكريم، لو التزمتها الأسرة المسلمة لتحصّنت أينما كانت وحيثما وجدت، ولكفتها عناء الشقاق والفراق.

فالتواصل السليم وفق المنهج القويم الذي ارتضاه رب العالمين يحقق السكينة والمودة والرحمة في الأسرة، ويحقق الأمن والاستقرار لأفرادها: { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }[7].

مقتضى الاستخلاف:

استخلف الله الإنسان في الأرض ليقوم بعمارة هذا الكون وفقا للمنهج الإلهي: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ}[8]، والأسرة المسلمة هي الحاضنة لمشروع الاستخلاف في الأرض، والراعية له في مراحله الأولى، فهي المسؤولة عن إنشاء أفراد يحملون همّ هذه الامّة ويرعون أمانة الاستخلاف بجدية ووعي، وقد ارتبطت أحكام الأسرة ارتباطاً وثيقا بمشروع الاستخلاف وإعمار الأرض بما يصلحها، فمن أعظم مقاصد العلاقة الزوجية إنجاب البنين والحفدة من أجل الحفاظ على النوع البشري، ودوام بقائه واستمراره، ولا يمكن لهذه المهمّة أن تكتمل دون تشابكها في إطار أواصر القرابة والرحم والنسب، من أجل ذلك خاطب النّص القرآني الزوجين بوصفهما مكلفين بأدوار اجتماعية مهمّة في إطار محيط القرابة، باعتبارهما جزءا من الأمّة، لا تنحصر مسؤوليتهما في حدود الأسرة الضيّقة.

والوقائع الواردة في سيرة النبيّ صلى الله عليه وسلم جاءت لتؤكد أهمية التواصل الاجتماعي في حياة الأسرة المسلمة في مراحل متقدّمة من البعثة، ولو تأملنا الكلمات العظيمة التي ثبّتت بها أم المؤمنين خديجة قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم لماّ عاد مرتجفا من أمر الوحي وقد أصابه من الروع ما أصابه؛ يقول صلى الله عليه وسلم: “لقد خشيتُ على نفسي، قالت: كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق“.[9]

فهذه جملة من العبادات الاجتماعية حملها النبي صلى الله عليه وسلّم على عاتقه، أهّلته ليكون سيدا في قومه عظيما عند ربّه، سردتها أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها لتهدئ من روعه، وتخفّف من محنته، فلن يخزي الله من كان هذا شأنه مع من حوله، ومن كان واصلا لرحمه، وقد باشر بدعوته أقرب الناس إليه، حتى إنه قيل: إنه ليس في بطون قريش أحد إلا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم، فيه قرابة، وما سألهم مقابل ذلك إلا مراعاة حقّ هذه الصلة والقرابة: {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)[10]، وذلك أقصى ما طلب من قومه؛ مكافأة على ما جاءهم به من هدي وبيان.

وغيرها من النصوص التي تحمل في طياتها دعوة إلى التواصل الأسري الفعال المثمر والمؤثر في المجتمع، فالأسرة هي محور البناء الاجتماعي، والعلاقات الاسرية تقوم على الفضل لا العدل، لذلك حثّ النبي -صلى الله عليه وسلم على صلة الأرحام ولو كانت من جانب واحد فقط، وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- عن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: (ليسَ الواصِلُ بالمُكافِئِ، ولَكِنِ الواصِلُ الذي إذا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وصَلَها)[11]، فصِلَةُ الرَّحِم الكاملة شَرْعًا أنْ تَصِلَ مَن قَطَعَك منهم، وتَعفوَ عمَّن ظَلمك، وتعطي من حرمك، وليست صِلَة المقابلة والمجازاة؛ حتى لا تكون الصلّة معاوضة ومبادلة، والمسلم صاحب رسالة، وعلى عاتقه أمانة حفظ هذا المجتمع من الصدع، وهمّه أكبر من وصل من وصله مكافئا مكتفيا.

وعند استقراء الأحكام الشرعية المتعلّقة بالأسرة يتبيّن أنّ مقصد أن تكون الأسرة بها شاهدة على الناس بما تظهر من دين تبلّغه إليهم تبليغا عمليا بسيرتها وتصرّفاتها وسعادتها ونجاحها هو مقصد مهمّ من مقاصد تلك الأحكام[12].

إنّ هذا البعد الرسالي في البناء الأسري يرقى بالأسرة لتحقق أعظم المقاصد الأسرية وأرقى المطالب الكونية، فالتواصل الأسري الفعاّل هو ما كان وفق هذا المنهج الرّباني العظيم الذي اتضحت معالمه من خلال تعزيز مقتضى العبودية بين أفراد الأسرة وتحقيق البعد الرسالي الذي يلازم الأسرة المسلمة حيثما كانت وأينما وجدت، وبرعايتها لهذه المقومات العظيمة تحفظ هوية أفرادها في كونهم أصحاب رسالة مضمونها وغايتها تحقيق العبادة لله وإعمار الأرض وهداية الانسان.

 

 

[1]  الإنسان 28

[2]  البقرة 130-132

[3]  البقرة 133

[4]  هود   46

[5]  لقمان 14.

[6]  لقمان 13.

[7] الرّوم 21.

[8]  هود 61.

[9] أخرجه مسلم: باب بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

[10] الشورى 24.

[11] أخرجه البخاري. باب ليس الواصل بالمكافئ.

[12] أ. د / عبد المجيد النجار. مقاصد الشريعة في أحـــكام الأســــرة توجيها لأحكام الأسرة المسلمة في الغرب. ص: 19.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page