حصريا

مع الأستاذة حنان لحام “صاحبة الـتأملات القرآنية والإشراقات التنويرية “-د. حجيبة أحمد شيدخ-الجزائر-

2 3٬253

حنان لحام سيدة فاضلة دمشقية سورية ، بحثت في العلوم الإسلامية وبخاصة التفسير والسيرة النبوية  وقضايا المرأة ، داعية معروفة ومربية رشيدة استطاعت أن تجد لها مكانا مرموقا بين المهتمين المجدين في تفسير القرآن الكريم ، كتبت في العلوم الإسلامية بما يخدم الإنسان والحياة ، فكل ما تكتبه يخدم الإصلاح الاجتماعي  ويهدف إلى التغيير الإيجابي ، امرأة كلامها ينبض حكمة ، تربت في مدرسة مالك بن نبي وجودت سعيد ،حين تكتب تنطلق من الواقع المعيش لتتدبر آيات القرآن فترجع إليه بالحلول الممكنة ، لا تخوض إلا فيما يعود على المجتمع والإنسانية بالخير ، اهتمت ببناء الإنسان فأشرفت على روضة للأطفال لتنشئتهم التنشئة الإسلامية المنشودة ،اهتمت بمدارسة وتدريس القرآن فأعطت دروسا راقية في  مقاصد القرآن والتفسير والسيرة النبوية  .

للأستاذة حنان لحام مؤلفات كثيرة في مجال الدراسات الإسلامية والقصة أهمها:

في التفسير: وضعت عدة كتب لعدد من سور القرآن ولازالت تعيد القراءة وتراجع ما كتبت وتثريه بأفكارها النيرة، ومن السور التي كتبت في تفسيرها وطبعت كتبا قيمة: البقرة، آل عمران، النساء، طه، هود، النور، الطلاق، الأنعام ، لقمان ، سورة يس.

وإذا حاولنا الوقوف مع خصائص تفسيرها للقرآن الكريم، وجدنا أهمها: الاهتمام بالمقاصد القرآنية وبخاصة في علاقتها بالتغيير في الفرد والمجتمع، ونلاحظ ربطها المستمر بالواقع المعيش وأزماته ، وهنا لا نجد أفضل مما قاله جودت سعيد في تقديمه لكتابها: ” تأملات في سورة المائدة” حين صدوره أول مرة سنة 1993م: ” أكتب مقدمة لتفسير سور من القرآن تكتبه أخت مؤمنة …مكافحة …أخت مجتهدة …أخت تبذل جهدا …أخت تعرف نعمة الله عليها وتتجرأ وتتجاوز حاجز الرعب حاجز المسكنة.. هل للمرأة المسلمة أن تفسر القرآن؟؟؟ …. إن الذين سيقومون بعملية تصنيف التفاسير في المستقبل سيجدون تفسير الأخت يقع بين التفسير بالمأثور، والتفسير بآيات الآفاق والأنفس، وسيدرك الناس في المستقبل ما بين الكلام والنص وبين الواقع الذي يتحدث عنه النص…وسيندهشون حين يكشفون هذه العلاقة المتينة والعلاقة الزوجية …”

_ مقاصد القرآن: وتعرضت فيه لمقاصد القرآن الكريم عن طريق تصنيف الآيات القرآنية حسب مقاصدها: مصالح للفرد، ومصالح للأمة ومصالح تهدف للارتقاء والتطوير ومقاصد لحفظ الدين، واتبعت الأمر نفسه مع الأحاديث النبوية وضرورة تفعيل هذه المقاصد بما يتناسب مع مستجدات الحياة.

_هدي السيرة  النبوية في التغيير الاجتماعي: وهو من كتب السيرة المهمة في حاضرنا، وتميزت الأستاذة في عرضها لدرس السيرة النبوية، بتركيزها على الأحداث المهمة، واستخلاص الدروس والعبر للاستفادة منها في التغيير الاجتماعي، لكي لا تبقى السيرة النبوية مجرد سرد للأحداث التاريخية مفرغة من روح التربية والتعليم.

_تأملات في منزلة المرأة في القرآن الكريم: وهو كتاب ماتع من أحسن ما كتب عن المرأة لأن الأستاذة حنان امرأة واعية بمقاصد الإسلام، وواعية بواقع التخلف الذي يمر به العالم الإسلامي والذي من أسبابه سوء فهم المسلمين لحقيقة المرأة في الإسلام، وليقينها أن أحسن من يتناول موضوع المرأة هي نفسها فهي أقدر على تذوقه وملاحقة أبعاده.

وكتب تربوية عن سير الصحابة والصحابيات منها: سمية بنت خياط، أم سليم بنت ملحان، أم حكيم بنت الحارث ..

ومجموعة قصص: ميلاد جديد، الشمس والريح، جيل العطش وأدرك شهرزاد الصباح، وسلسلة حكايات لأحفادي، صدر منها: من هو محمد، معارك النبي، نجاشي في كل عصر ” قافلة الحرية ” هل يستجيب أهل الطائف؟  رحلة فضائية، أهل المدينة يسبقون، الحب والتأديب، والحصار وصحيفة المقاطعة، الرفيق من جديد، الوداع، نعمة الذكاء بناء الإنسان الخليفة، كيف نتحرر من الخرافة، زدني علما، كيف نفعل العقول وهي مجموعة تربوية مليئة بالحكم.

ولها مقالات منشورة ومحاضرات منها : جودت سعيد داعية العلم والسلم، ومقال: من هم السفهاء؟؟ومحاضرة: صراع الفكرة والوثن عند مالك بن نبي ، وندوة المقاصد القرآنية في سورة الطلاق …

كان لي مع الأستاذة الفاضلة : حنان اللحام حوار ماتع هذا محتواه:

السؤال: اطلعت على سيرتك واستمعت إليك تحاضرين وقرأت بعض كتبك، أريد أن يعرفك القراء؟؟

أهلا وسهلا بك حبيبتي… أسأل الله أن أكون عند حسن ظنكم…وأشكر لك اهتمامك بالمرأة المؤمنة والفكر الإسلامي المعاصر…أنا من مواليد دمشق ١٩٤٣م بدأت حياتي رافضة للصورة النمطية التقليدية للإسلام وقد التبس علي الأمر فظننت أن الإسلام يفضل الذكر على الأنثى… ثم بدأت أرى في عائلتي شبابا ملتزمين ومتنورين مما دفعني إلى القراءة عن الإسلام … في البداية أعجبت بفكر أبي الأعلى المودودي وسيد ومحمد قطب… لم أتتلمذ على مشايخ وإنما حضرت دروسا لتيارات نسائية إسلامية وكدت أنخرط في الاتجاه الصوفي… لكن خالي ( منذر قحف ) وهو الآن دكتور في الاقتصاد الإسلامي عرفني على فكر الأستاذ جودت سعيد الذي عرفنا على مالك بن نبي عبر قراءة كتبه وتدارسها .. في الستينات من القرن الماضي كنت أواظب على حضور دروس التفسير التي كانت تقدمها ليلى سعيد – وهي تلميذة أخيها جودت سعيد – وقد كان لذلك أثر كبير في فهمي للقرآن وتطبيقه في حياتي … فقد كان التفسير يقدم بأسلوب علمي سنني لا يخلو من التأثير العاطفي…وكان موعد الدرس بالنسبة لي مقدسا أحصل فيه على غذاء روحي وفكري، وأهتم بكتابة معظم ما أسمع في كراس أراجعه بين فترة وأخرى… ولعل هذا ما ميزني عن باقي زميلاتي الحاضرات في الدرس … وكنت أقرأ باستمرار لما كان يظهر من فكر إسلامي وأسمع لكثيرين… لكن مدرسة جودت سعيد الفكرية هي التي شكلت قواعد فكري و حفرت معالم شخصيتي .. وقمت مع عدد من رفيقاتي بدراسة لسيرة النبي وتفسير الظلال وكتابي الصحيحين في الحديث النبوي… مما أعطاني زادا في الثقافة الإسلامية…

السؤال: ما رأيك أستاذة حنان في الدعوة إلى تفسير للقرآن خاص بالنساء من قبل الحداثيات؟؟؟

فيما يتعلق بدعوة الحداثيات إلى تفسير خاص بالمرأة… أنا لم أفهمه على أنه تفسير خاص بالمرأة…لكنها دعوة للمرأة المؤمنة أن تشارك في تدبر القرآن وتقديم ما فهمته هي أيضا… فقد طال الزمان على المسلمين ولم تساهم المرأة في الكتابة في هذا المجال.. والقرآن يدعو الجميع نساء ورجالا (أفلا يتدبرون القرآن)… ولا شك بأن هذا يقتضي من المرأة بذل الجهد والاطلاع على ما قدم المسلمون من فهم لكتاب الله…كما يقتضي منها أن تطلع على ما كشف من آيات الآفاق والأنفس وعلى ما نعانيه من أزمات ومشاكل في الواقع… فالأمر يقتضي القراءة الدؤوب والتفرغ والانفتاح… وإن الناس لن تتغير نظرتهم الدونية للمرأة حتى تقدم المرأة صورة محترمة عن نفسها واهتماماتها وحسن تفاعلها مع القرآن وحاجات الأمة.. على المهتمات بتفسير القرآن استحضار النصيحة التي قدمها والد محمد إقبال له عندما رآه يقرأ القرآن فقال: يا بني اقرأ القرآن وكأنه يتنزل عليك… القرآن يخاطبك شخصيا يا أختي المؤمنة كما يخاطب كل المسلمين…ليعلمنا الأسس الصحيحة للحياة الراشدة السعيدة والتي توصلنا إلى الفوز في الآخرة… والقرآن لا يعطينا حلا مباشرا لمشاكلنا في كثير من الأحيان، وإنما يحدد لنا القواعد التي نلجأ إليها لإيجاد الحلول… هذه القواعد هي المبادئ العليا والمقاصد من الشريعة… ولن نستطيع إيجاد الحلول ولا معرفة حكم الله فيما يعترضنا في حياتنا المعاصرة إن لم نتشبث بالمقاصد .. بل سنغرق في السطحية والحرفية في تناول الآيات… ولا بد من القراءة الدؤوبة لما كتب في التفسير، وتعويد الفكر على الانفتاح ومناقشة ما كتب والتحرر من التشخيص الذي يجعلنا نقبل فهما معينا لأن فلانا قاله

السؤال:سيدتي نلاحظ انتعاشا للحركة النسوية في واقعنا بكل توجهاتها، ما رأيك في الحركة النسوية في عالمنا الإسلامي والعربي؟؟؟

الحركة النسوية في مجتمعنا الإسلامي يغلب عليها التقليد لما يجري في العالم الغربي.. وهي ردة فعل لما عانت المرأة من ذكورية وتهميش … لكنني أرى أنها لم تحل المشكلة في عالمنا، بل ربما زادت الأزمة احتداما لأنها أثارت صداما عقيما بين الرجل والمرأة

فهي في العالم الغربي تعاكس كامل مع الذكورية… فكما أن الذكورية تلغي كيان الأنثى ودورها الجليل في المجتمع … فإن النسوية تصدت لها بتهميش دور الذكور وإلغاء الحاجة لوجودهم … إنه صراع عقيم يعاكس الفطرة فقد خلق الله الكون من ذكر وأنثى فهما جنسان ولا جدوى من جعلهما جنسا واحدا… جنسان متكاملان في الأدوار والوظائف… لا غنى لأحدهما عن الآخر…وعلاج الغلو عند أحدهما لا يعالج بغلو آخر… ولا شك بأن الذكورية والنسوية تمهد الطريق للشذوذ الجنسي وتولده…

السؤال : من يقرأ لك يشعر أنك تنتمين إلى مدرسة مالك بن نبي ، فهل التقيت به ، وهل تتلمذت عليه ؟؟؟

في السبعينات زار مالك بن نبي دمشق واستقبله جودت سعيد وتلاميذه… ونزل ضيفا عند الأستاذ وعند بعض التلاميذ…وقد كان من فضل الله علي أن حل ضيفا عندي لعدة أيام واستمتعنا بصحبته الراقية…

نعم أعتبر نفسي من تلاميذ مالك بن نبي وإن لم أدرس كتبه بالشكل الكافي…لكنني استفدت من بعض القواعد التي تعلمتها منه وأثرت في فهمي للأمور وفي الطريق الذي انتهجته… مثل فكرة أن الحقوق هي الثمرة الطبيعية لأداء الواجبات… وفكرة أن الاستعمار ما كان له أن يؤثر فينا ويخرب لولا إصابتنا بالقابلية للاستعمار فالأمر (من عند أنفسكم) ولقد أضاف مالك للفكر الإسلامي إضافات مهمة من مثل دراسته عن الدورة الحضارية وتحليلها إلى عناصرها الأساسية.. وعمق فهمنا للآية (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)… وقد أكد بعقليته العلمية فكرة السننية وكيف أن إخلاص المسلمين وحده لا يكفي ولا بد من كشف القوانين والسنن والقيام بالأسباب…ومن المؤسف أن المسلمين لم يدرسوا فكر مالك كما ينبغي.. وبالتالي لم تحصل الفائدة المرجوة من فكره …

السؤال : ما رأيك في النخبة في العالم الإسلامي وهل تؤدي دورها كما ينبغي ؟؟

أقول بأسى: لقد أثبتت الأحداث التي جرت في عالمنا في القرن الواحد والعشرين أنه لا يوجد لدينا نخبة بالقدر الكافي…لا كما ولا نوعا… النخبة يفترض بها أن تكون قد درست أمراض الأمة وعرفت العلاج ووضعت الخطة اللازمة لتعميم هذا العلاج…لكننا رأينا من كنا نظنهم نخبة وقد تاه فكرهم وجرفهم الحماس وراء صنم القوة حتى أوردوا الأمة إلى المهالك.. وبدلا من أن نتقدم على درب النهضة… رأيتنا نتراجع ونخسر مواقع طيبة كان بعض الصالحين قد وصلوا إليها.. لست متشائمة…لكن لعل الله أراد أن يكشف لنا الطرق الفاشلة بعواقبها الوخيمة… ولعل الجيل القادم من الشباب المفكر والمجتهد قد تعلم دروسا مفيدة تساعده على التخطيط للنهضة بإذن الله

السؤال: عرفت أنك كنت مهتمة بدور الأطفال وكتبت كثيرا لهم . ما السر في توجهك لذلك؟؟؟

سر اهتمامي بالطفولة لأنني آمنت بأن التغيير ينبغي أن يبدأ من الأطفال وتشكيلهم على نمط جديد من التفكير والتعامل.. كما أن بناتي كن يشتكين من عدم توفر روضات ومدارس جيدة لأولادهن.. وهذا ما جعلني أقوم بدراسة عن الأمر وأحضر له إلى أن افتتحت روضة نادي الطفولة في ١٩٩٣م وقد دربت بعض الصبايا على العمل معي ملتزمات ب: أسلوب الحب في التعامل مع الأطفال ومنع أي عنف معهم.. غرس محبة الله والأخلاق الطيبة في نفوسهم، وتدريب عقولهم على الانفتاح والتعلم التفاعلي… وقد نجحت الروضة بشكل جيد بتحقيق أهدافها وأضيفت إليها المرحلة الابتدائية.. لكنها أغلقت مع الأسف في عام ٢٠١٢ بسبب الظروف السياسية…

أشكر اهتمامك أختي حجيبة، وأشكر لك استضافتك وحسن ظنك وأتمنى أن أكون قد أعطيتك ما تريدين من أجوبة وأفكار..

وختاما :  حياكم الله ” فريق آصرة ” يامن تبذلون جهدا لتغذية العقول وإعادة الأمة إلى رشدها .. أسأل الله لكم الرشاد والسداد والعون على الاستمرار بإصرار في هذا الدرب الشائك .. والله يرعاكم ويمدكم بمدد من عنده ..  والحمد لله أولا وآخرا.

 

  1. عائشة الإدريسي يقول

    ماشاء الله …جوار ماتع …جعلني شخصيا أطمئن على رؤيتي للامور حين أكتشف أكتشف أنني أتشارك مع هذه السيدة النبيلة معان ورؤى واهتمامات …أرجو أن يوفقنا الله للسير في خطاها…بورك فيكم جميعا

  2. صباح بن سالم يقول

    حوار ماتع نافع كان فرصة للاقتراب اكثر من الاستاذة حنان اللحام واهتماماتها الفكرية والدعوية جزاكم الله خيرا الدكتورة حجيبة على هذا الحوار الهادئ والمقابلة الثرية حفظكم الله جميعا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page