حصريا

هواجس قيمية : الأسرة المسلمة وفوضى الأولويات-أ.سامية مازوزي-الجزائر-

0 793

 

الأسرة المسلمة وفوضى الأولويات

هواجس قيمية:

أ.سامية مازوزي      جامعة الجزائر 1

لعل الأسرة هي أصغر مؤسسة اجتماعية ذات سلطة، ففي كنفها يعيش الفرد ضمن منظومة بسيطة من القيم والقوانين الملزِمة التي يفرضها عقد ضمني تواضع عليه البشر مذ خلق الله آدم وحواء ودفع بهما إلى الأرض ليُكوّنا النواة الأولى للمجتمع الإنساني.

لا يستطيع الإنسان أن يعيش عيشة سوية خارج إطار الأسرة، ولا يمكن لشخصيته أن تنمو نموا سليما بعيدا عن أطر القيم التي تحمي الأسرة كمؤسسة. لكن هذه القيم قد لا يضيعها التخلي بقدر ما تضيعها فوضى الأولويات. ولكي نفهم أسباب هذه الفوضى وتداعياتها على الأسرة والمجتمع يجب أن نحدد مفهوم فقه الأولويات والآلية التي تحركه ليخلق النظام المتكامل المنشود.

ورد أن فقه الأولويات هو “العلم بالأمور التي ثبت لها حق التقديم وفق الأدلة الشرعية”[1]؛ وهي مسألة مهمة تؤكدها في أبسط صورة الأحكام الشرعية التي ميزها التصنيف السُّلمي من الواجب إلى المحرم. ويؤكدها ترتيب أركان الإيمان وأركان الإسلام ترتيبا يكشف عن نظام رصين من الأولويات، ويكشف في ذات الوقت عن تكامل يربط هذه الأولويات نفسها في انسجام فريد.

الامتحان الأول

لم يكن مقدرا لآدم وحواء عليهما السلام أن يُنشئا أسرة في الجنة حيث الدعة والأمان والعز، بوعد الله لهما: (إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تعرى وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تضحى) (طه: 118-119)، وإنما الشقاء توصيف لحال الدنيا، دار الكد والتعب والنصب والفناء، لما ينال فيها المرء من مسؤوليات وتكاليف وهموم. فبناء أسرة مسؤولية ثقيلة تستغرق الوقت والجهد والعمر كله، مهمة ليس فيها ساعات راحة ولا أيام فراغ، مهمة فيها الكثير من الحرمان والشقاء.

قال ابن كثير: ” إنما قرن بين الجوع والعري; لأن الجوع ذل الباطن، والعري ذل الظاهر”[2] وفي الخطاب تعليل للشقاء المترتب على الخروج من الجنّة، فقد كانا ممتعين في الجنة برفاه العيش من مأكل وملبس ومشرب واعتدال جوّ لذا كان خروجهما منها مقتضياً فقدان ذلك كله[3].

ولعل آدم عليه السلام فقد ميزان الأولويات حين عصى ربه وآثر عرضا قريبا فضيع جنته. كان خيارا خاطئا نابعا من سوء تقدير للأولويات. وكذلك الأمر مع قضايا الحياة؛ مجموعة خيارات خاضعة لميزان محكم من الأولويات. ومن المؤسف أن معظم الأولويات تأتي معها متع آجلة، ومعظم الخيارات الخاطئة يكون وراءها سعي لا طائل منه وراء متع عاجلة. “كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة” (القيامة:20-21).

الفرد بين التحرر والالتزام

لا شك أن هناك اختلافا بيّنا بين الأسرة الغربية والأسرة المسلمة من حيث المخرجات، فالأولى تسعى لصناعة فرد حر قادر على تحقيق ذاته، والثانية تسعى لصناعة فرد ملتزم يسهم في تحقيق خيرية الأمة.

فالفرد في الأولى تحركه “دعه”؛ دعه يعمل، دعه يمر، دعه ينطلق … وحياة الفرد في المجتمع الغربي في كنف أسرته قصيرة الأجل، بحيث يتم إعداده ليحقق الانفصال عنها بمجرد أن يصل إلى سن الرشد، هذا السعي نحو الانفصال المبكر يفقد الأسرة سلطتها على الفرد لأنه ينشأ كما نشأ آباؤه على مبادئ تقدس الأشياء وتسعى لامتلاكها، وترى فيها الغاية والوسيلة.

أما الفرد في الثانية فتحركه “خيركم”. ولعله يمكننا إحصاء النصوص في القرآن والسنة التي حددت أسس الخيرية في الفرد والأمة، “خيركم من تعلم القرآن وعلمه”[4]، “خيركم خيركم لأهله”[5]، “خيركم من طال عمره وحسن عمله”[6]، “خير الناس أنفعهم للناس”[7] هذا التسابق نحو التفوق الفردي هدفه تحقيق خيرية الجماعة، فخيرية الفرد منوطة بخيريته في جماعته وفقا لقوله تعالى: “كنتم خير أمة أخرجت للناس” كيف؟ “تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله”. المسلم وفق هذا مرتبط بأسرته مرتبط بجماعته ليس ضمن منظور نفعي شيئي، إنما ضمن منظور قيمي؛ وبالتالي فالمسلم كائن تنشئه القيم ويحيى بها، ليحقق الخيرية والشهود الرسالي المنوط به.

كان المفكر مالك بن نبي سباقا لعقد هذه المقارنة، بين الإنسان الغربي والإنسان المسلم في كتابه (مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي)، بحيث وضع موازنة بينهما من خلال نموذجي روبنسون كروزو للكاتب دانيال ديفو وحي بن يقظان للفيلسوف ابن طفيل، ففيما كان الأول يسعى في جزيرته المعزولة لإيجاد طريقة لصناعة المائدة والسكين والفأس، كان حي بن يقظان وفي نفس ظروف صاحبه مشدودا لمعرفة حقيقة الموت والخلق والخالق. وخلص بن نبي في النهاية إلى تشخيص واقع المسلم المعاصر الذي تحول من الفكر القيمي إلى الفكر الشيئي، بسبب الفوضى التي غلبت على أولوياته. هذه الفوضى التي بدأت من الأسرة وامتدت عبر سلوكات أفرادها وخياراتهم إلى مفاصل المجتمع والأمة.

مظاهر الفوضى

من المظاهر الغريبة لفوضى الأولويات، أن المسلمين في زماننا درجوا دون وعي على إعادة ترتيب أركان الإسلام، بحيث نجد الأسرة تحرص على صوم رمضان أكثر من حرصها على الصلاة، فبعضهم لا يعزم على أبنائه في الصلاة كما يفعل في الصوم، بل قد ترى الولد لا يلام على سب الذات الإلهية وما يترتب عنها من ردة وكفر كما يلام إذا أفطر متعمدا في نهار رمضان. بل إن حرمة رمضان أهم من حرمة الصلاة وكلمة التوحيد. بل إن التكاليف الدينية ككل لا ترقى إلى مستوى التكاليف والواجبات المدرسية، إذ من الوارد أن توقظ الأم أبناءها للمراجعة للامتحانات في البكور أو حتى وقت السحر، لكنها تشفق عليهم من النهوض فجرا لأداء الصلاة في وقتها، وتحرمهم بذلك من خير الدنيا، غافلة عن قوله صلى الله عليه وسلم: “ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها”[8]، أي أنَّ الأجر المترتّب على تلك الصَّلاةِ في الآخرةِ أعظَمُ وأفضلُ مِن جَميعِ نَعيمِ الدُّنيا، قال الشيخ ابن عثيمين: (الدنيا منذُ خُلقت إلى قيام الساعة بما فيها من كلِّ الزخارف من ذهب وفضة، ومتاع وقصور ومراكب، وغير ذلك، هاتان الركعتان خيرٌ من الدنيا وما فيها؛ لأنَّ هاتين الركعتين باقيتانِ، والدنيا زائلة)[9].  فحين تعمى القلوب والبصائر عن تمييز الخيار الصائب بين الدنيا والآخرة تقع في الفوضى، دون أن تعي كيف تبرمج هذه الفوضى عقل الطفل، وتسلخه عن الأولويات الحقيقية في دينه وحياته، بل وتسلخه عن قيمه التي تعبر عن انتمائه الأصيل.

ذلك أن المعايير الإلهية التي من المفترض أن تتحكم في الخيارات والسلوكات تم استبدالها بمعايير أخرى وضعية؛ فـ”الواجب” حل محله “العرف”، و”الحرام” حل محله “العيب”، وانشغلت النفس برقيب الأرض وغفلت عن رقيب السماء، حين ضيعت ببساطة بوصلتها القرآنية تلك البوصلة التي تشدها نحو منبع القيم.

وبالفعل فإن فقدان الأسرة لما يشدها لقيمها، بحيث حادت معه عن مفردات المنهاج الذي تُربي عليه أبناءَها، أدى بفعل متغيرات العصر الحديث، إلى ضياع الحس المقاصدي الذي يحركها نحو أهدافها كمؤسسة اجتماعية. بل أدى إلى تغيير في الرؤية والمبتغى في ميادين عدة، فبعد أن كان مفهوم الأسرة التقليدية للتعليم محصورا في حفظ القرآن والعلوم الدينية والآداب عامة، حيث معايير التقييم فيها جلية واضحة وملموسة، صار مفهوم التعليم لدى الأسرة حديثا محصورا في أنشطةٍ معيار التقييم فيها لا يتعدى أداء التلميذ على الورقة وعلامة تميزه بأسلوب طبقي يفصل الأدبي عن العلمي، وتؤهله فيما بعد لمنصب ما، في تقسيم طبقي مشابه يفصل المعلم والإمام عن الطبيب والمهندس من حيث الفعالية والأهمية. إن القيم التي فقدتها الأسرة حين نأت بنجلها عن تعلم ما ينفعه في دينه ودنياه وآخرته، هي نفسها القيم التي سيفتقدها طبيبا أو مهندسا لا ينفع أمته، لأن جل ما يسعى إليه هو لقب يرفعه دون أن ينفعه أو ينفع به. وهي نفسها القيم التي سيفتقدها حين لا تؤهله علاماته لأن يكون له مكان تحت مظلة النظام الجديد الذي وجد نفسه يساق إليه ووفقه، نظام لا يحترم خصوصياته ومؤهلاته كإنسان أكرمه ربه ونعمه.

من الضروري أن تعود الأسرة المسلمة بأبنائها إلى جادة الحق من خلال استعادة ترتيب الأولويات في يومياتهم، واستعادة روح الالتزام في سلوكاتهم، حين يلتزم بكتاب الصلاة الموقوت كما يلتزم بصفوف الدراسية الموقوتة، ويتنافس في أدب وخلق كما يتنافس في درجة امتحان، ويؤثر القيم على الأشياء. ربما حينها يدق ناقوس النهضة في هذه الأمة.

 

[1] فقه الأولويات السياسية والاقتصادية، د. نهاد إسحاق “1/ 37”.

[2] تفسير ابن كثير، (5/299)

[3] التحرير والتنوير، (16/193)

[4] صحيح البخاري، 5027

[5] الشوكاني، فتح القدير، 1/635

[6] صحيح الترمذي، 2330

[7] أخرجه ابن حبان في ((المجروحين)) (2/1)، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (1234)، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (5787).

[8] صحيح مسلم 725

[9] الشرح الممتع على زاد المستقنع، محمد بن صالح العثيمين (4/70).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page