حصريا

علم اجتماع الأسرة في القرآن (مقدمات تأسيسية في تجديد النظر الاجتماعي الإسلامي)-د. حسان عبد الله حسان -مصر-

0 415

علم اجتماع الأسرة في القرآن

(مقدمات تأسيسية في تجديد النظر الاجتماعي الإسلامي)

 

 

 

 

 

 

دكتور

حسان عبد الله حسان

أستاذ أصول التربية المساعد- جامعة دمياط

1444هـ- 2023

 

 

 

 

 

مقدمة الدراسة وأهميتها

تمثل الأسرة المؤسسة الأكبر أهمية في التاريخ الإنساني الذي بدأ بوجود نموذج لتلك الأسرة تحقيقًا لأمانة “الاستخلاف”، وقد سجل الوحي هذا النموذج متضمنًا ركائز بناء الأسرة ولُحمة ذلك البناء: )   اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ(، فالركيزة هي “الزوجية”، واللحمة هي “السكن”. وقد ظلت الأسرة على مدى تاريخها الطويل تقوم على ركيزة الزوجية، وتسعى إلى تحقيق مقصدية “السكن” لأعضائها، أو بمعنى آخر كانت “الزوجية” مقدمة “للسكن” المعنوي والمادي الذي يسعى الإنسان إلى تحقيقه منذ بدء الخليقة وحتى الآن.

    في ضوء هاتين الركيزتين أدت الأسرة دورًا مهمًا للإنسان منذ الخليقة، حيث مثلت – الأسرة- الوعاء الضامن الذي يلبي فيه الإنسان احتياجاته الفطرية المُتولِّدة عن التكوين الطبيعي للخلق (الذكر والأنثى)، ومثلت كذلك الملجأ والمستقر والدرع الحصينة لحاجات الأمن النفسي والمادي لنفس الإنسان وجسده، كما أنها جنبته الفوضى في الإشباع الغريزي، وما يترتب عليها من قلق وتوتر واضطراب، فقامت بتنظيم طرق الإشباع وفق تعارف إنساني اتفقت عليه الجماعة الإنسانية الأولى وهو “الزوجية”.

كما خلُص الفكر الاجتماعي إلى حقيقة اجتماعية ثابتة وهي “أن الأسرة أهم المؤسسات الاجتماعية التي أقامها الإنسان لاستمرار حياته في الجماعة وتنظيمها، بل إنها قاعدة لكل هذه المؤسسات بحيث لا يكون لها استمرار إلا باستمرار الأسرة. ولهذا كانت العلاقة بين الأسرة والمؤسسات الاجتماعية الأخرى وثيقة ومتبادلة، وذلك من ناحيتين، فالأسرة حساسة لما يصيب المجتمع في نظمه وقيمه من تغيير وتحويل، والمجتمع بدوره يتأثر بما يقع في الأنماط الأسرية من تغير” [1].

وتقوم الأسرة بعدة أدوار منذ الخليقة، يمكن تصنيفها في ثلاث مجموعات: الأولى: تتعلق بالوجود البشري وإعادة إنتاجه من خلال عمليات التناسل والتكاثر في ظل إطار “الزوجية” الذي ارتبط بتلك العملية منذ البدء، والثانية: تتعلق بالوجود الاجتماعي للفرد، حيث تقوم الأسرة بتربية أعضائها على أسس الهوية الشخصية التي يتحول بها الفرد من كائن بيولوجي إلى كائن اجتماعي يتهيأ لمهمة الاستخلاف. والثالثة: تتعلق بدورها في تأسيس نظم البناء الاجتماعي المتعددة وتطويرها، حيث قامت الأسرة بدور رئيس في بناء الأنظمة الاجتماعية المختلفة، مثل النظام التربوي، والنظام العائلي، والنظام الاقتصادي، والنظام السياسي، والنظام الأخلاقي والقيمي. ولهذا فإن حالة الأسرة ثباتًا واستقرارًا، أو اهتزازًا واضطرابًا يؤثر على حالة المجتمع الإنساني الكبير على مستوى كل أنظمته الفاعلة وحركته الأخلاقية والقيمية والحضارية.

والدراسة الحالية تناقش مرتكزات قيام الأسرة المسلمة واستمرارها وديمومتها الأخلاقية والحضارية في العالم المعاصر، من خلال إستعادة الوعي بالمنظومة القيمية التي تتشكل منها هذه الأسرة وهي منظومة القيم القرآنية، التي تنطلق من التوحيد مبدأ اعتقاديًا أخلاقيًا ومعرفيًا واجتماعيًا لها. ويأتي ذلك في ضوء السياقات المعاصرة التي تحيط بالأسرة، والمتغيرات التي يكمُن في كنهها مخاطر شتى يتداعى أثرها على الأسرة المسلمة، والتي تمثل تهديدًا قيميًا ومخاطر وجودية عديدة تتعرض بصورة غير مسبوقة منذ نشأتها الأولى.

المرجعية القرآنية

المرجعية الرئيسة لهذه الدراسة هو القرآن الكريم، والقرآن هو المَعِين الرئيسي لها، وذلك لمكانته في التأسيس للتنظيم الاجتماعي الإسلامي في كل وحداته وكل مستوياته، سواء على مستوى الإنسان (الفرد) أو الإنسان الجماعة (الأسرة، المؤسسة، الدولة، المجتمع، الأمة) فلا تجوز استعارة المواد المؤسسة للتنظيم الاجتماعي لمجتمع ما من نصوص مستوردة من نظم اجتماعية أخرى. لأنها بالضرورة – النصوص المستوردة –تعبر عن سياقات متباينة، وحصيلة لتطور تاريخي مختلف، والمجتمع المسلم لا يعتمد في تأسيس بنيانه على التطور التاريخي، لأنه يحمل بالأساس “القرآن” النص الرائد والخالد والفريد في هذا التأسيس والذي لا يخضع لانتصار إيديولوجية أو انهزام أخرى، ليقدم نفسه للناس.

إن المجتمع الإسلامي الحديث – في فترات ضعفه وتراجعه- سار في ظل أنظمة أيديولوجية انتصرت تارة وانهزمت تارة أخرى، مما أدى به إلى مآزق معرفية ومجتمعية جمة، أصابت كثير من جوانب نظمه الاجتماعية، أدت إلى نمو عملية الاستيراد المعرفي من الغرب المهيمن على حركة العلم المعاصر، وقد أدى ذلك تحديدًا إلى محاولات متكررة لإدراج مفاهيم منظومة القيم الغربية وتصوارتها في المجال الاجتماعي وتضمينها في منظومة القيم الإسلامية لاسيما ما يتعلق بالأسرة.

إن استيراد علم الإنسان الأوروبي والأمريكي أو أجزاء منه إلى البنيات العلمية والتربوية الإسلامية يمكن أن يحدث مع الجهل التام بالقيم الإسلامية الذاتية والتقاليد الأكاديمية، ولم يحدّ ذلك فقط من جاذبية علم الإنسان بالنسبة للدارسين المسلمين وأتباع النظام التعليمي الأوروبي والأمريكي، بل جعل كذلك من تطور علم الإنسان الخاص بالشعوب الإسلامية ضربًا من الحماقة حتى في الإطار الضيق للمنطقة الثقافية المسماة بالشرق الوسط.[2]

          وفي ضوء ذلك فإن الحقيقة الأولى لمرجعية الدراسة هي: أن القرآن هو النص المؤسس لكل شكل من أشكال الاجتماع الإنساني والأسرة في القلب من هذا الاجتماع ومؤسسة له، فهو المؤسس لشروط قيام الأسرة المسلمة، لا شرعية لوجودها دون الالتزام بتلك الشروط، ومن ناحية أخرى هو الذي يمدها بمقومات القيام والاستمرار والحماية، ويحدد لها إطار الحقوق والواجبات المتبادلة بين أفراد الأسرة باعتبارهم أعضاء فاعلين في المجتمع الصغير “الأسرة” ومسئولين أمام الله وأمام الناس عن أدوارهم والكفاءة في أداءها، ومن هنا فلا ملجأ قيمي للأسرة المسلمة يمدها باحتياجاتها المعرفية وتصويب حركتها إلا بالمرجعية القرآنية الراشدة.

وفي ضوء ذلك، فلا ينبغي أن تكون محاولة الرجوع إلى نص القرآن لاستخراج المفاهيم الأساسية التي يتركب منها النموذج محل استغراب، ذلك لأن القرآن، هو النص المؤسسي للمجتمع وللإنسان المسلم. وهو المرجعية المعيارية لهما. فإذا حاولنا أن نستخدم مفاهيم مستخرجة من نظام معرفي آخر أو متولدة عن تطور تاريخي لمجتمعات أخرى، فإن ذلك سيكون ضلالًا منهجيًا، وسينتهي بنا إلى مآزق معرفية على المستوى النظري وإلى جهود عقيمة على المستوى العملي[3].

أما الحقيقة الثانية فهي أن الباحث الاجتماعي المسلم حال تعرضه للدراسة الانثروبولوجية للمجتمع، فإن منطلقه الرئيس، ومرجعيته المعيارية – بمفهومها الراشد- هو القرآن الكريم، ولا ينبغي أن تكون له نقطة انطلاق أخرى “إن أية دراسة انثروبولوجية للمجتمعات الإسلامية لابد أن تأخذ في حسبانها المجال المعرفي الإسلامي والمنظومات المعرفية المصاحبة له.. ويترتب على ذلك ضرورية التعامل مع المصادر المعيارية في حد ذاتها على ضوء هذا المجال.. ويأتي القرآن بوصفه المركز الذي تقوم عليه مصادر “النموذج المعرفي التوحيدي”… وفي الوقت نفسه يبدأ الأنثربولوجيون الدارسون للمجتمعات الإسلامية تقدير العلاقات المتعلقة بالبعد المعياري وبتبعاتها، فيقومون باستكشافها[4].

    وتستند الحقيقة الثالثة على دور القرآن في التنظيم الاجتماعي الإسلامي، يتجاوز اكتشاف المبادئ المؤسسة، إلى اكتشاف نسق الإصلاح الذي يحمله إلى هذا الواقع، ومن ثم فالمصدر القرآني يقوم بالبناء المعياري، والتوجيه الإصلاحي للانحراف عن هذا البناء، فالتعاليم القرآنية، والتوجيهات الواردة فيها ليست فقط معيارية التوجه، ولكننا يمكن أن نراها في عدة اتجاهات أهمها:

  • اعتبار الواقع بما لا يتنافى مع المنظومة القيمية التي تحملها تلك التعاليم والتوجيهات، وهذا إما تركته المنظومة دون إشارة بالمنع أو التعديل، أو أشارت إليه برده إلى ذلك الواقع والاعتبار به كما في {عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُوَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} [البقرة:236].
  • تصويب لواقع حمل مخالفات للقيم الإنسانية والاجتماعية، تناقض حركة الأسرة ومقاصد بنائها، كما في حالتي “الإيلاء” و”الظهار”، فالأولى جاءت بتحديد زمني، والثانية جاءت بتحريم وتعزير.
  • معالجات لحوادث واقعة، إما بصورة (مؤقتة- خاصة) أو بصورة (دائمة-عامة)، ومن ذلك ما جاء في تشريعات العلاقات الزوجية حال الصوم.
  • إلغاء لموروثات وتقاليد، تخالف مقصدية الأسرة والاجتماع الإنساني، كما جاء في إلغاء التبني لمخاطره على شبكة العلاقات الاجتماعية في مجال الأنساب والأموال.
  • بناء أسس جديدة في العلاقات الزوجية- الأسرية قوامها العدالة، والانطلاق من النفس الواحدة التي تلتقي في الزوجية كوعاء جامع للإنسان بنوعيه “الذكر والأنثى”، أي إعلاء البُعد الأخلاقي في هذا التكوين الإنساني الخاص “الأسرة”.

إن القرآن هو الذي يوجه المجتمع المسلم إلى اكتشاف المبادئ الجوهرية – في القرآن ذاته – والتي تشكل الإطار التحتي الذي تقوم عليه هذه المجتمعات في العالم الإسلامي. فهدفنا جميعًا، هو ذلك المجتمع القائم على المبادئ القرآنية، حتى لو انحرفنا عن هذه المبادئ – عن غير علم من حين إلى آخر – إن الانتساب إلى مجتمع يقوم على القرآن هو الغاية التي يجب أن نعمل لها جميعًا إذا ما كان للشعوب المسلمة أن تتمتع بمستقبل هانئ[5].

ومع اعتبار “البيئة القرآنية” هي المرجع الأعلى في بناء منظومة قيم المجتمع الإسلامي بصفة عامة، وقيم الأسرة بصفة خاصة، فإننا سوف نستأنس بمصادر أخرى تابعة لهذه المصدرية الأعلى مثل: السنة النبوية، والتراث الإسلامي من منظور اجتماعي معاصر، في محاولة لتحقيق مقاربة لإبراز الإطار الجامع لمنظومة القيم في مجال ميدان “الأسرة”.

منهجية التحليل السياقي

    اتبعت الدراسة الحالية منهجية التحليل السياقي للبحث في مواضع الحديث عن الأسرة في القرآن، وذلك من خلال الاستقراء للقرآن الكريم وتتبع طريقة التناول والمنهجية الاجتماعية التي خطها القرآن في هذه المنهجية. كذلك محاولة اكتشاف السياقات القريبة من البيئة الأسرية التي تتعلق بموضوع الأسرة وكيفية تعلقها بالنظر الاجتماعي القرآني في هذا الموضوع. كذلك البحث عن القيم المؤسسة للأسرة سواء كان ذلك بصوره مباشرة بالبحث عن البيئة الأصلية للقيمة. أو من خلال إدراك تلامسات القيمة في البيئة الأصلية مع نظيراتها في سياقات أخرى، بغرض الوصول إلى فهم أو سمع، وأكثر شمولًا لمعنى القيمة.

أما كيف تمت عملية التحليل والاستقراء لاستخلاص وجوه النظر الاجتماعي للقرآن في موضوع الأسرة، فكانت وفق الإجراءات التالية:

– الاستقراء التام للآيات الكريمة، واستخلاص مواضع الحديث القرآني عن الأسرة.

– إعادة بناء هذه المواضع في مجالات حسب موضوعات/ قضايا الأسرة: التأسيس والبناء، الاستمرار والديمومة، المتغيرات والإشكالات.

– إدراك الأبُعاد المتعددة لمفردات القيم الواردة، وتحديدًا البُعد اللغوي والمعجمي.

– الوعي بفضاء التدبر للحديث القرآني، والمعاني القيمية التي يحملها.

– إدراك العلاقات المتعددة بين مواضع الحديث القرآني وبين مكانتها في الأسرة والنتائج المترتبة على الوعي بتلك المعاني، وأبعاد تلك العلاقات في واقع الأسرة وفي ديمومتها ومعالجة إشكالاتها وتطوير أداءها وإصلاحه.

غاية الدراسة ومقصدها

غاية هذه الدراسة هو بناء إطار شامل للنظر القرآني لموضوع “الأسرة”، بحيث يتم تقديم “النموذج الاجتماعي” للأسرة المسلمة وممارساتها وحركتها الداخلية (داخل إطار الزوجية) والخارجية في تواصلها بروابطها الأصلية والممتدة. إن تعاليم “الأسرة” في القرآن من الاتساع بمكان أن تشمل حركة الأسرة ونشاطها، فلم يُفصِّل القرآن في موضوع اجتماعي مثلما فَصَّل في موضوع الأسرة: حفزًا وتحريضًا على التكوين والبناء، ودفعا للاستمرار والديمومة بكل عوامل الدفع، ومعالجة للإشكالات والعوائق، وإصلاحًا لأوجه الانحراف والخروج عن الاستقامة، وكل ذلك يتم في صورة شاملة تغطي منافذ “النفس الإنسانية” وتطلعاتها وأشواقها ومكوناتها: الاعتقادية الإيمانية، والعقلية المعرفية، والوجدانية الانفعالية، والسلوكية الاجتماعية، ومعالجة لإشكالاتها الواقعية والاجتماعية من ناحية أخرى.

وتتضمن الدراسة دعوة إلى الباحث الاجتماعي العربي والمسلم – مفادها: ضرورة استعادة الوعي “بالقرآن الكريم” وفاعليته الاجتماعية في مجال معالجة موضوع الأسرة وقضاياها، والعناية بالتضمينات “القيمية” التي تخللت كل حركة في بناء “الأسرة” وفي كل مراحلها وإشكالاتها “فالقرآن لا يعتبر المصدر الأساسي لمعرفتنا عن المعتقدات والالتزامات والممارسات التعبدية [الشعائر] فحسب، بل هو – أيضًا – الدليل الهادي لأي مظهر من مظاهر الكيان الإسلامي والنظم الإسلامية، سواء كان تلك بطريقة محددة ومباشرة أو بصورة ضمنية، ومن ثم يجب أن يكون القرآن هو المعيار الذي يحدد تفكيرنا وأعمالنا بطريقة شاملة جامعة إذا ما كان لنا أن ننجح كأفراد ينتمون إلى مجتمع إسلامي يرغب في النهوض في مستقبل قريب”[6].

تتضمن هذه الدعوة للأسرة المسلمة – من أجل استعادة الوعي بالقرآن ومكانته في تشكلها وحركتها- من الناحية المعرفية والتربوية ما يتعلق بتصحيح المفاهيم، وبناء مفاهيم جديدة، وتعليم قيم، وبعث دوافع، وإيضاح مقاصد.. تتعلق بتأسيس الأسرة وأهدافها وغايتها ومرتكزات حركتها الاجتماعية.

أما الأهداف البحثية للدراسة فتتحدد فيما يلي:

  1. استعادة القرآن على مائدة البحث الاجتماعي الإسلامي والإنساني المعاصر.
  2. إعادة النظر في أبواب الأسرة في ميدان التجديد الفكري الإسلامي (الفقهي والكلامي والاجتماعي) في ضوء مباحث الدراسة وموضوعاتها.
  3. إعادة النظر في بناء التشريعات والأحكام الوضعية للأسرة (ما يعرف بقوانين الأحوال الشخصية) في ضوء كليات وتصورات ومفاهيم المرجعية الاجتماعية القرآنية.
  4. تحرير العقل المسلم من اختزال قضايا الأسرة في: الزواج والطلاق والإنجاب فقط بصورتها الروتينية المادية، أو بالدعاوي الغربية في النسوية المتحيزة ضد الفطرة، والانطلاق نحو رحابة العمران والاجتماع الإنساني الشامل الذي تضطلع به الأسرة الإنسانية، وبما يتلائم مع النظر القيمي القرآني الواسعة المعني والغنى والثراء المعرفي الاجتماعي.
  5. الإسهام في بناء علم اجتماع إسلامي من خلال بناء منظومة قيمية لأبرز وحدات المجتمع وهي الأسرة.
  6. إرساء النظرة الاجتماعية القرآنية لموضوع (الأسرة) والتي تتضمن الجانب المعنوي كما تتضمن الجانب المادي، وتشمل الجانب النفسي كما تشمل الجانب العضوي، وتحتوي الجانب الفردي كما تحتوي الجانب الاجتماعي.
  7. الاستفادة من بحوث هذه الدراسة ونتائجها في برامج البحث الاجتماعي في مجال علوم الأمة، ومجال الإعداد التربوي للشباب الجامعي، وبرامج الإرشاد الأسري والدراسات المتعلقة، والميادين العاملة في مجالات الأسرة بشكل رئيس.

محاور الكتاب وأقسامه:

ينقسم الكتاب إلى سبع مقدمات وهي كالتالي:

  • المقدمة الأولى: في تجديد نظر الباحث الاجتماعي مع القرآن (مدخل منهجي).

ناقشت هذه المقدمة طبيعة العلاقة بين (المعياري والوضعي) في المنظور القرآني، وبخاصة ما ارتبط –خطأ- في ذهنية كثير من الباحثين المسلمين باتجاه العلاقة، وطبيعة النظرة إلى هذا المنظور؛ إذ ارتبطت طريقة تفكير كثير من الباحثين ووسائل تعبيرهم بفكرة مهيمنة هي أن المنظور القرآني يقوم في بنائه على المتصل المعياري فقط، وأن حسابات متصل الواقع وحركته لا تدخل في نطاق عمله أو حيز مبادئه التي يمكن إعمالها في ميدان البحث أو في التأطير النظري له، مع تجنب البعد الوضعي لاتهامه بالنسبية والمادية، وهذا – كما في وجهة نظر عديد الباحثين- ينبغي أن يتنزه عنه المنظور القرآني. ومن ثم تتوجه هذه الورقة إلى الداخل البحثي الإسلامي، وبخاصة إلى “الباحثين المسلمين” الذين ينشغلون في دراساتهم بالحقل الحضاري الإسلامي، وذلك من أجل توجيه استخدامهم لهذا المنظور في بناء أهدافهم ومشكلاتهم البحثية والإجراءات المتَّبعة في هذه البحوث. وفق نتائج هذا البحث.

المقدمة الثانية (في أصول المنظور القرآني للأسرة).

تناولت هذه المقدمة أحد عشر أصلًا معرفيًا نستمد مبانيهم من المنظور القرآني، وتتعلق هذه الأصول بالنشأة الوجودية للأسرة، كما تتضمن ركائز وجود الأسرة، ومباني قيامها، والحدود القيمية التي تتعلق بقضاياها الرئيسة. هذه الأصول هي: ناظم التوحيد، اندماج الوضعي والمعياري، النفس الواحدة، التكامل العضوي/الوظيفي، القانونية والأخلاقية، الأسرة الممتدة، الحقوق والواجبات، الرابطة الجنسية، الأسرة والعمران، إمكانية العمل، الأسرة مركز التداول الاجتماعي.

 

المقدمة الثالثة: تحليل خارطة الأسرة في القرآن.

نبحث في هذه المقدمة ما يتعلق بتاريخ “الأسرة” ودورها في التكوين الإنساني، من خلال البيئة القرآنية – التي هي المصدر الأصلي لهذه الدراسة ومرجعيتها الرئيسة- بحيث نقف على انشغالات القرآن بهذا التكوين وعناصره التي تشكل بنية الأسرة في تشابكاتها مع البناء الاجتماعي. وركزت هذه المقدمة على البعد المفاهيمي لمكونات الأسرة، وأبعاد مضامين هذه المفاهيم وأثرها في إعادة الوعي بشكل الأسرة الإنساني. ومن المفاهيم التي تناولتها هذه المقدمة: النفس الواحدة، الرحم، الزوجية، الأب، الأم، الأخ، الأخت، الابن، الابنة، الأنساب، الفصيلة، العشيرة.

المقدمة الرابعة: القرآن وتأسيس الأسرة.

تضمنت هذه المقدمة ما يتعلق بدور القرآن في تأسيس الأسرة، من خلال المدخل القيمي، أي البحث في القيم اللازمة للتأسيس في المنظور القرآني، ومن خلال الاستقراء للبيئة القرآنية يمكن تصنيف القيم المتعلقة بالتأسيس الزواجي إلى أربعة قيم رئيسة، يتعلق بعضها: بالتهيؤ الأخلاقي للزواج وأسميناها قيمةٌ واقيةٌ/ مانعةٌ: ونقصد بها قيمة (التعفف)، وبعضها يتعلق بغاية الزواج والدافع له وأسميناها: قيمةٌ دافعةٌ/ حافزةٌ: وهي قيمة (الإحصان)، وبعضها يتعلق بالقيمة العليا في الاختيار الزواجي وأسميناها: قيمةٌ واجبةٌ/ حافظةٌ: ونقصد بها قيمة (الدين)، وبعضها  يتعلق بأهم المنهيات والمحرمات الزواجية، وأسميناها: قيمةٌ ناهيةٌ/ حارسةٌ: التحريم (المحرمات).

المقدمة الخامسة القرآن وعلاقات الأسرة (مدخل معياري إرشادي).

تناولت هذه المقدمة جملة التعاليم المعيارية والإرشادية التي تسهم في ضبط حركة الأسرة وتوجيه نشاطها الاجتماعي، وما ينبغي أن يتوفر بين أعضائها من معايير سلوكية، ومكنونات وجدانية. إن حركة الأسرة التي قامت على مركزية الدين، لا ينبغي أن يحكم حركتها وتفاعلاتها فوضى في أي جانب من جوانب تلك الحركة وذاك التفاعل. إن الأسرة باعتبارها مؤسسة دينامية تقوم على الحركة الذاتية من داخلها لتحقيق مقاصد نشأتها، فهي في حاجة إلى معايير تتسم بالثبات من ناحية والقداسة من ناحية أخرى، أي يكون ممارسة تلك المعايير داخل الأسرة بمثابة العبادة بها، وهذا ما حاولنا ترسيم حدوده وخطوطه من البيئة القرآنية لتوجيه النظر إلى ذلك الامتزاج الاجتماعي والتفاعلي بين هذه القيم/المعايير وحركة الأسرة.

وتضمنت هذه المقدمة أربع عشرة قيمة، تمثل الثوابت الإيمانية (القيم) التي تضمن ثبات الأسرة واستقراها وتحقيق مقاصد تأسيسها وضمان سلامتها وحيويتها الحضارية. هذه القيم هي: المعروف، الرحمة، الإحسان، الفضل، الرضا، السكن، الوسع، العقد، الشورى، التخفيف، القوامة، المودة، العفو، التقوى.

 

 

المقدمة السادسة: القرآن ومنظومة الحقوق في الأسرة (مدخل إصلاحي).

تناولت هذه المقدمة من الدراسة ما يتعلق بالمباني الرئيسة لمنظومة الحقوق والواجبات في الأسرة من المنظور القرآني، وبناء المفهومين الرئيسين فيها (الحق والواجب)، مع تحليل لأهم جوانب الحقوق والواجبات في الأسرة في شمولية تكوينها العضوي (الزوجة/الزوج/الأبناء)، وأهم الحقوق والواجبات المتبادلة بين هذه العضوية الفسيولوجية والاجتماعية والنفسية لأفراد الأسرة. كذلك فإن هذه المقدمة تعمل على إرساء مفهوم “العدالة” الأسرية كأحد المرتكزات لبناء الأسرة في المنظور القرآني، فالعدالة لا تتعلق بأحد أطراف/مكونات الأسرة بل تتعلق بكل المكونات في صورة تعكس شمولية النظر القرآني للأسرة.

المقدمة السابعة: القرآن وحماية الأسرة (مدخل الاستدامة).

انشغلنا في هذه المقدمة بالبحث القرآني في سبل تحقيق استدامة الأسرة كي تحقق وظائفها الكونية والعمرانية والاجتماعية، وصنفنا في ذلك موقف القرآن إلى عدة محاور: الأول: حول المنهيات الاجتماعية حتى تتجنب الأسرة التفكك والشقاق وهي النهي عن: التعدي والكره والإعضال والعنت والضرر وما إلى ذلك مما تضمنته البيئة القرآنية في مجال المنهيات الزوجية، والمحور الثاني: منهجية حل الخلافات الواقعة الدخل الأسرة والآلية القرآنية في تحقيق المعالجات الداخلية للمشكلات وأوجه الخلافات الداخلية التي ما زالت تحت سيطرة إرادة الزوجين، والمحور الثالث: الآلية القرآنية لمعالجة المشكلات التي تخرج عن إرادة الأسرة وهي آلية التحاكم، وبينا شروطه وغايته وإجراءاته الاجتماعية، أما المحور الثالث: فجاء لمعالجة قضية “الطلاق” أي الانفصال الزواجي، وموقف القرآن من تلك القضية، ومراجعات القرآن فيها للزوجين، وبينا كذلك جدلية الحب والكره وتصحيح للوجدان والحكم، ومتى يكون الطلاق ضرورة كي تستمر الحياة الاجتماعية للزوجين المنفصلين في طريقين مختلفين، ثم كشفنا عن الأطر القرآنية التي يجب أن يتم فيها الانفصال الزواجي بما يحافظ على كينونة نتاج الأسرة (الأولاد) من ناحية ويجنب تكبد عديد من الخسائر التي تستنزف فيها طاقة الأسرة في هذه المسألة، وأوضحنا في ذلك ثلاثة أطر قرآنية يتم فيها الطلاق، وهي الإطار الوجداني، والإطار المعرفي، والإطار السلوكي.

خاتمة:

وبعد فهذه محاولة للكشف عن العلاقة بين المنظور القرآني الاجتماعي وقضايا الأسرة المعاصرة، وذلك لردم الفجوة بين المعالجات البحثية والمعرفية والاجتماعية لهذه المسألة التي تُعد الأكثر أهمية في المشهد الإنساني والاجتماعي الإسلامي المعاصر. داعين إلى مزيد من البحث والكشف عن المعاني التي لم تكتشفها هذه الدراسة، أو سد العجز في محاورها القائمة، أو تكثيف المفاهيم الاجتماعية للأسرة في النظر الاجتماعي القرآني التي لم تأخذ حظها في هذا العمل.

.. وأخيرًا يتوجه المؤلف بهذه الدراسة إلى عدة فئات، هي فئة الأكاديميين والباحثين الاجتماعيين الذين أرجو منهم أن يلتفتوا إلى منهجية القرآن في تناول الظاهرة الاجتماعية، وتأثير ذلك على معالجة قضايا المجتمع المعاصر، وإدماج تلك المنهجية بالمقارنة مع المنظورات الوضعية في أعمالهم البحثية، والتمكن من القدرة والتأهل لاستكشاف مواضع النظر القرآني في المجال الاجتماعي، وكذلك فئة العاملين في مجال الإرشاد الأسري، حيث يتم تدريب الأسر الناشئة والقائمة على قيم التأسيس الزواجي والاستدامة، وتعليم آلية معالجة الاختلافات وآليات التحاكم داخل الأسرة، وغير ذلك مما تضمنته الدراسة، وكذلك فئة الطلاب الجامعيين، حيث أرجو أن تهيئ تلك المادة المقدمة في الدراسة على شكل مقررات توزع على المراحل الجامعية في كل الكليات العربية والإسلامية بهدف تحقيق ثقافة أسرية مرجعيتها القرآن الكريم، كذلك أتوجه إلى فئة القانونيين والمشرعين المسؤولين عن صياغة قوانين الأحوال الشخصية في البلدان العربية والإسلامية من أجل أن تتوافق القوانين المتعلقة بالأسرة مع الموجهات القرآنية والتعاليم والقيم الواردة في مجال الأسرة في تنوعها وثرائها الأخلاقي والقيمي والتشريعي، وأن يتم النظر إلى الأسرة كوحدة ذات مصير واحد وليست أفرادًا متنازعين متنافسين فيما بينهم، هذه الفئات يمكنها أن تقف على أوجه إفادتها المتنوعة والعودة إلى المصادر القرآنية التي تثري هذا التنوع بداخلها، فقط تحتاج إلى اكتشاف وتنزيل في هذه الميادين.

 

 

 

[1] منير المرسي سرحان: في اجتماعيات التربية، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، ص183.

[2] سابيو محمد معروف:” مكونات علم الإنسان الإسلامي”، في: إسماعيل الفاروقي (محرر): العلوم الاجتماعية والطبيعية من وجهة النظر الإسلامية، الرياض، عكاظ للنشر والتوزيع، 1984، ص171.

[3] التيجاني عبد القادر: “المفهوم القرآني والتنظيم المدني: دراسة في أصول النظام الاجتماعي الإسلامي”، مجلة إسلامية المعرفة، العدد (15)، 1999، ص45.

[4] منى أبو الفضل: العلاقة الجنسية منظور قرآني، القاهرة، دار السلام، 2011، ص24.

[5] لويز لمياء الفاروقي: “النساء في المجتمع القرآني”، ترجمة: محمد رفقي عيسى، مجلة المسلم المعاصر، عدد (41)، يناير 1985، ص85.

[6] لويز لمياء الفاروقي: “النساء في المجتمع الإسلامي”، مرجع سابق، ص85.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page