حصريا

في ذكرى ابن باديس: تعليم المرأة بين الأمس واليوم-دة. حجيبة شيدخ-الجزائر-

0 851

في ذكرى ابن باديس : تعليم المرأة بين الأمس واليوم

لجمعية العلماء المسلمين دور كبير في النهوض بالمرأة، وكان بادئ الأمر التأكيد على التعليم الذي كان مفقودا في ذلك الزمن، إذ عاشت الفتاة في الجزائر محرومة من  التعليم وحتى إذا تعلمت بعضهن في المدارس الفرنسية فإن ذلك النوع من التعليم لا يفيدها ولا يفيد مجتمعها وإنما كان موجها توجيها غربيا .

كان افتتاح جمعية العلماء المسلمين لأول مدرسة عربية في تلمسان لتعليم الفتيات حدثا مميزا بالنسبة لهن وللمجتمع الجزائري ،عشت الحدت مع مقالين لاثنين من الذين كانوا يكتبون بالبصائر وهما :زليخة إبراهيم عثمان، والتي أصبحت فيما بعد من معلمات هذه المدرسة وعنونت مقالها ب : “حفلة افتتاح مدرسة عائشة الخاصة بالنساء في تلمسان”

والمقال الثاني لحمزة  بوكوشة وعنونه  ب:” أول مدرسة عربية للمرأة المسلمة بالجزائر مدرسة عائشة بتلمسان ”    تحدثت زليخة عن قيمة المرأة في الإسلام وما قدمته من بطولات ، وعن تأخرها في واقع الجزائريين ، وأكدت أن التعليم هو الذي ينتشلها من الضياع والتبعية ،وهو الذي يرفع من مستوى الرجل والمرأة ويكون منهما زوجين صالحين لمسايرة ركب الحياة ، ونقلت تفاصيل الحفل ، واستقبال الشيوخ في بهرجة جميلة ترجع بك إلى احتفاء الفتيات بالعلم بعد عطش كبير ،وختمت كلامها بالشكر للجمعية والقائمين عليها : “حياك الله وبياك  أيتها الجمعية فلولاك ما كنا لنبصر النور أو نرى الضوء ، أو نتنسم نسيم الحياة ولولاك لبقيت المرأة الجزائرية نسيا منسيا في الحياة وبعد الممات “[1]

ونقل الحفاوة نفسها حمزة بوكوشة في مقاله ،وأكد أن الاهتمام بتعليم الفتيان دون الفتيات لن يحقق المطلوب ، إذ أن المرأة متممة للرجل والرجل متمم للمرأة ، وذكر أن بعض التافهين الذين تحذوهم الشهوات ظنوا أن حجاب المرأة هو الذي أخرها فحاموا حول القشور وتركوا اللب ، وعموا على أن المرأة في حاجة إلى العلم ، فإذا أخذت حصتها منه استطاعت أن تختار لنفسها بنفسها ، فتسلك سبيل عائشة أم المؤمنين أو عائشة بنت طلحة ، وتنظر لنفسها على ضوء المصلحة التي يقرها الدين ويملي عليها أي السبيلين أهدى وأجدى  [2]،ومما ورد في المقالين أن المدرسة أسست بالقرب من مدرسة الفتيان ، و هذه رسالة من الجمعية للتأكيد أن التعليم حق يشترك فيه كل من الرجل والمرأة.

لقد سجل التاريخ لابن باديس أنه  حين أنشأ أول مدرسة “جمعية التربية والتعليم للبنات “سنة 1931م بقسنطينة كان يدور على المتاجر من أجل جمع الاشتراكات والإعانات ،   وهذا العمل لا يقوم به إلا رجل رسالي ارتشف بعمق من خصال النبوة، ومن المسائل التي أهمته فيما بعد، مستقبل الفتيات المتخرجات من هذه المدارس إلى أين يتوجهن، ففي الوقت الذي كانت تفتح فيه الأبواب و الآفاق للطلبة  لمواصلة التعليم كانت الفتيات ترجعن إلى البيوت تنتظرن المصير المجهول إما بالزواج أو الاستسلام لروتين الحياة ، وأي حياة كانت في ذاك الزمن تحت قهر المستعمر؟ ففكر ابن باديس في إرسالهن إلى الأزهر وحصلعلى موافقة الحكومة المصرية لتمويلها و دعمها بفضل تدخل شخصي للأمير شكيب أرسلان،أما توجيه الطالبات إلى سوريا فقد كانت له مراسلة للسيدة “عادلة بيهم ” من أجل استقبالهن  في مدرستها ” دوحة الأدب ” ووافقت على ذلك إلا أن ظروف الحرب ووفاة ابن باديس فيما بعد حالت دون ذلك .

ولم يقتصر اهتمام ابن باديس بالبنات فقط بل ،أحدث دروسا للوعظ خاصة بالنساء بالجامع الأخضر، عرفت إقبالا كبيراً حتى اكتظ المسجد بهن، و كانت هذه الدروس تتناول واجبات المرأة المسلمة نحو بيتها و أولادها و زوجها، و نحو دينها ووطنها، و كثيرا ما كان يصطحب زوجته إلى هذا الدرس و يجلسها بقربه لأجل كسر باب الخجل أمام استفسارات و أسئلة النِّسوة.[3]

كانت الفتيات تتألمن لوضعهن ، أي الرجوع إلى البيت بعد انتهاء مرحلة الدراسة في جمعية العلماء المسلمين ، وكانت زهور ونيسي من اللاتي كن  يكتبن متذمرات من هذا المصير ، ونقلت آلامها في مقالاتها ، وكانت شجاعة في الرد على الذين يرون أن المرأة لا يهم أن تتوغل في مجال طلب العلم ، بل تكتفي بما يساعدها على القراءة والكتابة ، والقيام بشؤون بيتها وكفى ، وردت على واحد من هؤلاء[4] بمقال بعنوان : “صوت المرأة ” تحدثت فيه عن حق المرأة في طلب العلم ، و حق الفتاة في استشارتها في الزواج وعدم تزويجها في سن مبكرة ، لقد اعتبرت إرجاع البنات إلى البيوت بعد أخذ حظ قليل من العلم ، ذبول لهن وقضاء عليهن ,إن ما كانت تكتبه زهور ونيسي في مقالاتها يتحدث عن وعي خاص واستشراف للمستقبل برفض الواقع الذي قتل نساء الجزائر وبناتها في زمن كانت فيه المرأة في المشرق والغرب تعرف انطلاقا ملحوظا …ورأت في الدعوة إلى اكتفاء الفتيات بالكتابة والقراءة ، قسوة كبيرة من صاحب المقال وغيره من الرجال تقول : ” وما تصرفكم هذا إلا قسوة على المرأة التي فطنت إلى حقها المهضوم ، ولن تتأخر خطوة واحدة عن المطالبة به وهي دائما إلى الأمام “.[5]

تنقل لنا البصائر والشهاب وغيرها من وسائل الصحافة التي كانت تصدر قبل الثورة وأثناءها اهتمامات المرأة وقد كانت حينها تكاد تقتصر على طلب الحق في التعليم ، والحقيقة أن هذا الحق يعتبر المفتاح للانطلاق لتحقيق باقي الحقوق ، فالتعليم هو الذي يفتح الأبواب المغلقة وينطلق بالأمم إلى الريادة …

في حاضرنا استطاعت المرأة أن تحقق الأهداف التي كانت تراها بعيدة ، ونالت الحق في التعليم وحققت أعلى الشهادات ، ونافست الرجل في أعلى المناصب ، ولكن هل كل النساء المتصدرات للمشهد رساليات ؟؟ واٌقصد بالرسالية تبني المشاريع التي تخدم الأسرة والمجتمع ؛ فالحقيقة أن مجتمعنا لازلت تتجاذبه التيارات المختلفة ولذلك فالجهود لابد أن تكون مكثفة لتحقيق الهدف المنشود، إذ لازالت نساء تتبنين مشاريع الثقافة الغربية تتصدرن المشهد وتتحكمن في كثير من أمورنا، أو تدعمن من ينحون طريق الإصلاح بالمناهج الغربية …ومن هنا تأتي ضرورة استشراف المستقبل والعمل على نشر الثقافة الإسلامية ، وإيجاد المرأة المسلمة المفكرة التي تكون لها بصمة مميزة في مجال الإصلاح ، إن التفكير فريضة إسلامية على المرأة والرجل كليهما ، وكلاهما له الحق في التخطيط لكيفية النهوض بالمجتمع ، والمرأة إذا كانت مفكرة  ستكون أقدر على معالجة قضاياها وقضايا الأسرة عموما ، ولا يعني هذا أن تكون مفكرة في المجال الأسري فقط ، وإنما تخصيص ذلك لأنه الأقرب إلى اهتماماتها ، والمجال مفتوح لها بالضوابط الشرعية المتعارف عليها  .

 

 

 

 

[1]_ زليخة إبراهيم عثمان ، حفلة افتتاح المدرسة الخاصة بالنساء في تلمسان ،العدد 192 ،م4.

[2]_حمزة بوكوشة ، أول مدرسة عربية للمرأة المسلمة بالجزائر مدرسة عائشة بتلمسان ،البصائر العدد 191، ص8 ،م 4 ص92

[3]_عبد المالك حداد ، الشّيخ ابن باديس رائد تعليم البنات ونصير حق المرأة  ، موقع نظرات ـ نت  2نوفمبر 2016.

[4]– صدقاوي ، ملاحظات ، البصائر  العدد 357ص3 م 8ص 299،

[5]_ زهور ونيسي ، صوت المرأة ، البصائر العدد 359ص ،3 م 8 ص315

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page