عطاء الأم الفلسطينية في الأسرة المسلمة في ظل الاحتلال
د. نجوى شكوكاني -استنبول- تركيا
تأتي هذه الكتابة لتأكيد سنن الله في الإنسان والكون في كل زمانٍ ومكان، فما دامت الأسرة تحققأهدافها لتكون نواة بناءٍ وانطلاقٍ للمجتمع، وما دامت الأم تتحلى بأرفع الأخلاق وأنبلها كما شاء الله لها أن تكون، فسنجد صوراً غايةً في الروعة يتجلى فيها الصبر والعطاء والاحتساب.وهذا الموضوع يشير إلى ذلك النموذج من أجلإدراجه تحت مسيرةٍ من العطاء والتضحية والصبر تعلمناها من أمهاتنا الأوائل عبر تاريخنا الإسلامي. كما أودّ تأكيد حقيقة طبيعة أمة الإسلام؛ فعلى الرغم مما أصابها من نكباتٍ وضعفٍ وفساد إلا أن النماذج المشرقة تتولد من رحم المعاناةلتكمل مسيرة البشرية في تمسكها بعقيدتها ومنهجهاوسمو أخلاقها. فتوقفت عند أمهاتٍ تعيش بيننا مصابها الجلل،ونسمع تأوّهاتهنّ تتردد فيها عبارات التبجيل للواحد الأحد في عبارات الاحتساب والتوكل عليه سبحانه، والحوقلة التي تزيدهنقوةً وأمناً وطمأنينة. نعم رأيت أن المشهد لا يزال يتكرر عبر تاريخ المعاناة والتضحيات في أمتنا الإسلامية ليكونوا مشاعل تنير درب آجيالٍ ويكونوا أساطير تتردد على ألسنة الأبناء والأحفاد. قد نغبن تلك النماذج بقصور النظر،لكنهن يستحقن الأكثر، فتلك الأمهاتلم تقدم ذلك الصبر والتضحية لأنه واجب وطنيةٍ أو نداء أمومةٍ وحسب، لكن الدائرة تتسع والنظرة تتعدى كل ذلك إلى مسيرة أمةٍ أطلّلت بأمجادها عبر التاريخ الإنساني بما صنعه أولئك النماذج الأبطال، فكانت أم الأسير الفلسطيني مشعل الماضي الحاضر.
إن آصرة الأسرة لا تقتصر على رفد أفرادها بكل معاني المحبة والعطاء والتكافل فيما بينها، بل إن أثرها يتعدى الحفاظ على الكيان الاجتماعي إلى الحفاظ على كيان الأمة،وهناك صوراً تتجدد عبر التاريخ الإسلامي لذلك العطاء الأسطوري والتضحية السامية النبيلة. فقد كانت الحكمة الإلهية وراء بناء أسرةٍ لتكون الرابطة الأسرية هي حجر أساسٍ لبناء مجتمعٍوإقامة أمة، ولولا تلك الآصرة لفقد المجتمع الكثير من ثوابته وأخلاقه، مما سيؤول به إلى الضعف والهوان والفساد.
تمثلت الأسرة المسلمة في عطاء أمٍ وأبٍ بلا حدودٍ، وبصورةٍ تبرز أخلاقاً ساميةً من الصبر والتضحية والإيثار. ولو تأملنا في تلك المعاني الجميلة لمعاملات أفراد الأسرة المسلمة سنجدها لن تتسامى إلا برافد الإيمان واليقين بالله عز وجل.
ولا يخفى الدور الرئيس الذي أولاه الإسلام للوالدين في بناء أفراد الأسرة في كل مناحيها النفسية والتربوية والاجتماعية، لكن الدور المباشروالأعظم قد حملته الأم في مواجهة المحنوالتحديات والبلاءات للأمة على جميع الأصعدة، وكأنها خط الدفاع الأول للحفاظ على الأسرة والمجتمع والأمة، ذلك من خلال تعاملها والمنهج الذي آمنت به وسلكته.ولا تزال تعي وظيفتها على الرغم مما تعرضت له الأسرة المسلمة في العصر الحديث من غزوٍ فكريٍ[1] أدى إلى إضعاف خلق الفرد المسلم المميز ليحيله إلى الأنانية وحب الذات، وعدم القدرة على التحكم بسلوكه ونفسه، وخروجه عن الخلق السويواللياقة، ذلك الغزو الذي عمل على القضاء على الأسرة باعتبارها الحصن الأخير لإزالة مظاهر الحياة الإسلامية، إلا أن الأسس[2] التي أرسى قواعدها الإسلام لقيام النظام الأسري من المودة والرحمة والتكافل والخلق الرفيع كان لها أشد الأثر في النفوس في كل زمانٍ لمغالبة أشق البلاءات والظروف.
إن دعوة الاسلام إلى العطاء والتضحية والصبر على البلاء، ميّزت الأم المسلمة عن غيرها،قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:1،2].وقدحفل القصص القرآنيوتاريخنا الإسلامي بعطاء أمهاتٍ صابراتٍ محتسباتٍ تعرضن للبلاء في مناحي مختلفةٍ في حياتهم كأمثال أم موسى عليه السلام، وأم مريم،والسيدة خديجة رضي الله عنها، وأسماء بنت أبي بكرٍ التي احتسبت ابنها عبد الله بن الزبير بقولها “وعند الله تجتمع الخصوم”، بعد أن قتل مصلوبًا في فترة الفتنة في عهد بني أمية.وفي القادسية كانت الخنساء مع أبنائهـا الأربعة، تزحف مع الزاحفين للقاء الفـرس وتحثهم على الجهاد والتضحية والمصابرة حتى تلقت النبأ باستشهـادهملتقول: “الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مُستقرِ رحمته”.
وتستمر مسيرة العطاء ما دام قلب الأم ينبض بذكر الله يقيناً وتوكلاً عليه. وفي العصر الحديثورغم انغماس المرأة المعاصرة بشتى ألوان المغريات من زينةٍ ولباسٍ وسفرٍ ولهو،إلا أن أم الأسير الفلسطينيأثبتت للعالم والتاريخ سموّها بصبرها واحتسابها،في ظل احتلالٍ ظالمٍ طاغٍ، وهي تطلّ بتميّزها وكأنها نذرت نفسها لإنجاح رسالةالعطاء والجهاد مع أفراد أسرتها فكانت نعم السند ونعم النصير المعين لهم. إن حضور المرأة المسلمة في أحلك الظروف تحت ظل الاحتلال الإسرائيليلفلسطينفي زماننا هذا،يعطي أروع الصور في التضحية والمعاناة والاحتساب والعطاء، مما يستحق وقفة تأملٍ من المؤلفين والعلماء، فتلك النماذج النادرة ينبغي أن تسطّر وتُدرج في تاريخ الإنسانية.
وفيفلسطين برزت مئات النماذج لهذا العطاء، منذ بداية الاحتلال إلى يومنا هذا، ولا تزال تلك المعاناة بحجم ذلك الظلم التعسفي من المحتل. فهناك أم الأسيرة الشابة، وأم الأسير الطفل الغلام، وأم الأسير الشهيد، والكثير كن أمهاتٍ لعدة أبناءٍ أسرى أو شهداء، حتى جمعت بمحنتهابلاءاً فوق بلاء، ولا يتسع المقام هنا لسرد كثيرٍمن روائع المواقف أثناء قصص الصامدات الصابرات عبر عشرات السنين منذ نكبة عام ثمانيةٍ وأربعين وحتى قبل ذلك إلى الآن والتي جمعت في مجلداتٍ لتثبيت تاريخ حركة الأسرى وجهادهم في هذه الحقبة.وأكتفي بالإشارة إلى بعضها.
فهذه قصة الأسير المصاب بالسرطان ناصر أبو حميد والبالغ (49)عاماً من مخيم الأمعري في مدينة البيره_ رام الله، والمعتقل منذ تسع سنواتٍ والمحكوم بالسجن المؤبد سبع مراتٍ وخمسين عاماً، والدته الملقبة بسنديانة فلسطين، تروي عن حالته وهو في غيبوبةٍ منذ ثماني أيامٍ داخل مستشفى يتبع سجون الاحتلال، وقد أصيب بالتهابٍ حادٍّ في الرئتين نتيجة تلوثٍ جرثومي، ويعيش على أجهزة التنفس الاصطناعي، نتيجة الإهمال الطبي والقتل البطيئ من المحتل. ويتجلى عطاء هذه الأم وصبرها؛ بأن ابنها هو من بين خمسة أشقاء يواجهون الحكم بالسجن أيضاً مدى الحياة في سجون الاحتلال وسادسهم هو الشهيد عبد المنعم. ويزيد في معاناتهاحرمانها من زيارتهم منذ أعوامٍ، وقد توفي والدهم أيضاً خلال اعتقالهم، وتعرض منزلها للهدم خمس مراتٍ كان آخرها عام 2019م[3].
وهذا الأسير كايد الفسفوس البالغ (31) عاما، من مدينة دورا في الخليل، والمضرب عن الطعام منذ (111) يوماً رفضاً للاعتقال الإداري، مع أن هذا الاعتقال مدته ستة أشهر لكن قابلةً للتمديد دون سببٍ، ووالدته تناشد بممارسة الضغوط على المحتل لتفرج عن إبنها حياً. ومما يزيد في معاناتها أن أبنائهاالستة أيضاً معتقلون وقد أمضوا أكثرمن خمسين عاماً في سجون الاحتلال،وتوفي والدهم أيضاً وهم في السجن[4].
وكذلك صرخت مجدولين أبو عطوان أم الأسير الغضنفر أبو عطوان (28) عاماً، المعتقل الإداري بدون محكمة،لتقول: “أريد إبني حياً مش في تابوت”. وهي تعيش حالةً نفسيةً صعبة بسبب قلقها المتزايد على حياة إبنها المضرب عن الطعام في سجون الاحتلال منذ(64) يوماً، وقد تصبرت أمامه لتعطيه القوة والثبات، فتقول: “قرأت القرآن ودعوت له لتغيير الأجواء، لكن قلبي يتقطع ودموعي تنزل..نفسي أفرح فيه وأزوجه ويعيش حياته كأي شاب..ونحن أيضاً مضربون عن الطعام دعماً لإبني حتى نشوف كيفية المعاناة اللي يعيشها”، كما أقامت خيمةً أمام بيتها لاستقبال المتضامنين، وقد وصفت أخته حالته السيئة من عدم قدرته على تحريك قدميه، وشعوره الدائم بالصداع الشديد، والألم في ظهره ومعدته، والفقدان المتكرر لوعيه، مع الصعوبة في التكلم[5].
أما والدة الأسير نعيم الشوامرةوالبالغة (80) عاماً من مدينة دورا في الخليلوالمحكوم إبنها بالسجن المؤبد ثلاث مرات، والمضرب عن الطعام منذ (28) يوماً،كانت شاركته الإضراب أربعة أيامٍ إلا أن شدة المرض منعها من الاستمرار في ذلك، تلك الأم الصابرة مرّت خلال عقدين بمحطاتٍ قاسيةٍ بسبب عدم تضمين ابنها في صفقة التبادل التي خرج فيها شريكه في النضال نيف الشوامره، مما زادها حزنا وألجأها للاعتكاف في بيتها في حالةٍ تشبه الحداد، كما عانت كثيراً كلما زارته في سجنه بسبب وضعها الصحي في رحلةٍ وصفتها بأنها ضربٌ من العذاب بسبب المعاملة القاسية والمذلة وإجراءات التفتيش المهينة من المحتل على المعابر، والتي لم تكملها في كثير من الأحيان بسبب محاولات إجبارها على خلع حجابها، وفي أكثر من عشرين مرةٍ تمنع من رؤيته بعد وصولها له بسبب العزل الإنفرادي له، كما زاد في همها قيامها على أولادها الأيتام، تلك المشكلة التي تعاني منها الكثير من أمهات الأسرى، فغياب الآباء يترك أثره النفسي على الأبناء الذين يشعرون بالأسى كلما شاهدوا نظراءهم الأطفال يحتضنهم آباؤهم، إضافةً إلى ضعف الرغبة أحياناً في التعلم ومخالطة الناس، وهذا يزيد الأم غماً على غم[6]. وتبقى مسيرة الصبر والعطاء بقصصٍ كثيرةٍ تمتد باستمرار البلاء إلى أن يأذن الله بفرجه ونصره.
تلك أم الأسير الفلسطيني نموذجٌ لا يزال يثبت حقيقة الإيمان وحقيقة الوحي وحقيقة الثبات على المبدأ والتمسك به هكذا أرادها الله. أراد للأم الدور العظيم في تثبيت نواة المجتمع الأسرةوفي تربية الأبطال والصبر على المحن والبلاء فيهم، أرادها أن تعلو على الدنيا ومغرياتها في زمانٍ عزّ فيه الإيثار والصبر والعطاء.
[1] انظر: محمد قطب: واقعنا المعاصر، (السعودية، جده: مؤسسة المدينة، ط2، 1408ه)، ص195.
[2]انظر: محمد خلف نبي سلامه وخلوق ضيف الله أغا، نظام الأسرة والمجتمع في الإسلام، (عمان: دار الفكر، ط1، 2015م)، ص10.
[3] انظر: الموقع الألكتروني، الجزيرة مباشر، دموع (أم ناصر) تزلزل فلسطين، 12ـ1ـ2022.
[4] انظر: الموقع الألكتروني، شبكة مواقع الأناضول، والدة الأسير الفسفوس: أريد إبني حياً وليس شهيداً، 2ـ11ـ2021م.
[5] انظر: الموقع الألكتروني، القدس العربي، الأناضول، عوض الرجوب، صرخة أم أسير فلسطيني: لا أريد عودة إبني في تابوت، 7يولو 2021م.
[6] انظر: الجزيرة مباشر، عوض الرجوب، معاناة أم أسير فلسطيني، رام الله، 16ـ5ـ2012م.