حصريا

على طريق التغيير، أمتنا إلى أين؟ د.قرفي سكينة – الجزائر-

0 267

على طريق التغيير …

أمتنا إلى أين…؟

لا نريد أن نلبس هذه الأمة رداء أسودا يستر محاسنها و ما ورثته عن الأسلاف , كما لا نرغب في أن نفرط في ذكر مناقبها حتى نحيد عن الحق فيلبسها الغرور و تهلك به , إنما نقول : إن كل مسار نحو أي هدف ينبغي أن يكون مستقيما ليس في الشكل إنما في المنهج و طرق الوصول إلى الحق على النحو المنطقي الصحيح . فإن داخل هذا المسار اعوجاج ضاع من سلكه و تاه عن مقصده يقول تعالى :

(  وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ) – الأنعام الآية 153 –

هكذا هو حال أمتنا , اتخذت لنفسها سبلا عديدة منها ما كان على نحو الاجتهاد و التنوع مع الأخذ بالقواعد الصحيحة فاستطاعت أن تصل بعد جهد و عناء . و منها ما بني على ضلال و جهل فضلت و أضلت .

إن إحصاء النتائج دون النظر إلى الأسباب هو ضرب من العشوائية و جور في الحكم على الأشياء , بذلك نرغب في أن نستشف بعض الدوافع التي جعلت عقد هذه الأمة ينفرط فتطرح على العقول الراجحة لا لشيء إلا لمحاولة الإصلاح ما أمكن .

أسباب عقدية :

ترك الاعتصام بحبل الله تعالى و استبداله بما هو دونه فأبدل الله عزهم بذل و قوتهم بضعف …. (و اعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرقوا) آل عمران :103

    2.أسباب نفسية :

من غير العدل إهمال هذا الجانب من الأسباب , فالغرور الذي فتك بهذه الأمة كونها مختارة من ربها و لن تستبدل بغيرها هو الذي جعلها تغفل عن الحقيقة هذا الاختبار الذي أسس على أسباب و قيد بشرط الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر يقول-تعالى-:

(كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر و تؤمنون بالله)      آل عمران :110

فالله تعالى لا يعجزه أمر سحب هذه الخيرية من الأمة إذا لم يتحقق فيها شرط استحقاقها لها . فالنفس السوية لا تجتمع فيها صفتان متناقضتان , لذلك نعجب ممن يتباهى بانتمائه إلى هذه الأمة و من طرف آخر لا يتوانى عن الشعور بالنقص أمام الأمم الأخرى و استصغار ما عند الله من فضل .

     3.أسباب أسرية :

الأسرة هي النواة التي ينمو بها جسم و كيان الأمة فلا يكون وجودها من فراغ فتتحول إلى هشيم تذروه الرياح في كل مكان .

لذلك لم يبخل علينا القران الكريم و كذا السنة المطهرة ببيان وجوب الحرص على الأسرة بدءا من اختيار الزوجين لبعضهما البعض لأنهما القاعدة التي تبنى عليها المفاهيم الصحيحة فتورث للأبناء بعد ذلك.

فكل هذه المثل و المبادئ و التدرب على طرق العيش و كيفية مواجهة مطبات الحياة ينبغي أن يتشرب منها الآباء إلى حد الارتواء حتى ينتفع بها الأبناء إذ أن فاقد الشيء لا يعطيه . فليس للولد يد في اختيار والديه كما لا ذنب له في ما تلقى منهما فالأبوان يهوّدان أو يمجسان أو ينصران .

فإن أحسنت الأسرة تربية الولد و أحاطته بالرعاية الكافية و زودته بمختلف الوسائل لمواجهة ظروف الحياة كان لها وقفا ينتفع الوالدان به في حياتهما و بعد مماتهما , و ذخرا للأمة تتباهى به يوم البعث .

أما إن تعثرت في ذلك أو جهلت سبل هذه التربية لا يجدر بها أن تنتظر الشيء الكثير , قولنا هذا لا يعني إغفال جانب توفيق الله تعالى فكل عمل مهما كان صلاحه إذا سحب منه دعم الله لعبده , فلا ثمرة ترجى منه , إنما على المسلم أن يعقلها و يتوكل .

فشريعتنا النيرة لم تترك جانبا من جوانب الأسرة إلا و أولته اهتماما كبيرا بدءا من اختيار الزوجين – كما أسلفنا – إلى أن يشتد عودها فيكون الأولاد بعد ذلك قرة عينها .

فالولد يحتاج إلى رعاية و هو في بطن أمه , فإذا خرج اختير له اسم جميل ذو معنى , فإن كبر يسرت له مختلف وسائل النمو الجسدي و الفكري و الأخلاقي و كذا السلوكي فتشعر الأسرة بطيب الثمرة التي جاءت بعد جهد الغرس .

فلا نريد جيلا ناقما على والديه و عل عيشه . فإذا بحثنا عن الدوافع وجدناها سببا حقيقيا . جاء أعرابي إلى عمر – رضي الله عنه – يشكو ابنه العاق له , فلما جيء بهذا الولد سأله الخليفة عن سبب هذا السلوك ثم اندهش حين علم أن هذا الولد يعيّر بين أقرانه بأمه السوداء فالتفت إلى أبيه قائلا : ( لقد عققته قبل أن يعقّك ) .

فالأسرة التي تعاني من تصدعات داخلية و غياب للمودة و الرحمة لا يمكن أن تخرج أفرادا على قدر المسؤوليات التي يطمح المجتمع إلى تحملها .

4.أسباب اجتماعية :

ما لم تحققه الأسرة في أفرادها لا تطمع أن تجده خارج إطارها (على أغلب الأحوال ) إذ أن القيم التي يغرسها الوالدان في ولدهما هي تأشيرة الدخول إلى المجتمع بثقة والمضي قدما لخوض غمار الحياة . فالفرد لن يجد ورودا منثورة في طريقه , و لن تخلو سبيله من العراقيل و المتناقضات التي قد تعصف بما تعلمه من أسرته ووالديه و قد تفقده الثقة في النفس ولن يجد سوى محاولات طمس قيمه و ما شب عليه ولكن في النهاية لا يصح إلا الصحيح فالتربية الصالحة لن تخرج إلا نباتا صالحا نافعا و على ذلك ينبغي تهيئة الفرد لتحمل مسؤولياته داخل المجتمع و عدم الاكتفاء بما حصله داخل أسرته , لأنه كلما اتسعت دائرة الحياة زادت الأعباء و قويت شوكة التحديات .

  1. 5. أسباب ثقافية :

وعلى رأسها الغزو الثقافي و التقليد الأعمى لمختلف الثقافات الدخيلة علينا هذا الذي لم يكن – في عصر من العصور- صفة لأمتنا الإسلامية . فقد ضرب – شيئا فشيئا –  رباط العقيدة و شغل الناس داخل حدودهم بأزمات الرغيف والانسياق للشهوات ثم نصب من الجهات المؤثرة من يزيد في هذا التمزق و يحرص على استدامته .

ثم إن التقليد سمة القردة و بعض المخلوقات التي ميزنا الله عنها بالعقل . وهنا نذكر موقفا حقيقيا حدث بين طرفين من جيلين متباعدين , جيل الصلابة  والاعتزاز مع جيل الحداثة و الاستفزاز .

مجموعة من الشباب سخروا من شيخ يضع على رأسه عمامة قديمة في زمن يتباهى فيه الناس بمختلف تسريحات و قصات الشعر, فتنبه الشيخ إلى لمزهم و فحوى حديثهم من خلال نظراتهم اليه ثم قصدهم في هدوء و سكينة و همس في أذن أحدهم : (لقد حاولت فرنسا منذ مائة و ثلاثين عاما وهي بيننا أن تنزع مني عمامتي و تحولني الى ما يشبهها لكنها عجزت , بينما لم تجد صعوبة معكم في جعلكم نسخة من أبنائها و التحكم في تصرفاتكم عن بعد , فألبستكم ما تحب و زينت لكم الحياة التي تحب .

يقول تعالى : (وإذا قيل لهم اتبعوا ما انزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون) (البقرة :170 )

لا نحب أن يفعل شبابنا كما فعل الغراب مع الحمام , فلا هو قبل في سرب الحمام لاختلاف شكله ولا في سرب الغراب بسبب تغييره في لونه .

لقد ترك الإسلام موروثا عظيما من الثقافات و هيأ لها طرقا متنوعة لاستثمارها و استغلالها بما يوافق أصول شرعنا و لم يحرمنا من الاستفادة من غيرها حتى و لو كانوا على غير ديننا .

فكن كما أنت و اختلف عن غيرك بإبداعك و اجعل لنفسك إضافة و فارقا و اترك بصمة لعلها تكون وقفا لك تذكر به بعد مماتك .

فكل هذه الأسباب و غيرها جر الأمة الى التفكك الذي أضعفها و جعل أصغر وأضعف قبضة تتمكن منها .

الإسلام في عيون الآخرين :

فغير المسلمين من أهل الكتاب أو ممن ليس لهم كتب على ثلاث أصناف :

فمنهم من لم يصله من أمر هذا الدين شيء , وهم قلة و منهم من سمع عن هذا الدين  و لكن لم يتحر عنه ولم يجتهد في الوصول إلى الحقيقة .

أما الثالث فهو من سمع عن هذا الدين و لكن غلبه الإعراض و الجحود .

ذكر الإمام الغزالي رحمه الله أنه كان في محاضرة مع عدد من الطلبة يحاضر فيها أستاذهم (جيفار) وهو من كبار أساتذة الحقوق الرومانية بجامعة باريس حيث ذكر أستاذهم في كتابه (الوجيز في الحقوق الرومانية ) أن للدائن على المدين العاجز عن الوفاء أن يسترق مدينه و أن يبيعه أو يقتله و ان تعدد الدائنون فلهم الحق بتقطيع جثة المدين إربا إربا .

و بعد أن عرض الأستاذ (جيفار) هذا الحكم الوحشي أضاف قائلا : ( وأن مثل هذه الأحكام موجودة أيضا في الشريعة الإسلامية ).

قال الإمام الغزالي : ( فاستنكرت عليه بلطف إسناد هذا الحكم إلى الشريعة الإسلامية وطالبته بالمصدر لهذا الحكم المكذوب فقال: القران .

فأحضرت القران المترجم و تلوت عليه الآية 280 من سورة البقرة حول أحكام المدين

( و إن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وان تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون )

البقرة : 280

فديننا يحث على انتظار المدين العاجز عن السداد إلى حين المقدرة , و الأفضل للدائن التنازل عن دينه و تبرئة مدينه .

فاندهش الأستاذ لسمو نظرة الإسلام وقيمه الإنسانية , كما استعظم خطيئته في اتهام الإسلام بما لا يليق به خاصة أن هذا الخطأ ورد في كتاب جامعي يدرس في أكثر جامعات العالم .

فعندما يجد هذا الأستاذ وأمثاله من يقف لهم مانعا دون ضربات سهامهم , فإنهم يتولون و يدركون أن لهذا الدين حماة يترصدون لهم , فمنهم من يكتفي بالهزيمة ويتحسس الحرارة التي تعتصره من فرط الخذلان , و منهم من لا يجد حرجا في الاعتراف  بخطيئته ولا يجد مانعا من تصحيحه كما فعل هذا الأستاذ حيث ألح على الإمام الغزالي ان يكتب له خطيا بتصحيح ما وقع من اتهام كاذب لشريعة الإسلام . فكل فهم قاصر سيمتد عمره ان لم يجد من يدفعه و يصحح مساره.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page