حصريا

وهل في النساء كأم حبيبة رضي الله عنها ؟صاحبة الهجرتين وقرينة النبي الأمين- د. سهام داوي –

0 375

وهل في النساء كأم حبيبة ــ رضي الله عنها ــ؟

                          صاحبة الهجرتين.. وقرينة النبي الأمين

بقلم: د. سهام داوي

 

هي رملة بنت أبي سفيان.. اختارت القمة وتركت القيعان.. وكان لها بدل الأجر أجران.. فقد كانت من أوائل المسلمين مع زوجها، وهاجرت هجرة الحبشة حفظا لأمنها ودينها، وكابدت مشقة الطريق وهي حامل بابنتها التي وضعتها عند وصولها. ولم يهن عليها الانفصال عن زوجها وقد ارتدّ عن دينه بين النصارى؛ فاتخذت موقفها وصمدت لوحدها وسط المهاجرين من المسلمين، ولم يلبث أن مات هناك، فترمّلت وتيتّمت البنت.. وبلغ الخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبادر إلى احتوائها، وأرسل إلى النجاشي يكلفه بإبرام زواجها، فكان ثمن البشرى التي وصلتها إهداء سوارين من معصمها للجارية التي أبلغتها الخبر، وسعدت كثيرا بأنّ كسرها قد انجبر، وصارت في عصمة النبي الأغرّ، وهنا اكتمل باعث الأجر الأول فقدم لها الله تعالى بين يدي سعادة الآخرة سعادة لفّتها في الدنيا وهي تُزوّج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من بلاط النجاشي، وتُصدق من ماله، وتتلقى الهدايا من نسائه.

ولكن الفرحة لم تكتمل بالانضمام إلى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم في حينها، فقد أبطأ البناء إلى ما بعد غزوة خيبر، لإبطاء رجوع مهاجري الحبشة، فتزامن الدخول بها مع الدخول بصفية بنت حيي بن أخطب ــ رضي الله عنها ــ، وكانت البركة على الأمة بضمّ ابنتي سيّديْ اليهود وقريش إلى بيت النبوة، ومع نزول الأوّل عند اختيار ابنته ورضاه بالسلامة، كانت راحة الثاني على كفره إقرارا بشرف مصاهرة محمد صلى الله عليه وسلم، وحفظا للمقام بلا ندامة، فقد علّق على هذا الزواج الذي سمع عنه كغيره قائلا:”ذلك الفحل لا يجدع أنفه”، وهنا تم لها الأجر الثاني على صبرها على الغربة القسرية، والبعد القاسي عن الأهل والوطن، ودخلت في حمى خير الأنام مترفعة عما تكون عليه غيرة النساء عند الزحام، مقبلة على الله تعالى بما يرضاه من العبادة، وما يقبله من حسن التبعّل لرسوله صلى الله عليه وسلم.

وظلت الغصّة الوحيدة في حلق أم حبيبة بقاء والدها على الشرك، فثبت عنها أنه لما زارها بالمدينة ولم تكن قد رأته منذ ما يقارب العشرين عاما حالت دون جلوسه على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على شركه، فأغضبته وهيّجته، وخرج من عندها قائلا: لقد أصابك يا بنية بعدي شرّ، فقالت: بل الخير كلّ الخير.

وعند وفاتها، واجتماع ضرائرها عليها يعُدنها قالت لعائشة مستسمحة:”قد يكون بيننا ما يكون من الضرائر، فغفر الله لي ولك ما كان من ذلك” فحلّلتها عائشة، واستغفرت لها، فقالت: سررتِني سرّك الله”، وكانت وفاتها سنة أربع وأربعين للهجرة في عهد أخيها الخليفة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه.

ولئن كان شرفها الأعظم أنها أصبحت بزواج الرسول صلى الله عليه وسلم منها أمّا للمؤمنين، فإنّ ممّا شرفت به تلك الهجرة التي خلّدها التاريخ إلى الحبشة، تاركة الأهل والديار، مقبلة على ما عند الله تعالى با تردّد، وبحرّية اختيار، في أرض غربة بين النصارى، لياذا بملكهم العادل، وتخلّصا من أذى قريش الذي لم يتوقف في حقّ المستضعفين أمثالها، لتبقى للسائرين على الدرب نبراسا هاديا، حاثا على الصبر والتصبّر، باثّا بصيص أمل فيمن ضاقت بهم السبل، بأنّ الفرج لا محالة حاصل، وأنّ الله يغيّر الأحوال بعد التمحيص، وأنّ المرأة على ضعفها، إن أخلصت القصد لله تعالى فإنها تستقوي بإيمانها، وتقوى بيقينها، وتثبت، وتصدّ، بل وتخوض غمار المجهول، لأنها تعلم انّ في نهاية النفق فتحة إلى رحاب السعة إن ف الدنيا أو في جنة الخلد.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page