حصريا

“تعليم التربية الاسلامية زمن الحرب” مَن يَبني من جديد-أ.ليلى نبيل كردي-سوريا-

0 927

“تعليم التّربية الإسلاميّة زمن الحَرب”

مَن يَبني من جديد ..

 

يدخل المُعلّم إلى ميدان تَحريره ويَعتلي منصّة الإحياء ليفهم طلّابه ومُستمعيه أنه ثمّة معلومة ما تُطرح لتَحفِر وتنهَض وتَبني ، وأن دخول هذا الميدان لن يكون كالخروج منه ..

مُخطئٌ من يظنّ أن أبناءنا وشبابنا أغبياء لا يفرّق الواحد منهم بين الغثّ والثّمين ، بين حالة الفراغ وحالة الامتلاء ، هم يعلمون ويفهمون بذائقة مجهريّة من يريد أن يعلّمهم بصدق وينهض بهم ، ومن يريد أن يلقّن ويوقّع حضوره بقلمٍ باهت خافت يحتّم على الرّائي أن يُدقّق فيه كثيراً هل من أثر يُذكَر ..

هدف المعلّم سيظهر جليّاً إن كان حاضراً غيرَ غائب ، ولن يسمح لرسالته أن تضيع ضمن السّياق الأكاديمي ، وهذا هو حال المعلومة الدينية والحصّة الشرعيّة عندما تتدخل نيّة ماكرة خبيثة تريد تهميش دورها وتكريس ثانويّتها مع بقية المواد والمناهج الدراسية ..وان تحتّم ذلك في حق كل معلّم يجب أن يكون مُؤهّلاً بالقدر المطلوب ضمن الظروف الطبيعية ؛ فما هو حجم المسؤولية المترتبة على المُعلّمين والمُصلحين في وقت غابت واضمحلت فيه أجواء تربية سويّة صحيّة عن جيلٍ ليس له ذنب في كل ما حدث ؟

 

* رباط على جبهة الإحياء ..

 

مأساة الحرب لها آثارها الدّامية على كافة المستويات لكن يُعنوِن  انحدارها فساد بيئة التّعليم ، فكان جهاد العلم وإعادة البناء واجبا مقدّسا ، هناك من يموت في سبيل الله فيدعى شهيدا، وهناك من يحيا في سبيل الله يتفقّد الثغور الإحيائيّة لنفسٍ واحدةٍ كادت أن تموت لموت الأمل والثقة والحماسة للعمل والبقاء ، لينالَ أجر وشرف إحياء الناس جميعاً فهو مشروع شهيد مادام يرابط في مكانه لن يتركه حتى يُبلّغ ولن يبرحَ حتى يَبلُغ ..

نضالٌ على جبهة الإحياء والبناء في ظلّ الفقر والجوع والخوف والتهجير وغياب المدارس ؛ تارةً بدمارها وتارةً بتحويلها لملاجئ تستوعب هؤلاء الذين خسروا بيوتهم في الحرب أو هربوا منها بحثاً عن سُبل الأمن في أدنى درجاته ، نضالٌ في سبيل النهضة بالبقيّة ليفهموا كيف عليهم ألا يفسدوا في الأرض ويسفكوا الدماء ، كيف عليهم أن يعيشوا أحراراً لا يرضى الواحد منهم بعبدٍ لله مثله أن يستعبده أو أن يحتلّ أرضه ودياره ، لذلك كان الجهل هو العدو الأكبر..

* فِصام عَميق  ..

 

قد يكون مفرزاً طبيعيّاً من مفرزات الحرب فصام فكري وأخلاقي عندما نريد التكلم بنهضة المؤسسة التعليمية في ظل الحرب وويلاتها على الشعوب ؛ ثم نسعى جاهدين لإيجاد بيئة يتلقى فيها العلم من قبل فئةٍ دون فئة وطبقة دون طبقة وحارة دون حارة ، فكيف ندّعي تربية الجيل ونحن نقدم التعليم الجيد في مدارس خاصة تحتاج رسوماً مالية عالية ، ومناهج تمتاز بالجودة والنّوعية ، والمدارس الحكومية المُتاحة لغالبية الناس يرسل إليها مُعلمين غير مؤهّلين وغير أكفّاء ، ولا يحظى فيها الطالب النازح واللاجئ بمعاملة إنسانية وأخلاقية كالتي يتلقّاها الطالب في مدرسة خاصة ..

لذلك يتطلب دافع البناء من جديد أن يتبلور ضمن رؤية متكاملة لكل عناصر الوهن والتخلف في المجتمع ، فالبيئة التعليمية وبالأخص – الدينية والشرعية – هي جزء من بيئة عامة وفرع منها ، يقول الدكتور عبد الكريم بكار ” النظام التعليمي ماهو إلا نظام فرعي يتنفس ويتغذى في فضاء بيئة شكلتها مجموعة النظم العقدية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية السائدة ، فإذا نزع من فضائه الخاص الذي تبلور فيه وزرع في فضاء آخر مغاير فإنه لا يؤدي الأداء المرجو منه ‘..

وهذا يتطلب أن تأخذ المهمة التربوية دورها الأكبر والأبرز فالمعلومة الدينية التي يقدمها المعلم لطلابه يجب أن تكون جُزءاً من خطته في تزكية كل جوانب شخصية الطالب ، الفكرية والأخلاقية والروحية ثم ترجمة كل ذلك لسوكيات وأعمال ونشاطات ، تنعكس على البيئة العامة بأكملها .

* طوعيّة البناء ..ضرورة مُلحّة ..

مع أولويّة حضور المعلّم القُدوة و المُربّي في تدريس المقرر الديني والشرعي ضمن هذه المرحلة الحسّاسة ، فلن يتمكن من تجاوز العامل المادي في زمن الحرب والضائقة الاقتصادية الناتجة عنها ، فهو منشغل بتدبير أمور معيشته ، وبالتالي يعتبر ارتقاؤه فوق حاجاته من أجل استمرار عملية التعليم والتربية لجيل ضائع تائه بمثابة رباط آخر في سبيل الله ، فرسالته كمعلم ومربي لا تُقوّم بالمال ، وإن كان المال سيهيّئ له سُبل تطوير الذات والتفرغ الأكبر لتثقيفها وتحقيق طموحاتها ، فعلى المعنيّين بذلك تقديم الدعم اللازم لهذا المُعلم إن كانوا يريدون مخرجاً آمناً من الأزمة الحاصلة ..

إن جودة التعليم في اليابان مثلاً تبرز في القدرة على اجتذاب أفضل العناصر ، وتظهر استطلاعات الرأي هناك الاحترام الكبير الذي يكنّه الشعب الياباني للمُعلّم ، ورواتب المعلمين تفوق رواتب المهندسين والصيادلة ولذا فإنه يتقدم لكل وظيفة شاغرة هناك خمسة من المعلّمين ، لكن في ظل الحروب لن يتقدم إلا من يريد أن يبني ويُرمّم أولاً ، ويكسب أجراً قد يكفيه أو لا يكفيه ثانياً ..

* محاور أساسية لانطلاقة راشدة ..

 

لن يعجز المُربّي والمُعلّم لمقرر التربية الإسلاميّة عن الفاعليّة والنوعيّة في تدريسه للمادة من خلال محاور أساسية يدخل من خلالها لكيان تلميذه فيشدّ عقله وقلبه لخطاب آمنٍ يُحييه ويبنيه من جديد  بعد أن عايش مشهد الخوف والجوع والحزن والفقد بحذافيره ..

أولا ..المحور الإنساني

والذي يتجلّى بترسيخ معاني الإنسانية والفطرة السويّة ، يجسّد معلم التربية الإسلامية ذلك سلوكيّاً  باحترامه لكل طالب بصفته إنسان مُكرّم ، يتعامل معه بصفته إنسان وليس كائناً آخر ، فالعدل والإحسان يُعنوِن جوهر العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان ، فلا يظلمه ولا يخذله ، وهذا الطالب هو إنسان بالدرجة الأولى ثم طالب علم ؛ فلا ينقص من احترامه له لأنه يقطن في الحي الفقير ، أو لأنه من طائفة أو من عائلة معينة ، أو إن كان لا يحب المادة من أصلها ، ولديه ظروف وأسباب معينة في زهده بالعلم والدراسة ، عندما نريد لهذا الطالب أن يكبر على فضيلة احترامه لنفسه واحترامه لغيره  مهما كان دينه وعرقه ولونه ، مالم يعتدى عليه ، فعلينا أن نحترفَ احترامه وقبوله هو أولاً كإنسان حُر مُختار يملك القدرة والإرادة .

 

ثانياً ..المحور الإيماني

 

يبرز هذا المحور بإدراكنا نحن بالدّرجة الأولى أسباب الأزمة وحالة التصحّر الإيماني ، والتي تكونت جذورها قبل الحرب وامتدت ، لنشهد بالنتيجة هشاشة العاطفة الإيمانية وتمحورها حول مظاهر طقوسية تقليدية لا علاقة لها بجوهر الإيمان ، لذلك فإن رحلة الإيمان مع تلك الورود اليافعة تبدأ من معرفة الله وحبّه وضخّ أنوار هذه المعرفة في النفوس العطشى والمتصحّرة ،  بذكر أسمائه وصفاته وعظيم قدرته وسعة رحمته ، ودلائل وجوده ، فالحب ضمن ثقافتهم هو أبعد ما يكون عن مفهومه الواسع والكبير ، ( حب الله ) ( حب الرسول ) ( حب الذات) ( حب العائلة ) ( حب الحياة ) ( حب الهدف والإنجاز ) وهم أحوج ما يكونون لتلك العاطفة النبيلة ، لتحصينها من يد عابثة تريد استغلالها أو توظيفها لخدمة   الشيطان والطغيان ..

 

ثالثاً ..المحور الإصلاحي

 

لصلاح لا ينفع دون إصلاح مقابل فساد يدعمه ويغذيه الإفساد ،  لذلك يشرح المعلم لتلاميذه مفهوم الخلافة في الأرض والغاية من الخلق ، ليخرج جيل يعرف الواحد منهم نفسه والغاية من وجوده مُستشعراً حب الله ورقابته في السر والعلن ، يقدر على التأثير ويستطيع بذلك الفهم تجاوز صعوباته ومشكلاته ..

 

رابعاً ..المحور السّنني ..

 

المتعلق ببناء قاعدة للتفكير العلمي المنطقي والسليم ،  فالعقل المُغلق والمُقلّد والخَوارقي هو عقل غير ملتزم بأي مبدأ سوى ماكان عليه الآباء والأجداد ، هو عقل يؤمن بالوهم والظن والخرافة ، غير مُؤهل لتبنّي القضايا العادلة الكبيرة ..

 

ثم باعتماد البراهين الصحيحة على المقولات والثقافة العامة ؛ وادراك القوانين الثابتة التي تُحتّم الحاق النتائج بمقدماتها ، كي يفهم الجيل تماماً معنى الأخذ الكامل بالأسباب وبذل الوسع كله ، وعدم تعليق الفشل على شماعة القدر وارادة الله عزوجل ..

 

* مناهج بأقفال وسلاسل ..

 

للإبقاء على النمط المُغلق ، وتعطيل الفعالية الشخصية، وتكريس الواقع المتخلف التقليدي السائد ؛ تُرافقها أنشطة تربوية تؤدي ذات المهمة وتمضي بالمتعلم على ذات الدرب ، فالمناهج مع أنشطتها تعمل على تسريب القيم والمعتقدات والعادات إلى الطلاب بشكل غير مباشر ، بما يسمى ” المِنهاج المُستتر ”

مصطلحٌ يُعتبر أوّل من استعمله العالم ‘ ايدجار فرايدنبرج’  في مؤتمر عقد في أواخر عقد الستينات من القرن العشرين ، يقوم على إخضاع الطلاب للمعلومة المذكورة في المنهاج خضوعا أعمى ، لا يقبل النقاش والحوار والنقد ، فحين يركز منهاج التاريخ مثلاً على الحكام دون العلماء أو الأغنياء دون الفقراء أو الرجال دون النساء ، فإن ذلك يوحي للطلاب من هو المهم الذي يجب على الجيل أن يبجله ويرهبه ..

 

فالقفل المُحكم على تجاوز كل ماهو تقليدي وموروث أحدث حالة من الشلل والوقوف المُثقل بسلاسلَ تحول دون مرونة العقل وقدرته على التفكير والإتيان بجديد ينفع الناس ويمكث في الأرض ..

 

بالمنهاج المُستتر على الطلاب تقبّل كل الأدوار التي قُررت لهم مُسبقاً ؛ وترويضهم على مفاهيم وأنماط سلوك يُراد لهم أن يحيوها في المستقبل ، حتى مفهوم الطالب عن نفسه وذاته حيث إن فشله في المنهاج الصعب أو غير المناسب يجعله يلقي اللوم على نفسه وتتشكل لديه صورة متدنية عن ذاته ، وفي المقابل فإن من يسهل المنهاج نجاحه يكون عن ذاته صورة عليا تجعله ينسب النجاح لقدرات متميزة فيه ..

 

لقد ساهمت مناهج التربية الإسلامية التقليدية باستبعاد ميدان الفقه الاجتماعي ، وميدان التسخير ‘ العلاقة بين الإنسان والكون ‘ والسير في الآفاق ، عن عقول الطلبة وبنائهم الشخصي ، وأسهَبت في تفصيل الفقه المتعلق بالشقّ الشّعائري دون الاجتماعي والكوني ، وألقت بهم في غيابات انتفاخٍ وهميّ لا يُسمن ولا يُغني من جوع..

 

* قاعدة أخيرة ..في فِقه المَخرَج ..

 

عند حدوث الأزمات المُجتمعيّة الكبرى ؛ لا بُدّ من تبلوُر حالة من الوعي الجَمعي بضرورة التغيير ، وبثّ الأمل في النفوس بأن هذا التغيير مُمكن وليس مُستحيلاً ، والمجال التعليمي التربوي بشكل عام ، والإسلامي بشكل خاص ؛ هو المجال الأبرز والأرحب للبناء والبدء من جديد ، لأنه غني بالفرص التغييريّة المُتاحة في البيت وخارجه ، وليس على الواحد منا كي يحظى بفرصة التغيير ضمن هذه الظروف الصّعبة والقاسية ويضع بصمته فيها  ؛ إلا أن يدرك مسؤوليته تجاه الوضع الراهن ، يُثابر بكلّ وُسعه الذي يؤمن أنه مُكلّفٌ فيه وقادرٌ على إحداث الفَرق نحو مَخرجٍ حضاريّ آمن .

 

بقلم

ليلى نبيل الكردي

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page