حصريا

جعل العصمة بيد المرأة في الفقه الإسلامي-د. منوبة برهاني-الجزائر-

1 8٬291

جعل العصمة بيد المرأة في الفقه الإسلامي

الدكتورة/ منوبة برهاني – كلية العلوم الإسلامية باتنة-

 

من المستجدات التي أثارت الكثير من الجدل في بعض الدول الإسلامية، جعل العصمة بيد المرأة، إذ أن هذا مخالف للأصول العامة، والمباديء الكلية للشريعة الإسلامية، التي نصت على أن حل عقد النكاح يكون بيد الرجل، وباستقراء فقه النكاح والطلاق نجد الفقهاء المتقدمين قد أشاروا إلى صورة مشابهة لجعل العصمة بيد المرأة؛ في موضعين، الأول: ضمن شروط عقد الزواج، والثاني: في حكم تفويض الزوج زوجته بأن يكون الطلاق بيدها.

وعليه أمكن تكييف مسألة كون العصمة بيد المرأة تحت ما ناسبها من النظر الفقهي، وعلى ضوء ذلك يتبيّن حكم المسألة تخريجا على أقوال أصحاب المذاهب الأربعة.

وقبل بحث موضوع العصمة بمعنى أنها إيقاع الطلاق بيد الزوجة، نشير أن هناك من فهم جعل العصمة بيدها لا يتوقف على إيقاع الطلاق فقط، بل أن تكون جميع التصرفات بين الزوجين تحت سيطرتها، فهي الآمرة الناهية، في كل ما يعرض في الحياة الأسرية، والزوج مجرد فرد كغيره من الأفراد لا يقدم ولا يؤخر… فهذا المفهوم ليس محل بحثنا؛ لأنه يعارض الفطرة والعقل والنص:[ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ] سورة النساء/ 34 .

نعود لموضوع عصمة المرأة؛ وهي أن يكون لها حق في طلاق نفسها بنفسها دون حاجة لزوجها، لكن هل هذا مجرد تفويض لا يبطل حق الزوج في طلاق نفس الزوجة بإرادته هو؟ أم أنه تفويض تم بالتراضي بين الزوجين يقع طلاقا، ولا يحق للزوج بعده أن يطلّق؟ وما أقوال الفقهاء في ذلك؟ وما أدلتهم؟ وما الآثار المترتبة على ذلك؟

هذا ما سأحاول الإجابة عنه في هذه العجالة، وعليه سرت في هذه الدراسة على الخطوات التالية:

أولا: اشتراط الزوجة في عقد الزواج  أن يكون الطلاق بيدها( أقوال الفقهاء- أدلتهم).

ثانيا: الآثار المترتبة على اشتراط أن يكون الطلاق بيد المرأة في عقد الزواج.

ثالثا: تفويض الزوج زوجته في إيقاع الطلاق بيدها ( أقوال الفقهاء- أدلتهم).

رابعا: الآثار المترتبة على تفويض الزوج زوجته في جعل الطلاق بيدها.

أولا: اشتراط الزوجة في عقد الزواج أن يكون الطلاق بيدها

يجوز أن تشترط المرأة في عقد النكاح، وقبل الدخول بها أن يكون الطلاق بيدها، وهذه أقوال الفقهاء في المسألة:

1/ ورد عند الحنفية:” من الشروط الصحيحة عندنا؛ لو تزوجها على أن أمرها بيدها، صحّ”[1]. فهم يقولون بجواز ذلك الشرط إذا ابتدأت به المرأة، فقالت: زوّجت نفسي منك على أن يكون أمري بيدي، أطلّق نفسي كلما شئت، فقال الزوج: قبلت. ويكون أمرها بيدها. أما لو بدأ الزوج فقال: تزوجتك على أن أمرك بيدك، فإنه يصح النكاح، ولا يكون أمرها بيدها؛ لأن التفويض وقع قبل الزواج، قال ابن عابدين الحنفي:” وَإِنْ ابْتَدَأَتْ الْمَرْأَةُ، فَقَالَتْ: زَوَّجْت نَفْسِي مِنْك عَلَى أَنِّي طَالِقٌ، أَوْ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِيَدِي، أُطَلِّقُ نَفْسِي كُلَّمَا شِئْت، فَقَالَ الزَّوْجُ: قَبِلْت، جَازَ النِّكَاحُ، وَيَقَعُ الطَّلَاقُ، وَيَكُونُ الْأَمْرُ بِيَدِهَا؛ لِأَنَّ الْبُدَاءَةَ إذَا كَانَتْ مِنْ الزَّوْجِ كَانَ الطَّلَاقُ وَالتَّفْوِيضُ قَبْلَ النِّكَاحِ، فَلَا يَصِحُّ. أَمَّا إذَا كَانَتْ مِنْ الْمَرْأَةِ، يَصِيرُ التَّفْوِيضُ بَعْدَ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ لَمَّا قَالَ بَعْدَ كَلَامِ الْمَرْأَةِ: قَبِلْت، وَالْجَوَابُ يَتَضَمَّنُ إعَادَةَ مَا فِي السُّؤَالِ، صَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: قَبِلْت عَلَى أَنَّك طَالِقٌ، أَوْ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِيَدِك، فَيَصِيرُ مُفَوّضًا بَعْدَ النِّكَاحِ”[2].

2/ وعند المالكية من الشروط الفاسدة، وهي التي تنافي أو تناقض مقتضى العقد، أو المقصود من الزواج، مثل شرط ألا يقسم بينها وبين ضرّتها في المبيت… ومثل أن تشترط المرأة على الرجل أن يكون أمرها بيدها، تطلّق نفسها متى شاءت… قال ابن عبد البر- رحمه الله-: “ولو ملّكها أمرها عند عقد نكاحها معه: إن تزوج عليها أو غاب عنها أو أخرجها من دارها أو ضربها فتزوج أو فعل شيئا من ذلك فأمْرُها بيدها ولها أن تطلق نفسها”[3]

ثم فصّلوا القول في ذلك فقالوا:

أ/ إن علّق أمر الطلاق بيدها على سبب؛ فإن كان السبب فعلا يفعله الزوج فهو جائز لازم للزوج، مثل أن يشرط لها أنه متى ضربها أو سافر عنها، فأمرها بيدها أو بيد أبيها أو غيره… فهنا يلزم الزوج بالشرط.

ب/ وإن كان سببه غير فعل الزوج لم ينفّذ، ولم يلزم الزوج، والنكاح جائز[4].

3/ أما الشافعية لم أجد_ حسب علمي_ نصا صريحا في اشتراط المرأة على الرجل أن يكون الطلاق بيدها، لكن ذكروا ما يشاكل ذلك، فقد قسموا الشروط في النكاح إلى صحيحة، وفاسدة، وهذه الأخيرة نوعان؛ ما يفسد العقد، كما إذا اشترط كونها مسلمة، وهو ذمي، وكذا إذا اشترطت عليه أن لا يطأها، فإنه يفسد… والنوع الثاني لا يفسد العقد؛ وهو كل اشتراط وصف لا يمنع صحة النكاح، كالجمال والبكارة، أو البياض والسمرة… كأن قال: تزوجت فلانة على أنها جميلة، أو بيضاء… فبان غير ذلك صح العقد وكان الخيار، ومثل ذلك ما إذا اشترطت هي هذه الشروط[5]. ويمكن إلحاق شرط جعل الطلاق بيد المرأة ضمن النوع الأول، لتقاربه بالأمثلة.

4/ وعند الحنابلة قسموا الشروط في النكاح إلى ثلاثة، شروط صحيحة، وشروط فاسدة تفسد العقد، وشروط فاسدة لا تفسد العقد، بل تبطل هي دونه، كما إذا شرط لها الخيار، أو أن لا يعطيها مهرا، أو شرطت أن يسافر بها إلى المصايف مثلا…[6] قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله -:” إذا شرط الزوج للزوجة في العقد، أو اتفقا قبله، أن لا يخرجها من دارها أو بلدها، أو لا يتزوج عليها، أو إن تزوج عليها فلها تطليقها صح الشرط، وهو مذهب الإمام أحمد[7]،  قال ابن القيم -رحمه الله- :” إذَا تَزَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ وَخَافَتْ أَنْ يُسَافِرَ عَنْهَا الزَّوْجُ وَيَدَعَهَا أَوْ يُسَافِرَ بِهَا وَلَا تُرِيدُ الْخُرُوجَ مِنْ دَارِهَا أَوْ أَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا، أَوْ يَتَسَرَّى، أَوْ يَشْرَبَ الْمُسْكِرَ أَوْ يَضْرِبَهَا مِنْ غَيْرِ جُرْمٍ، أَوْ يَتَبَيَّنَ فَقِيرًا وَقَدْ ظَنَّتْهُ غَنِيًّا، أَوْ مَعِيبًا وَقَدْ ظَنَّتْهُ سَلِيمًا، أَوْ أُمِّيًّا وَقَدْ ظَنَّتْهُ قَارِئًا، أَوْ جَاهِلًا وَقَدْ ظَنَّتْهُ عَالِمًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَلَا يُمْكِنُهَا التَّخَلُّصُ، فَالْحِيلَةُ لَهَا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ تَشْتَرِطَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَتَى وُجِدَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَأَمْرُهَا بِيَدِهَا، إنْ شَاءَتْ أَقَامَتْ مَعَهُ وَإِنْ شَاءَتْ فَارَقَتْهُ، وَتُشْهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ….. وَلَا بَأْسَ بِهَذِهِ الْحِيلَةِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تَتَخَلَّصُ بِهَا مِنْ نِكَاحِ مَنْ لَمْ تَرْضَ بِنِكَاحِهِ، وَتَسْتَغْنِي بِهَا عَنْ رَفْعِ أَمْرِهَا إلَى الْحَاكِمِ لِيَفْسَخَ نِكَاحَهَا بِالْغَيْبَةِ وَالْإِعْسَارِ وَنَحْوِهِمَا “[8]. ولو اطلعت نساء اليوم على مشروعية هذه الحيلة، ستتخذها غاية لها في كل شؤونها، فتتوسع دائرة الطلاق وتزيد أكثر في المجتمع…

وقد اختصر وهبة الزحيلي مذاهب الفقهاء الأربعة في شروط النكاح_ بعد أن عرض أقوالهم مفصلة_ فقال:” تبين من خلال أقوال أصحاب المذاهب الأربعة، أنهم اتفقوا على صحة الشروط التي تلائم مقتضى العقد، وعلى بطلان الشروط التي تنافي مقصود الزواج أو تخالف أحكام الشريعة الإسلامية، واختلفوا في الشروط التي لا تكون من مقتضى العقد، ولكنها لا تنافي حكما من أحكام الزواج، وفيها منفعة لأحد العاقدين، كاشتراط ألا يتزوج عليها، أو ألا يسافر بها، أو ألا يخرجها دارها أو بلدها ونحوه:

الحنفية يقولون: إنها شروط ملغاة، والعقد صحيح.

والمالكية يقولون: إنها شروط مكروهة لا يلزم الوفاء بها، بل يستحب فقط.

والشافعية يقولون: إنها شروط باطلة، ويصح الزواج بدونها.

فالحنابلة يقولون: إنها شروط صحيحة يلزم الوفاء بها”[9].

ولعل الشرط محل البحث من النحو الأخير، إذ أن اشتراط المرأة ألا يتزوج عليها، يساوي اشتراطها أن يكون الطلاق بيدها.

ودليل لزوم الوفاء بهذه الشروط، قوله صلى الله عليه وسلم:( أحقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا به ما اسْتَحْلَلْتُمْ به الفُرُوجَ)[10]، ووجه الاستحباب أن الحديث علّق الشروط بالوفاء بها، وهو دليل على أنه لا يحكم بها عليه وأن ذلك مصروف إليه، وللنهي عن الاشتراط[11] لقوله صلى الله عليه وسلم:( المسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل  حراما)[12]، وقوله: (ما كان مِن شَرطٍ ليس في كِتابِ الله فهو باطلٌ، وإنْ كان مِئةَ شَرْطٍ)[13].

وعن عَبدِ الرَّحمنِ بنِ غَنْمٍ قال: (شَهِدتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه أُتِيَ في امرأةٍ جَعَل لها زوجُها دارَها، فقال عُمَرُ: لها شَرطُها، فقال رجلٌ: إذًا يُطَلِّقْنَنا، فقال عُمَرُ: إنَّما مَقاطِعُ الحُقوقِ عند الشُّروطِ)[14].

يقول ابن القيم في إعلام الموقعين: ” إن الأصل في العبادات البطلان حتى يقوم دليل على الأمر، والأصل في العقود والمعاملات الصحة حتى يقوم دليل على البطلان”.

ثانيا: الآثار المترتبة على اشتراط أن يكون الطلاق بيد المرأة في عقد الزواج

1/ عند الحنفية: يصح التفويض عند الحنفية مقارناً لإنشاء عقد الزواج أو بعده أثناء الزوجية، واشترطوا لصحة التفويض المقارن للعقد، أن يكون الإيجاب صادراً من الزوجة أو وكيلها، كأن تقول للرجل: تزوجتك على أن الطلاق بيدي، أو متى شئت أو كلما شئت، ويقبل الرجل التفويض.

فإن بدأ الرجل بالإيجاب، فقال للمرأة: تزوجتك على أن أمرك بيدك أو تطلقين نفسك متى شئت، وقبلت المرأة الإيجاب، يصح الزواج، ولا يصح التفويض؛ لأن الزوج في هذه الحالة قد ملّكها تطليق نفسها قبل أن يتم عقد الزواج، ولا يملك الزوج الطلاق قبل تمام الزواج، وليس للشخص أن يملك غيره شيئاً لا يملكه هو.

وإذا صح التفويض بإيجاب المرأة وقبول الرجل، حين العقد، وكان مطلقاً عن التقييد بزمن معين، كأن تقول له:” تزوجتكَ على أن طلاقي بيدي” فيقول: قبلت، تقيد ملكها الطلاق بمجلس إنشاء العقد، فإذا انتهى مجلس العقد، لم يكن لها الحق في طلاق نفسها بعدئذ[15].

وعليه عند الحنفية: الشرط فاسد يلغى وحده، ويصح معه العقد.

2/ عند المالكية: يجب فسخ العقد ما دام الرجل لم يدخل بالمرأة، فإن دخل بها أُلغي الشرط، ومضى العقد، ووجب مهر المثل، لأن كل شرط خالف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فهو لاغ وباطل[16].

3/ عند الشافعية والحنابلة: يعتبر الشرط فاسدا، فيفسد معه العقد؛ أي يبطله.

ثالثا: تفويض الزوج زوجته في إيقاع الطلاق بيدها ( أقوال الفقهاء- أدلتهم) 

       عند الرجوع إلى باب الطلاق في كتب الفقه عموما، نجد أن إيقاع الطلاق بيد المرأة أوغيرها يطلق على معان كثيرة؛ منها التفويض، والتخيير، والتمليك، والتوكيل، وجعل العصمة بيد المرأة… وقد فرّق العلماء بين تلك المصطلحات، من حيث المعنى، وكذا من حيث الآثار والنتائج المترتبة عن اللفظ.

وباستقراء ما جاء في تفويض الرجل زوجته حق تطليق نفسها، نجد أن له ثلاثة إطلاقات؛ التمليك، التوكيل، التخيير، فقد نقل عن أكثر أهل العلم أن الطلاق واقع بكل لفظ يدل عليه، كطلقي نفسك، أو أمرك بيدك، أو اختاري نفسك، ثم اختلفوا في مشروعيته بين مجيز ومانع، وهل الطلاق الواقع به رجعي أم بائن؟

وسنبين آراء الفقهاء في جعل الطلاق بيد المرأة، ثم نذكر أدلتهم، والآثار المترتبة على ذلك. على النحو التالي:

أقوال الفقهاء في تفويض الزوج زوجته في جعل الطلاق بيدها:

        أجاز فقهاء المذاهب الأربعة جعل الطلاق بيد المرأة وتفويضه إليها، وإيقاع الطلاق من غير الزوج له اصطلاحات ثلاثة : إما تفويض، أو توكيل، أو رسالة، تختلف معانيها وآثارها في المذهب الواحد فضلا عن المذاهب الأخرى، وخالف الظاهرية، فقد جاء في المحلى:” ﻤﻥ ﺠﻌل ﺇﻟﻰ ﺍﻤﺭﺃﺘﻪ أﻥ ﺘﻁﻠﻕ ﻨﻔﺴﻬﺎ ﻟﻡ ﻴﻠﺯﻡ، ﻭﻻ ﺘﻜﻭﻥ ﻁﺎﻟﻘﺎﹰ ﻁﻠﻘـﺕ ﻨﻔﺴﻬﺎ ﺃﻭ ﻟﻡ ﺘﻁﻠﻕ، إﻨﻤﺎ ﺍﻟﻁﻼﻕ ﺠﻌﻠﻪ ﷲ ﻟﻠﺭﺠﺎل ﻻ ﻟﻠﻨﺴاء”[17].

1/ عند الحنفية:

عبر فقهاء المذهب الحنفي عن التفويض بأنـه تمليك الطلاق بيد المرأة، ﻗﺎل ابن عابدين:” ﺍﻟﻤﺭﺍﺩبالتفويض تمليك الطلاق وليس توكيلا”[18] ﻓﺎﻟﺯﻭﺝ  مالك لأمر  زوجته فإنما يملكها ماهو مملوك له؛ ﻭﻫﻭ الطلاق فيصح منه ويلزم،  حتى لا يملك ﺍﻟﺯﻭﺝ الرجوع ﻋﻨﻪ ﻭﻻ ﻋﺯﻟﻬﺎ ﻭﻻنهيها، جاء في بدائع الصنائع ما نصه: “التفـويض قـول الرجل لامرأته أمرك بيدك وقوله أنت طالق إن شئت، وما يجري مجراه، وقولـه طلقـي نفسك”[19]… يُفهم من فقهاء الحنفية أنهم أجازوا تفويض الطلاق للزوجة صريحاً، كان أم كناية.

2/ عند المالكية:

        أراد المالكية بالتفويض أنواع ثلاثة؛ وهي التمليك، التخيير، والتوكيل بحسب اللفظ المستعمل فيه،  ويقع الطلاق بها واحدة أو أكثر، لأن الزوج قد جعل للزوجة ما كان يملكه ملكا لها بالمعاني الثلاثة[20]. باستقراء عموم ما كُتب في التفويض بالطلاق، رأى القرافي أن بعض ألفاظ التفويض؛ كلفظ التخيير عند الإمام مالك مبنية على عادة كانت في زمانه، أوجبت نقل اللفظ من مسماه اللغوي إلى لفظ صريح في الطلاق، وليس من الكنايات كما قاله الأئمة الثلاثة. والعرف تغيّر الآن لا يستعمل ذلك اللفظ إلا نادرا. وعليه فالحكم على اللفظ يبطل عند بطلان تلك العادة ويتغيّر إلى حكم آخر.

3/ عند الشافعية:

إﺫﺍ ﻓﻭﺽ ﺍﻟﺯﻭﺝ ﺍﻟﻁﻼﻕ ﺇﻟﻰ ﺯﻭﺠﺘﻪ ﻓﻴﻜﻭﻥ ذلك تمليكاﹰ ﻟﻬﺎ ﻭﻻ يكون توكيلا أو استنابة[21]  كما ﻫﻭ ﻓﻲ الجديد من مذهب ﺍﻟﺸﺎﻓﻌﻲ، وينسب ﺇﻟﻴﻪ ﻓﻲ القديم ﺃﻥ تفويضه ﻟﻬﺎ، توكيل[22]، والصحيح أنه تمليك كما هو في ﺍﻟجديد[23].  

4/ عند الحنابلة:

        قال ابن قدامة:” الزوج مخير بين أن يطلق بنفسه، وبين أن يوكل فيه، وبين أن يفوضه إلى المرأة ويجعله إلى اختيارها. بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم خير نساءه فاخترنه .
ومتى جعل أمر امرأته بيدها فهو بيدها أبدا، لا يتقيد ذلك بالمجلس. روي ذلك عن علي رضي الله عنه وبه قال الحكم وأبو ثور وابن المنذر”[24].

ومن أدلة المجوزين لتفويض الزوج زوجته بالطلاق، القرآن والسنة:

فمن القرآن قوله تعالى:[ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا  [ الأحزاب:28-29]،  ووجه الدلالة: أنه صلى الله عليه وسلم خير زوجاته بإذن الله تعالى في البقاء على الزوجية أو الطلاق[25]. والتخيير من ألفاظ التفويض.

ومن السنة: لما نزلت عليه هذه الآية: [ يا أيها النبي قل لأزواجك – حتى بلغ – للمحسنات منكن أجرا عظيما ]. قال: فبدأ بعائشة فقال:( يا عائشة، إني أريد أن أعرض عليك أمرا أحب ألا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك ) قالت: وما هو يا رسول الله؟ فتلا عليها الآية. قالت: أفيك يا رسول الله أستشير أبوي! بل أختار الله ورسول والدار الآخرة… )[26] وهناك روايات كثيرة تحمل نفس المعنى.

ودليل مشروعية تمليك المرأة أمر طلاقها، قضاء الصحابة؛ فقد رُوي أن رجلا جاء إلى عبد الله بن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن إني جعلت أمر امرأتي في يدها، فطلقت نفسها، فماذا ترى؟ فقال عبد الله بن عمر: أراه كما قالت. فقال الرجل: لا تفعل يا أبا عبد الرحمن. فقال ابن عمر: أنا أفعل، أنت الذي فعلته[27]

وقد وُجهت لهذا الرأي انتقادات، ورغم ذلك نجد بعض قوانين الأحوال الشخصية في البلدان العربية يعملون به؛ كالقانون السوري، والمصري، والعراقي، وكذا القانون المغربي… ولم أجد من لا يبيح تفويض الزوج زوجته في طلاق نفسها سوى فقهاء الإمامية والظاهرية.

رابعا: الآثار المترتبة على تفويض الزوج زوجته بجعل الطلاق بيدها

مع أن ألفاظ التفويض من تمليك، أو تخيير، أو توكيل تختلف في ما بينها، ولكل لفظ معنى، قد يتفق وقد يختلف فيه بين فقهاء المذاهب، وتفاديا للإطناب والشرح الموسع – ليس مقامه هنا- سأركز فقط على لفظ:”أمرك بيدك” وخلاصة المذاهب الأربعة في الآثار المترتبة عن ذلك اللفظ الآتي:

 

1/ الحنفية:

اعتبر الحنفية قول: “أمرك بيدك” من التفويض كناية لا يقع الطلاق بها إلا بثلاثة شروط:

_ أن ينوي الزوج بها الطلاق.

_ أن تنوي الزوجة كذلك.

_ أن تضيف الطلاق إلى نفسها وإلى زوجها.

فإذا نوى به الزوج الثلاث يلزمه ما نواه، فإن لم ينو الثلاث، فإنه يقع واحدة بائنة[28].

2/ المالكية:

        التفويض بالتمليك يقع به الطلاق واحدة أو اثنتين أو ثلاثا، فالزوجة عاملة بمقتضى اللفظ؛ لأن الزوج ملّكها ما يملكه، وللزوج أن ينازع زوجته، ويدّعي أنه أراد واحدة، عندما تطلق نفسها ثلاثا، ويكون القول قوله مع يمينه[29].

3/ الشافعية:

        تفويض الطلاق تمليك للزوج في الجديد، فيشترط لوقوعه تطليقها نفسها على الفور، فلو أخرته بقدر ما ينقطع به القبول عن الإيجاب، لا يقع الطلاق، وإذا ملكت المرأة نفسها، فلا رجعة عليها، ويقع الطلاق بحسب ما ينويانه سواء كان التفويض صريحا أم كناية[30]

4/ الحنابلة:

         اعتبروا عبارة:” أمرك بيدك” كناية ظاهرة، لكن اختلفوا فيما يقع بها؛ فقيل: يقع بها الطلاق الثلاث إذا نوى الطلاق سواء نوى واحدة أم أكثر، ولا فرق بين المدخول بها وغيرها. أما إذا لم ينو الطلاق، بل نوى تفويض الطلاق للزوجة، فإن ” الأمر باليد” يجعل لها الحق في أن تطلق نفسها ثلاثا[31].

ومما سبق يبدو اتفاق المذاهب الأربعة على وقوع الطلاق واحدة أو ثلاثا، إذا أنابه الزوج لزوجته، بحسب ما نواه كل منهما، أو أحدهما.

وبعد هذه العجالة يمكن تسجيل النتائج التالية:

1_ جعل العصمة بيد المرأة من المواضيع التي تركزت حولها الأفكار، وسال فيها مداد الأقلام، وبلغ فيها الجدل أوجه في البلاد العربية، خاصة في بلاد الحرمين؛ ذلك كله بسبب اختلاف أقوال الفقهاء في ألفاظه العديدة، وآثاره المتباينة فيما بينها فضلا عن المذهب الواحد، ويحتاج بيان كل ذلك لبحث طويل، ودراسة معمّقة، يصعب حصرها في هذا العرض.

2 _ إذا كان الطلاق ملكا للرجل وحده، كان من حقه أن ينيب عنه غيره، سواء كان النائب زوجته أم غيره، وعليه جعل العصمة بيد المرأة أمر ثابت في الفقه الإسلامي، ومقرر عند  الكثير من أهل العلم. وعدم قبول ذلك في الواقع، راجع إلى التربية التي طبعت في الأذهان أن الرجل فقط هو صاحب الحل والعقد، وهو الذي يطلّق  متى شاء وكيفما أراد.

3_ حاصل هذه الدراسة – حسب رأيي- أنها ترجع إلى أن هناك خلط بين المانع، والشرط الفاسد؛ فالمانع يؤدي إلى بطلان عقد الزواج، لكن الشرط الفاسد لا يبطله فيُلغى الشرط، ويبقى العقد صحيحا، وعليه فإن شرط المرأة على زوجها أن تكون العصمة بيدها ( الطلاق) شرط فاسد؛ لأنه يخل بالمقصود الأصلي للنكاح وهو أن القوامة للرجل، فضلا عن أنه يخالف النظام العام والآداب، ولا يحقق مصلحة للزوجين، حتى وإن ادعت المرأة أن في الشرط مصلحة فهي مصلحة مرجوحة متوهمة، وليست مصلحة حقيقية راجحة. ثم أنه لو ثبت جواز هذا الشرط لأدى إلى الكثير من المفاسد في المجتمع، ولطلقت كل النساء باسم هذا الشرط، والله أعلم.

4_ إن مقولة:” العصمة بيد المرأة ”  لا تعني ما نشاهده في الأفلام والمسلسلات أن تقول الزوجة لزوجها:” أنتَ طالق”؛ لأن الطلاق شرعا وعرفا وقانونا بيد الرجل أو القاضي.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

[1] – ينظر: الدر المختار: 2/405، تبيين الحقائق: 2/148، فتح القدير: 3/107

[2] – رد المحتار على الدر المختار:2/27

[3] – الكافي:2/590

[4] – ينظر: الشرح الصغير: 2/384-386 – 595، بداية المجتهد: 2/58، القوانين الفقهية: 218- 220

[5] – ينظر: مغنى المحتاج 3/226 ، المهذب 2/47

[6] – ينظر: المغني:7/ 448، كشف القناع:5/98

[7] – الفتاوى: 5/461

[8] – إعلام الموقعين: 3/ 298

[9] – الفقه الإسلامي وأدلته: 7/ 59- 60

[10] – أخرجه البخاري في النكاح، باب الشروط في النكاح، ومسلم في النكاح، باب الوفاء بالشرط في النكاح.

[11] – الفقه المالكي وأدلته، الحبيب بن طاهر: 3/ 238

[12] – أخرجه الترمذي (1352) واللفظ له، وابن ماجه (2353)

[13] – أخرجه البخاري في «البيوع» باب إذا اشترط شروطًا في البيع لا تَحِلُّ (2168)، ومسلم في «العتق» 1504

[14] – أخرجه البخاري: كتاب الشروط،  باب الشروط في المهر عند عقدة النكاح رقم:2572

[15] – الفقه الإسلامي وأدلته:7/423

[16] – الحبيب بن الطاهر، الفقه المالكي وأدلته: 3/237

[17] – المحلى:10/216

[18] –  ﺍﺒﻥ عابدين، ﺭﺩ ﺍﻟﻤﺨﺘﺎﺭ: 4/552، ﺍﻟﻤﺭﻏﻴﻨﺎﻨﻲ ، الهداية: 2/248

[19] –  ﻋﻼﺀ ﺍﻟﺩﻴﻥ ﺒﻥ ﻤﺴﻌﻭﺩ ﺍﻟﻜﺎﺴﺎﻨﻲ ،  ط2 ،  ﺍﻟﻤﻜﺘﺒـﺔ ﺍﻟﺤﺒﻴﺒﻴـﺔ ، 1989 ،ﺒﺎﻜﺴﺘﺎﻥ ،  ج3، ﺹ113

[20] – ينظر تفصيل ذلك : لشرح الكبير: 3/ 593- 603، القولنين الفقهية: 233.

[21] – الماوردي، الحاوي الكبير: 1/172-173، الرملي، نهاية المحتاج: 6/436-439

[22] – الشربيني، مغني المحتاج:285

[23] -النووي، روضة الطالبين: 8/46

[24] – المغني: 8/288

[25] – القرطبي، الجامع لأحكام القرآن: 4/170

[26] – رواه مسلم: 1478

[27] –  أخرجه مالك في الطلاق، باب ما يبين من التمليك.

[28] – كتاب الفقه على المذاهب الأربعة: 4/ 372 وما بعدها.

[29] – ينظر: الشرح الصغير:2/597، والمدونة: 2/125

[30] – مغني المحتاج: 3/285، المهذب: 2/80.

[31]– الفقه على المذاهب الأربعة: 4/ 331 و385

  1. Hani يقول

    سلمت اختاه طاب دنياك وٱخرتك سيدتي الفاضله شرف لي كون في بلاط علمك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page