حصريا

المرأة المسلمة في رمضان. د.حفيظة بلميهوب – الجزائر

0 445

المرأة المسلمة في رمضان

بقلم:أ.د/حفيظة بلميهوب

 

الحمد لله العزيز الحكيم العليم الخبير والصلاة والسلام على رسول الله المبعوث رحمة للعالمين عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

وبعدفإنّ من أهم العبادات التي أكرمنا الله بها عبادة الصيام، فقد خَصَّصَالله لها شهرا كاملا وجعله من أفضل الشهور، وزاده تشريفا وتعظيما بأن اختاره الله من بين الشّهورالاثني عشر لينزّل فيه كلامه”القرآن العظيم”. قال تعالى:”{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة: 185] وَقَوْلُهُ:{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: 1]، وَقَالَ:{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} [الدخان: 3]، فاجتمعت في شهر الصيام العديد من العبادات غير الصيام، التيغفل عنها كثير من النّاس بما فيهم النّساء، فَوَّتت عليهم وضيّعت منهم أجراكبيرا ودرجات عالية.

وفي هذه الورقة البحثيةارتأيت أن أُبرزفضل شهر رمضان، والعبادات التي ينبغي أن تحرص عليها المرأة المسلمةخاصة في هذا الشهر،كي تحصِّل الدرجات العالية وتفوز بالرضوان والجنان، وتحجب عن النّيران. وقد قسمتالورقة إلى مقدمة ومبحثين وخاتمة.

المبحث الأول: فضل شهر رمضان

لقد دلّت الآيات والأحاديث على فضل وعظمة هذا الشهر المبارك، فهو شهر عظيم مبارك نزل فيه القرآن، وأمر الله بصيامه وقيامه. فصيامه أحد أركان الإسلام، وجزاؤه عظيم عند الله” فإنّه لي وأنا أجزي به”، من صامه وقامه إيمانا واحتسابا غفر الله له ما تقدّم من ذنبه، وهو شهر القرآن وشهر تفتّح فيه أبواب الجنّة وتصفّد الشياطين، شهر العتق من النّار، شهر التوبة والغفران، شهر الصدقات والإحسان. ومن فوائده وحكمه العظيمة: تهذيب النّفس، وتحقيق التّقوى، والوقاية من النّار، وقد روى الصحابة رضوان الله عليهم العديد من الأحاديث عن النبي صلّى الله عليه وسلم في فضل هذا الشهر، انتقيت منهاما رواه أَبو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه:

  1. روى رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ»([1])

2.وعنهأيضا، قال: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” إِذَا كَانَتْ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ، وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌوَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَنَادَى مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ .”([2])

  1. وروى أَبو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أيضا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِئَة ضِعْفٍ، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ».([3])

المبحث الثاني:يا باغية الخير أقبلي هذا شهر رمضان

هذا شهر الله، رمضان، أهلَّ علينا ببركاته وخيراته، وهو شهر مبارك، نزل فيه القرآن، أمرنا الله بصيامه وقيامه.من صَامَهُ وقَامَهُ إيمانًا واحتسابًا غفر الله له ما تقدّم من ذنبه. هو شَهْرٌ عظيم اجتمعت فيه الفضائل والخيرات والبركات، وهذا يستوجب منك، أختاه، استعدادا وإعدادا يليق بعظمته. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:” ” كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ…”، فقد نسبه الله إليه، وهذه خاصية لم تحظ بها أيّ عبادة أخرى.ولكي لا يفوتك خيره وتنالي ثوابه وتجني ثماره، فإنّه يجب عليك أن تستغلي كل لحظة من هذا الشهر الكريم، مُرَتِبَةً الأولويات حسب الشَّرع لا حسب هوى النّفس، مُقَدِّمَةً الأهم فالأهم، فلا تؤخري ما حقّه التقديم، ولا تُقدمي ما حَقُّه التأخير.

وإليكِ، أختاه، أهمّ ما ينبغي أن تحرصي عليه في هذا الشهر، مما يعينك على نيل أعلى الدّرجات والفوز بالجنّة والعتق من النّار.

  1. الحرص على الوقت: الله الله في الوقت ! فالأعمار هي الأعمال، فكلّما ذهب يوم ذهب بعضك، كما قال الحسن البصري. فلا تُضيعي أختاه وقتك فيما لا يعود عليك بالأجر والقرب من الله، واستثمري هذا الشهر في الطاعة والعبادة وحسن المعاملة، فالأجر فيه مضاعف وكذلك الوِزر.
  2. الِحرص على الفرائض، وعلى رأسها الصَّلاة: فأدِّيها في وقتها، ففي الحديث القدسي:”…وما تقرّب إليَّ عبدي بشيء أحَبَّ إليَّ مما افترضته عليه…”.
  3. الحرص على النّوافل، والتراويح، وقيام اللّيل: سواء في البيت أو في المسجد، فقد رغّب صلّى الله عليه وسلم في قيام رمضان بقوله:” من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه”. فاحرصي على قيام اللّيل ولو بركعتين، فهو دأب الصالحين من قبلنا، وقربة إلى الله تعالى، يُدخل الجنّة ويبعد عن النّار.
  4. الإكثار من الذّكر والاستغفار: قال تعالى:”يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا “. استغلي وقت إعداد الطعام وأعمال البيت في الذّكر والدّعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
  5. الحرص على الصّدقة وإطعام الطّعام وإفطار الصائمين: تصدقي حسب وسعكِ، ولا تحقري من المعروف شيئا، فرُبَّ صَدََقةٍ قليلة تَسُّدُ حاجة محتاج. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ إِلَّا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً، فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ …»صحيح.
  6. تفقد أحوال الأقارب من الفقراء والمساكين والتوسيع عليهم: فالحسنات تتضاعف في هذا الشهر، والصّدقة على الأقارب لها أجران أجر الصدقة وأجر صلة الرحم.
  7. الاهتمام بالنِيَّة وتجديدها: فالنيّة تحوِّل المباح إلى قربة، فلتكن جميع أعمالك خالصة لله حتّى النّوم، إذا نويته للاستراحة للتقوّي على الطاعة، كان لك به أجر.
  8. احتساب الأجر عند الله تعالى في أعمال البيت: كل ما تقومين به إذا نَويته قربة لله، ستحصلين على أجره يوم تُعرض الصحائف، فلا تحرمي نفسك هذا الفضل.
  9. عدم الإكثار من الأكل: لأنّ الإسراف يضعف الجسم ويرهقه. قال تعالى:”وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا إنَّ الله لا يحبُّ المسرفين.”[الأعراف/ 31]

وقال النّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ حَسْبُ ابْنِ آدَمَ ثَلَاثُ أَكَلَاتٍ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ طَعَامٌ وَثُلُثٌ شَرَابٌ وَثُلُثٌ لِنَفْسِهِ»صحيح.

  1. الحرص على تلاوة القرآن وتدّبره والعمل به: فالقرآن حبل الله، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ كِتَابَ اللَّهِ، هُوَ حَبْلُ اللَّهِ، مَنِ اتَّبَعَهُ كَانَ عَلَى الْهُدَى، وَمَنْ تَرَكَهُ كَانَ عَلَى الضَّلَالَةِ»صحيح.
  2. الحرص على الأبناء: لمن كان له أبناء، بإطعامهم الحلال، والدعاء لهم وتعليمهم وعدم الانشغال عنهم حتى بالعبادة؛ لأنّ تربيتهم أمانة، وعبادة بحد ذاتها.
  3. الحرص على الذِّكر والاستغفار أيام العذر الشرعي: لا تركني إلى الكسل، بل اشغلي نفسك بالدُّعاء وتدبّر القرآن من كتب التفسير، والمساهمة في إفطار الصائمين والصدقة على المحتاجين.

وأختم بهذه البشرى لكِ،ِ أختاه، التي بشَّرَكِ بها رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خُمُسَهَا وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَصَّنَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ بَعْلَهَا، دخلت من أي أبواب الجنّة شاءت” صحيح.

بشرى لكِ بالتزام شرع الله والوقوف عند حدوده، فأنْتِ من النخبة الذين يُفْتَح لهم أبواب الجَنَّة الثمانية، فتَدْخُلِين من أيُّها شئتِ. اللّهم اجعلنا من الفائزين في رمضان، ممّن تدركهم الرّحمة والمغفرة والعتق من النّار. آمين، آمين. والحمد لله رب العالمين.

 

 

 

 

 

 

([1]) سنن النسائي (4/129). قال الألباني: صحيح.

([2]) (ابن ماجة ) رقم: 1642 .وهو صحيح.(ر:المسند الموضوعي الجامع للكتب العشرة (5/ 361).

([3]) صحيح مسلم (2/807)، باب فضل الصيام رقم: 1151

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page