العلاقة بين الرجل والمرأة من منظور محمد الغزالي
الشريف حبيلة، جامعة الأخوين منتوري
يقدم الغزالي في كتاب (خطب الشيخ محمد الغزالي في شؤون الدين والحياة) قضية أساسية هي علاقة الرجل بالمرأة، تتفرع عنها قضيتان:
علاقة بدون زواج يمثلها الكاتب الفرنسي جون بول سارتر وصديقته سيمون دي بوفوار، وهما عشيقان يدعوان إلى الحرية الجنسية. والفنان التشكيلي بيكاسو الذي لا يؤمن بالزواج، وكذلك التدين المسيحي (الرهبنة) الرافض لسنة الزواج.
ويتوجه الغزالي بخطابه إلى جمهور المسلمين وما يحمله من مرجعية ثقافية تحدد هويته، فيركز على قيمتين: الأولى رفض العلاقة بين الرجل والمرأة بالزواج، والثانية قبول العلاقة بالزواج وفق تعاليم الإسلام. ويكمن خلفهما عامل عقدي هدفه الانتصار لرأي (الغزالي) المؤسس على القرآن، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو ما يلخصه قول الشيخ (والواقع أيضا أن الإسلام كان دينا منصفا عندما احترم الروح والجسد معا…).
هذه الخلفية العقدية القائمة على سلطة النص وقدسيته، تجعل الخطاب موجها إلى المتلقين لتقنعهم أولا لدى المؤمنين بهذا الدين، وثانيا الإذعان له والعمل به. وثانيا يحقق الاقتناع الذاتي لدى المثقفين، يسلم به كل ذي عقل، هدفه العام استبدال الأنساق المستعارة من الغرب (علاقة غير طبيعية) بنسق آخر (علاقة طبيعية بالزواج).
كما يقيم الغزالي خطابه على مبدأ الحوار، مستعملا الصيغة (أيها المسلمون)، فهو يتوجه بكلامه إلى جمهور المسلمين، يقيم بينه وبينهم علاقة تفاعل، حيث يقيم الحجة عليهم كونهم مسلمين وجب عليهم التزام تعاليم الإسلام، وهو هنا تجنب العلاقة غير الشرعية بين الذكر والأنثى إلا بالزواج، وفق ما تقتضيه شريعة هذا الدين، وترك ما تأتي به الثقافات الغريبة المختلفة عن قيم المجتمع المسلم، وتبيح العلاقة بين الرجل والمرأة بلا زواج، ويشير محددا موضوع الأداء، وهو تمثيل الكون الذي شرطه المعرفة (أدوا ما عليكم عن طريق المعرفة ومع الزمن سننتصر)، لأن النموذج الغربي الممثل للعلاقة بين الرجل والمرأة محسوب على المعرفة، فـ(سارتر) وصديقته (دي بوفوار) مفكران وكاتبان وفيلسوفان، يمثلان في تلك الحقبة موضة فكرية (الفلسفة الوجودية) و(بيكاسو) فنان تشكيلي، في وسط طلابي داخل الجامعة معقل العلم والمعرفة روادها شباب، يفتتن بكل ما هو جديد ذي شهرة، لذا فإنهم يوظفون في الترويج لأفكارهم المعرفة واعتبار دعوتهم من مظاهر التنوير، ونهج للحرية، ولا يمكن محاججتهم إلا عن طريق المعرفة، كما أن التمكين لتصور الإسلام عن علاقة الرجل والمرأة لا يكون إلا بالمعرفة، وهنا إشارة إلى دور العقل في تبليغ تعاليم الإسلام، وهو سند ومنطلق يتأسس عليه خطاب (الغزالي) في دعوته للإسلام والتزام تعاليمه والحفاظ عليه، فإذا تحقق شرط المعرفة، تحقق النصر.
والمضمر في كلام الغزالي هو أن الإيمان وحده لا يمكن المسلم من تمثل الإسلام، بل يحتاج المؤمن إلى المعرفة، وهي معادلة متى تحققت كان النصر، فلا يمكن إقناع الغير، شباب المسلمين رغم أنهم مسلمون بسلبيات العلاقات خارج إطار الزواج، خاصة ما نشهده من عادات دخيلة جعلت الصداقة بين الجنسين في المجتمعات المسلمة أمرا عاديا يروج لها الخطاب الإعلامي، بجميع برامجه حتى الإخبارية منها، دون أن يثير الاستهجان، إذن بالمعرفة يمكن توجيه هؤلاء إلى تعاليم الدين، ودحض دعوات المغرضين، من الغربيين وأتباعهم من النخب في بلاد المسلمين.
في المقابل هناك فلسفة روحية أنتجها التدين الخاطئ في الديانة المسيحية، تتمثل في الرهبنة التي ترفض الزواج، وتجعل من كبت الغريزة الجنسية طقسا دينيا، وهو ما يرفضه الإسلام كما قال (الغزالي) (والواقع أيضا أن الإسلام كان دينا منصفا عندما احترم الروح والجسد معا… فترك الغريزة الجنسية تأخذ مجراها في بيت الطاعة، وفي فراش الزوجية، ومنع ما وراء ذلك منعا صارما حاسما). مثل هذا التناقض في الثقافة الغربية، القائم بين طرفين متطرفين في موقفهما: الإغراق في العلاقة بلا ضوابط، أو قتلها بلا مسوغ، يجعل هذه القضية غير صحيحة لا تمثل الطبيعة البشرية تمثيلا صحيحا.
وما لاحظته، في خطاب (الغزالي)، أنه خطاب متكامل في الحديث عن العلاقة بين الرجل والمرأة، يقدمها كعنصر من عناصر التمكين للدين، وتمثله من طرف المسلمين كي يتحقق المجتمع الإسلامي، عكس بعض الخطابات التي تطرح العلاقة مقطوعة الصلة عن قضايا المجتمع الأخرى، بل هي إن صلحت أي العلاقة بالزواج وفق تعاليم الإسلام تكون سببا من أسباب النصر.
من هذا المنطلق نفهم ما يريد تحقيقه (الغزالي) هو أن خطاب الثقافة الغربية يدعو لعلاقة خارج رابطة الزواج، ومن ثم تفكيك الأسرة. وأن كل دعوة إلى علاقة خارج الزواج حرام في شريعة الإسلام. بالإضافة إلى أن خطاب الثقافة الغربية يريد أن يشيع الفساد في المجتمع المسلم، وتقويض تقاليد الإسلام. والأصل الذي يبني عليه (الغزالي) هذه الحقيقة القرآن والسنة وما يمثلانه للمسلمين، فيرسخ في عقيدتهم الإيمان بأن أي علاقة خارج إطار الزواج هي حرام، منافية لتعاليم وأعراف المجتمع المسلم، تهدد الأسرة وأخلاق المسلمين.
لقد قصد (الغزالي) إلى استخلاص منظومة قيمية على أساس الحلال والحرام، غربي/شرقي، تنتجها ثقافة الأيمان بالنص (القرآن والسنة)، وهي قيم تتأسس عليها قيم أخرى مثل الزواج، والأسرة، والمجتمع، تتفاعل لتنتج قيمة أكبر هي المجتمع الإسلامي.
وبالعودة إلى الصفات التي وصف بها (الغزالي) ممثلي الخطاب الغربي، فإن كل من يستمع إلى طروحاتهم فيما يخص علاقة الرجل بالمرأة يرفضها، خاصة إذا كان طرحها في بلاد مسلمة، وعلى مسامع مسلمين، يمثلون فئة الشباب المتعلم الذي يعرف كيف يقارن بين الخطابات الدخيلة على فكره، وتلك المنطقية المنسجمة مع الفطرة الإنسانية، والموافقة لمرجعيته الدينية، وثقافته الإسلامية، فيقتنع بطرح الإسلام لهذه العلاقة، ويذعن إليه، ليطبقه في علاقته بالجنس الآخر، وهو ما يصبوا خطاب (الغزالي) إلى تحقيقه. وإن الدعوة إلى نفي الزواج وإقامة علاقة جنسية خارجه، لا تكون كما قال الشيخ إلا من (صغير، وغد، لا يؤمن بدين الله، ولا يخجل بما يدعو إليه من فاحشة) لذلك (سود الله وجوههم).
ولا ينسى (الغزالي) توظيف سير بعض الشخصيات يوضح بها القضية في ذهن السامع، كسيرة (بيكاسو) مختزلا إياها في موته وإنجابه أطفالا من غير زواج، فتحضر القضية في ذهن الجمهور وتستنهض عواطفهم. وقد عمد (الغزالي) إلى هذه الحجة كي يبين زيف الدعوة إلى تقويض الزواج بدعوى التحرر، إذ قارن بين الخطاب الذي يتبنى هذه الدعوة، والإسلام الذي يحافظ على الزواج، موازنا بين الجسد والروح، مستندا في نفي الأولى وتثبيت الثانية إلى واقع المسلمين، وسياقهم الثقافي، وظروفهم الحياتية، وهي كلها عوامل لا تسمح بمثل هذه الممارسات، بمعنى أن الجنس في بلاد المسلمين له ضوابطه التي سنها الإسلام، في إطارها تنتظم العلاقة الجنسية، كما بين أن الجنس ليس غاية في حد ذاته، إنما غايته تتجاوز المتعة إلى بناء الأسرة التي بدورها وسيلة لغاية أكبر؛ وهي تمثيل الكون وتحقيق الاستخلاف تحقيقا صادقا وصحيحا.
إذا جمهور المسلمين هنا، يعتقدون كما يذكرهم (الغزالي) أن الزنا ليس حقا، بل سببا لتهديم الأسرة، وأن الذي لا يؤمن بالله يرتكب كل المحرمات، وكذلك الذي ينجب أطفالا بلا زواج فهو واقع في الزنا. وكلها أفعال يرفضها ويحرمها واقع ودين المسلمين، وهو ما حذر منه (الغزالي) في قوله (فإنني أخشى على تقاليد الإسلام من كثرة إلحاح الصغار على تجاهلها ومحوها)، وكذلك قوله (هذان الوغدان استطاعا في ظل مراكز القوة البائدة..أن يقتحما الجامعات عندنا وأن تداس التقاليد الإسلامية…)، وأيضا (لكن الإجهاز على التقاليد الإسلامية وطمس المثل العليا كان هدفا لبعض الناس، سود الله وجوههم).
يحذر(الغزالي) من تنازل المسلمين في مجتمعاتهم والسكوت عن جرأة البعض على تقاليد الإسلام، فيعم المنكر ويصبح أمرا عاديا، كما أشار إلى ذلك (ولكن هذا ينطلق بين الناس على أنه شيء عادي) لذا يريد منهم ألا يتبعوا سياسة التنازل عن قضايا تمس دينهم، وتمس بناءهم الاجتماعي كقضية الأسرة، التي يمهد لتفكيكها بتحرير الجنس من ضوابطه الشرعية، (أنا أريد من المسلمين أن يرمقوا هذا باحتقار). وتحذير (الغزالي) يتضمن تحذيرا آخر، يتمثل في العلاقة بين الجنسين خارج الزواج، التي وإن سكت عنها المجتمع تصبح كالعدوى تنتشر بين الشباب، وبالتالي إفساد المجتمع ككل.
و يقرن خطاب (الغزالي) الشخصيات التي استعان بها في نفي العلاقة الجنسية خارج الزواج بأعمالها، ومن ثم فإن مسار هؤلاء لا يستقيم، وبالتالي لا يمكن الأخذ عنهم، كأن نستعير منهم قانون الأسرة، أو نسمح مثلا لمثل هذه النخب المعادية لتقاليد الإسلام تشريع القوانين التي تنظم الأسرة.
يتضح أن (الغزالي) يتخذ الإسلام إطارا يطرح فيه قضية العلاقة بين الرجل والمرأة، مما يجعله مؤثرا في مجتمع دينه الإسلام، يمارس عليه سلطة روحية.فيؤسس هذه القضية على الدين والعقيدة الإسلامية متخذا من القرآن والسنة أصلا يقيس عليه القضية المطروحة، التي لا تكون إلا بالزواج كما أمر الإسلام، وكل علاقة خارج ذلك هي حرام، تهدد الأسرة والمجتمع.