حصريا

محورية المرأة المسلمة في صناعة الإنسان-أ.د فتيحة محمد بوشعالة -الجزائر-

0 529

محورية المرأة المسلمة في صناعة الإنسان.

                                                                               أ.د فتيحة محمد بوشعالة

1/مقدمة: 

إنّ بناء أي مجتمع يكمن في صناعة الإنسان، وقرار تلك الصناعة في يد أنثى، تبدأ صناعته وهو جنين في بطنها، ثم وليدا في حجرها فطفلا في حضنها وفتى في فلكها، هي من تصوغه وتصبغه بصبغتها، إن حسنا فحسنا وإن سيئا فسيئا، وهذا مغزى عبارة نابليون الشهيرة : ” المرأة التي تهز المهد بيمينها، تهز العالم بيسارها”. ودور كل طرف في الصناعة يأتي بعد دورها. بدءا من الأب إلى باقي الأسرة، فالمدرسة والمسجد والجامعة وكل من له دور في التنشئة.

ولذا يقول عبد الوهاب  المسيري: “القضاء على الأمومة هو فعليا القضاء على آخر معقل ومأوى للإنسان، وآخر مؤسسة وسيطة تقف بين الإنسان ورقعة الحياة العامة.

ووظيفة الأمومة مكسب نفسي ، واجتماعي واقتصادي وقومي للأمة، لأنها تبني الإنسان من كل هذه الجوانب.

ومن هنا جاءت فكرة هذه الورقة الموسومة ب (محورية المرأة المسلمة في صناعة الإنسان.) لتجيب على إشكالية مفادها:  إلى أي مدى تسهم المرأة المسلمة في  تشكيل شخصية إنسان الخلافة؟

وفق المحاور الموالية:

1- مقدمة:

  • لماذا دورها محوري؟
  • مواصفات المرأة التي تحدث التغيير وتصنع الإنسان السوي الفاعل
  • منهج المرأة المسلمة في التنشئة السليمة للجيل
  • رؤى استشرافية للعودة بالمرأة إلى دورها ورسالتها المنوطة بها

وأول ما نبدأ به الكشف عن مقاصد مصطلحات العنوان:

أ /مفهوم المحورية، ب /مفهوم الصناعة، ج/ مفهوم الإنسان.

  • مفهوم المحورية: المقصود بها هي حجر الزاوية والأساس في أي عمل، هي المنطلق والمركز والباقي روافد مكملة، إذا كانت الانطلاقة خاطئة أتى البناء مشوها. ومحور أي شيء هو عموده الذي يدور عليه ومنه: محور البكرة، محور الباب، محور الأرض، محور الساعة، المحور هو المركز. ومن صفات المحور أنه دائما ثابت وما يدور حوله متحرك معتمد عليه.

“قَالَ الزّجاج: قيل لَهُ محورٌ للدَّوَرانِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يرجع إِلَى المكانِ الَّذِي زَالَ مِنْه.”

وقيل: ” إِنَّمَا قيل لَهُ محور، لِأَنَّهُ بدورانه ينصقل حَتَّى يبيض. وقيل:

وَالْحَدِيدَةُ الَّتِي تَدُورُ عَلَيْهَا الْبَكَرَةُ يُقَالُ لَهَا: مِحْورٌ.  وقال الْجَوْهَرِيُّ: المِحْوَرُ العُودُ الَّذِي تَدُورُ عَلَيْهِ الْبَكَرَةُ وَرُبَّمَا كَانَ مِنْ حَدِيدٍ.، وقيل:  وحَوَّرَ الخُبْزَةَ تَحْوِيراً: هَيَّأَها وأَدارها لِيَضَعَهَا فِي المَلَّةِ.”  وتعرف الشخصية المحورية ب: ” الشَّخصيَّة المِحْوريَّة: “شخصيّة يدرسها المؤرِّخ باعتبارها مفتاحًا لفهم بعض القضايا التّاريخيّة أو فهم عصور برمَّتها. وهي شخصيّة رئيسيّة في الرِّواية أو المسرحيّة..”[1]

ب / مفهوم الصناعة: الصناعة هي إتقان أي عمل ما وإخراجه في أحسن صورة، والصنعة في أصل اللغة هي ما صنع باليد، يقال صاحب صنعة، أي حرفة .ﭐ

والصنع في حق الله تعالى هي الخلق والإيجاد

وَتَرَى ٱلۡجِبَالَ تَحۡسَبُهَا جَامِدَةٗ وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِۚ صُنۡعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ أَتۡقَنَ كُلَّ شَيۡءٍۚ إِنَّهُۥ خَبِيرُۢ بِمَا تَفۡعَلُونَ النمل: ٨٨

جاء في معاجم اللغة: ” “صنع: صَنَعَ يَصْنَعُ صُنْعاً. وما أحسن صُنْعَ الله عنده وصنيعه. والصُّنّاع: الذين يعملون بأيديهم. تقول: صنعتُه فهو صِناعتي. وامرأة صَناع، وهي الصّنّاعة الرقيقة بعمل يديها، ويجمع صوانع. ورجل صَنَعُ اليدين وصِنْع اليدين.”

“وفلان صنيعتي، أي: اصطنعته وخرّجته. والتّصنّع: حسن السّمت والرأي سّره يخالف جهره. وفرس صَنيع، أي: قد صَنَعه أهلُه بحسن القيام عليه. تقول: صَنَعَ  الفرسَ، وصنّع الجارية تصنيعاً، لأنّه لا يكون إلاّ بأشياء كثيرة وعلاج.”

رجل صَنَعٌ، إِذا كَانَ حاذقاً بِمَا يعمله. وكلّ حاذقٍ بِعَمَل فَهُوَ صَنَعٌ. وَامْرَأَة صَناع: خلاف الخَرقاء، وَلَا يُقَال: امْرَأَة صَنَعٌ،….. وصَنْعَة الرجل: حِرفته. وكل محترف بِيَدِهِ صانع.”[2]

واستعملت في القرآن الكريم في موضعين في حق الإنسان في قوله تعالى وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي طه:

وأيضا  ولتصنع على عيني طه.

والمقصود بها هنا التربية والتنمية والرعاية، قال ابن عاشور: “والصنع مستعار للتربية والتنمية، تشبيها لذلك بصنع شيء مصنوع، ومنه يقال لمن أنعم عليه أحد نعمة عظيمة: هو صنيعة فلان…… وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ، يُؤْذِنُ بِأَنَّهُ اخْتَارَهُ وَأَعَدَّهُ لِأَمْرٍ عَظِيمٍ،.”[3]

” مَعْنَاهُ: ولتربَّى بمرأًى منّي. يُقَال: صَنَع فلَان جَارِيَته إِذا رباها، وصَنَع فرسه إِذا قَامَ بعلفه وتسمينه. وَقَالَ اللَّيْث: صنع فرسَه، بِالتَّخْفِيفِ، وصنَّع جَارِيَته بِالتَّشْدِيدِ؛ لِأَن تصنيع الْجَارِيَة لَا يكون إِلَّا بأَشْيَاء كَثِيرَة وعِلاَج. قلت: وَغير اللَّيْث يُجِيز صَنَع جَارِيَته بِالتَّخْفِيفِ، وَمِنْه قَوْله: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِى)….وَفُلَان صَنِيع فلَان إِذا ربَّاه وأدَّبه وخرَّجه، وَيجوز: صنيعته. وَقَالَ الأصمعيّ: الْعَرَب تسمّي القُرَى مصانع، واحدتها مَصْنعة.”[4]

” {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} [طه: 41] الاصطناع: اتخاذ الصنيعة، وهو الخير تسديه إلى إنسان.”[5]

“وصنيعة الْإِنْسَان خاصته وتربيته إِذا أعده لأمر من مُهِمّ أمره.”[6]

“اصْطَنَعْتُكَ : قويتك وعلمتك لتبلغ عبادي أمرى ونهى.”[7]

“قال القفال: واصطنعتُكَ أصله من قولهم: اصطنع فلانٌ فلاناً إذا أحسن إليه حتى يضاف إليه.”[8]

واصطنعتك} أي ربيتك بصنائع المعروف تربية من يتكلف تكوين المربى على طريقة من الطرائق.”[9]

الصناعة والاصطناع هو التكوين الجيد المتقن بنية مسبقة ولهدف محدد، كأحد متميز ترسله الدولة للخارج من أجل كسف مهارات جديدة وتلقي تكوين رفيع المستوى بغرض اعداده لمهمة عالية في بلده، وكذلك مهمة الأنبياء، ولله المثلى الأعلى.

والصناعة حسب الوظيفة، يعني الإعداد والتركيب يكون بحسب الوظيفة والمهمة، إعداد موسى عليه السلام كان على مستوى عال لأنه مهيأ  لغرض رفيع: لله (لنفسي) ، حياته كلها كانت لله، فكان الإعداد من نوع خاص، وكلنا يعرف مراحل حياة موسى عليه السلام، والابتلاءات التي تعرض لها (وفتناك فتونا) يفتن الذهب ليصير خالصا من الشوائب.

جل

 

 

ج/ مفهوم الإنسان: المقصود بالإنسان في هذا البحث هو الكائن السوي الذي يحافظ على فطرته وقيمه ويحقق عبوديته لله، ويقيم مهمة الاستخلاف. أو هو المخلوق الذي يحقق التوازن بين روحه وعقله  وجسده تحقيقا لمنهج العبودية. وهو الإنسان الذي يفيض خيرا أو ما يسميه طه عبد الرحمن: الإنسان الكوثر.

2/ لماذا دورها محوري؟ :

قرار تنشئة إنسان الخلافة، أو الإنسان السوي بيد أنثى، وهذا ليس كلاما إنشائيا أدبيا بل هو فطرة وواقعا وشرعا.

أ/ فطرة: من يصنع الإنسان بعد الله سبحانه وتعالى هو المرأة ابتداء، وذلك لما فطرها الله تعالى عليه من استعدادات بيولوجية ونفسية لأداء المهمة: الحيض والحمل والرضاعة، والحب والحنان والصبر، حيث مذ يكون في رحمها، تبدأ في  تشكيل شخصيته.  ثم السهر على رعايته وتربيته رضيعا وطفلا حتى يكبر، كل ذلك بالفطرة دون أن يعلمها أحد.

ب/ واقعا:  ما يثبته الواقع في كل المعمورة أن الأم هي من يتولى رعاية الطفل وتربيته وتنشئته حتى يكبر، عند أصحاب الفطر السوية من البشر.

ج/ شرعا:  أثبتت النصوص الشرعية قرآنا وسنة أن المرأة هي المحور في تربية النشء ودورها في التنشئة يستحوذ على النسبة الكبرى بالنسبة للأب ناهيك عن باقي الأطراف.

حيث قدم لنا القرآن الكرين نماذج رائدة في صناعة الإنسان منها:

1- تنشئة إسماعيل عليه السلام: ﭐﱡﭐ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ  ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ  ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ  ﱠ إبراهيم.

هاجر عليها السلام خرجت من قريتها هاربة من سارة وعاشت معظم حياتها وع ولدها في غياب متكرر للأب إبراهيم عليه السلام، وجاهدت لتربيته تربية سوية بمفردها ، وكانت النتيجة إسماعيل عليه السلام المؤمن الذي أسلم وجهه لله وأيقن به (يا أبتي افعل ما تؤمر).  نستشف ذلك من الحديث المطول عند البخاري: (قال ابن عباس : أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل ، اتخذت منطقا لتعفي أثرها على سارة ، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه ، حتى وضعهما عند البيت عند دوحة ، فوق زمزم في أعلى المسجد ، وليس بمكة يومئذ أحد ، وليس بها ماء ، فوضعهما هنالك ، ووضع عندهما جرابا فيه تمر ، وسقاء فيه ماء ، ثم قفى إبراهيم منطلقا ، فتبعته أم إسماعيل فقالت : يا إبراهيم ، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي ، الذي ليس فيه إنس ولا شيء ؟ فقالت له ذلك مرارا ، وجعل لا يلتفت إليها ، فقالت له : آلله الذي أمرك بهذا ؟ قال نعم ، قالت : إذن لا يضيعنا ، ثم رجعت ، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه ، استقبل بوجهه البيت ، ثم دعا بهؤلاء الكلمات ، ورفع يديه فقال : رب إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم – حتى بلغ – يشكرون ” وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء ، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها ، وجعلت تنظر إليه يتلوى ، أو قال يتلبط ، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه ، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها ، فقامت عليه ، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا فلم تر أحدا ، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي ، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدا فلم تر أحدا ، ففعلت ذلك سبع مرات ، قال ابن عباس : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ” فذلك سعي الناس بينهما ” فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا ، فقالت صه – تريد نفسها – ، ثم تسمعت ، فسمعت أيضا ، فقالت : قد أسمعت إن كان عندك غواث ، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم ، فبحث بعقبه ، أو قال بجناحه ، حتى ظهر الماء ، فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا ، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف . قال ابن عباس : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ” يرحم الله أم إسماعيل ، لو تركت زمزم – أو قال : لو لم تغرف من الماء – ، لكانت زمزم عينا معينا ” قال : فشربت وأرضعت ولدها ، فقال لها الملك : لا تخافوا الضيعة ، فإن ها هنا بيت الله ، يبني هذا الغلام وأبوه ، وإن الله لا يضيع أهله ، وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية ، تأتيه السيول ، فتأخذ عن يمينه وشماله ، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم ، أو أهل بيت من جرهم ، مقبلين من طريق كداء ، فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائرا عائفا ، فقالوا : إن هذا الطائر ليدور على ماء ، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء ، فأرسلوا جريا أو جريين فإذا هم بالماء ، فرجعوا فأخبروهم بالماء فأقبلوا ، قال : وأم إسماعيل عند الماء ، فقالوا : أتأذنين لنا أن ننزل عندك ؟ فقالت : نعم ، ولكن لا حق لكم في الماء ، قالوا : نعم ، قال ابن عباس : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ” فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الإنس ” فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم ، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم ، وشب الغلام وتعلم العربية منهم ، وأنفسهم وأعجبهم حين شب ، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم ، وماتت أم إسماعيل ، فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته ، فلم يجد إسماعيل ، فسأل امرأته عنه فقالت : خرج يبتغي لنا ، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم ، فقالت نحن بشر ، نحن في ضيق وشدة ، فشكت إليه ، قال : فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام ، وقولي له يغير عتبة بابه ، فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئا ، فقال : هل جاءكم من أحد ؟ قالت : نعم ، جاءنا شيخ كذا وكذا ، فسألنا عنك فأخبرته ، وسألني كيف عيشنا ، فأخبرته أنا في جهد وشدة ، قال : فهل أوصاك بشيء ؟ قالت : نعم ، أمرني أن أقرأ عليك السلام ، ويقول غير عتبة بابك ، قال : ذاك أبي ، وقد أمرني أن أفارقك ، الحقي بأهلك ، فطلقها ، وتزوج منهم أخرى ، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله ، ثم أتاهم بعد فلم يجده ، فدخل على امرأته فسألها عنه ، فقالت : خرج يبتغي لنا ، قال : كيف أنتم ؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم ، فقالت : نحن بخير وسعة ، وأثنت على الله ، فقال : ما طعامكم ؟ قالت اللحم ، قال فما شرابكم ؟ قالت الماء . قال : اللهم بارك لهم في اللحم والماء ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ” ولم يكن لهم يومئذ حب ، ولو كان لهم دعا لهم فيه ” . قال : فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه ، قال : فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام ، ومريه يثبت عتبة بابه ، فلما جاء إسماعيل قال : هل أتاكم من أحد ؟ قالت : نعم ، أتانا شيخ حسن الهيئة ، وأثنت عليه ، فسألني عنك فأخبرته ، فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا بخير ، قال : فأوصاك بشيء ، قالت : نعم ، هو يقرأ عليك السلام ، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك ، قال : ذاك أبي وأنت العتبة ، أمرني أن أمسكك ، ثم لبث عنهم ما شاء الله ، ثم جاء بعد ذلك ، وإسماعيل يبري نبلا له تحت دوحة قريبا من زمزم ، فلما رآه قام إليه ، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد ، ثم قال يا إسماعيل ، إن الله أمرني بأمر ، قال : فاصنع ما أمرك ربك ، قال : وتعينني ؟ قال : وأعينك ، قال : فإن الله أمرني أن أبني ها هنا بيتا ، وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها ، قال : فعند ذلك رفعا القواعد من البيت ، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني ، حتى إذا ارتفع البناء ، جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه ، وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة ، وهما يقولان : ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ، قال : فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان : ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم *)[10]

هذه القصة المطولة في الصحيحين تبين لنا أن هاجر عليها السلام هي من تولت تربية إسماعيل عليه السلام وتنشئته بمفردها، لأن إبراهيم عليه السلام كان غائبا في الغالب، يزورهم فقط بين الفينة والفينة، وبيقينها في خالقها وحسن توكلها عليه استطاعت أن تصنع ذلك الإنسان الذي قال في يقين  وهو المطلوب للذبح: ﭐﱡﭐ ﳈ ﳉ ﳊ ﳋ ﳌ  ﳍ ﳎ ﳏ ﳐ ﳑ ﳒ ﳓ ﳔ ﳕ ﳖﳗ ﳘ  ﳙ ﳚ ﳛ ﳜﳝ ﳞ ﳟ ﳠ ﳡ ﳢ ﳣ ﳤ  ﱠ الصافات: ١٠٢

2- تنشئة مريم عليها السلام، وكيف كانت همة زوجة عمران في رعايتها: ﭐﱡﭐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ  ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ  ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ  ﲰ ﲱ ﲲﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ  ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ  ﳂ ﳃ ﳄ ﳅ ﳆ ﳇﳈ ﳉ ﳊ ﳋ  ﳌ ﳍ ﳎ ﳏ ﳐﳑ ﳒ ﳓ ﳔ ﳕ ﳖﳗ  ﳘ ﳙ ﳚ ﳛ ﳜﳝ ﳞ ﳟ ﳠ ﳡ ﳢ ﳣ ﳤ ﳥ  ﱠ . حيث كانت نيتها في حملها خالصة لله، وهبت جنينها لله طاعة، وأوكلت أمره إليه سبحانه، فكانت النتيجة تقبل الله تعالى لنذرها.

3- تنشئة عيسى عليه السلام: لما  كانت الأم صالحة متوكلة على ربها واثقة في معيته، تحملت أعباء تربيته وتنشئته بمفردها، وواجهت العالم لأجله، فكان الابن عيسى عليه السلام، كلمة الله. ﭐﱡﭐ ﲽ ﲾ  ﲿ ﳀ ﳁ ﳂ ﳃ ﳄ ﳅ ﳆ ﳇ  ﳈ ﳉ ﳊ ﳋ ﳌ ﳍ ﳎ ﳏ ﳐ ﳑ   ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ  ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑﱒ ﱓ ﱔ  ﱕ ﱖ ﱗ ﱘﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱢ  ﱠ آل عمران.

4– آسيا زوجة فرعون: موسى الرضيع تربى في بيئة فاسدة، في بيت طاغية متأله ذو بطش، حاشية فاسدة، بطانة سيئة، ومع ذلك كان موسى النبي، لأنه برعاية الله ربته آسيا المؤمنة، التي أحاطته بالحب والحنان واللطف والتنشئة الطيبة . ﭐﱡﭐ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼﱽ ﱾ ﱿ ﲀ  ﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﱠ القصص:

5-أم موسى: وكان دور أم موسى في تنشئته بالاشتراك مع أسيا محوريا في صناعة موسى الربانية، حيث كانت الأم الصابرة المحتسبة، الحريصة على احتوائه وتوفير الأمن والأمان له، الحريصة على متابعة أموره وتوفير الغذاء ومعه الحب والحنان ، واشتركت معهما أخته في الرعاية، فجاء موسى عليه السلام على قدر { وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَو نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9) وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10) وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (11) وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}القصص: ٧ – ١٣

6-بالمقارنة مع تنشئة ابن نوح عليه السلام، كيف أثمرت تربية الأم الضالة المنحرفة عن منهج الله ابنا ضالا رضع الكفر والضلال مع لبن أمه ونشأ على يديها…رغم أن أبوه نبي.( ولكن ليست قاعدة مطردة).

أما من السنة، فيبين لنا المصطفى ﷺ مكانة الأم ودورها في صناعة الأبناء بتحديد نسبة العطاء والبذل الذي تبذله مقارنة ببذل الأب فقرر أن 75%من نسبة المهمة التربوية هي من نصيب الأم ، في حين نسبة مهمة الاب تكون 25%، حيث قال مبينا مكافأة ذلك (عن أبي هريرة ، قال : قال رجل : يا رسول الله من أحق الناس بحسن الصحبة ؟ قال : ” أمك ، ثم أمك ، ثم أمك ، ثم أبوك ، ثم أدناك أدناك)[11]

كما قرر المسؤولية المباشرة للمرأة في تربية النشء حين قال: (وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ)[12]

وفي سير السلف:  عندنا نماذج لنساء ناجحات في صناعة الإنسان الكوثر، منهن:

أﻡ ﺍﻻﻣﺎﻡ ﻣﺎﻟﻚ ، أﻡ ﺍﻻﻣﺎﻡ ﺍﻟﺸﺎﻓﻌﻲ ، أﻡ ﺍﻻﻣﺎﻡ ﺍﺣﻤﺪ ﺑﻦ ﺣﻨﺒﻞ ، أﻡ ﺍﻻﻣﺎﻡ ﺍﻟﺒﺨﺎﺭﻱ ﺭﺣﻤﺔ ﺍﻟﻠّﻪ ﻋﻠﻴﻬﻢ

١ – ﺃﻡ ﺍﻹﻣﺎﻡ ﻣﺎﻟﻚ ﺍﻟﻌﺎﻟﻴﺔ ﺑﻨﺖ ﺷﺮﻳﻚ ﺑﻦ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﺮﺣﻤﻦ ﺍﻷﺳﺪﻳﺔ :

ﺩﻓﻌﺖ ﺍﺑﻨﻬﺎ ﻟﺤﻔﻆ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﻓﺤﻔﻈﻪ، ﻭﺃﺭﺳﻠﺘﻪ ﺇﻟﻰ ﻣﺠﺎﻟﺲ ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﺀ، ﻓﺄﻟﺒﺴﺘﻪ ﺃﺣﺴﻦ ﺍﻟﺜﻴﺎﺏ، ﻭﻋﻤﻤﺘﻪ، ﺛﻢ ﻗﺎﻟﺖ ﻟﻪ : ” ﺍﺫﻫﺐ ﻓﺎﻛﺘﺐ ﺍﻵﻥ ” .

ﻭﻟﻢ ﺗﻜﺘﻒِ ﺃﻣﻪ ﺑﺎﻟﻌﻨﺎﻳﺔ ﺑﻤﻈﻬﺮﻩ، ﺑﻞ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺨﺘﺎﺭ ﻟﻪ ﻣﺎ ﻳﺄﺧﺬﻩ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﺀ، ﻓﻘﺪ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﻘﻮﻝ ﻟﻪ ” : ﺍﺫﻫﺐ ﺇﻟﻰ ﺭﺑﻴﻌﺔ ﻓﺘﻌﻠﻢ ﻣﻦ ﺃﺩﺑﻪ ﻗﺒﻞ ﻋﻠﻤﻪ ” ،

ﻓﺄﺻﺒﺢ ﺍﻹﻣﺎﻡ ﻣﺎﻟﻚ ﺟﺒﻼ ﻣﻦ ﺟﺒﺎﻝ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﻭﻋﺎﻟﻢ ﺍﻟﻤﺪﻳﻨﺔ ﺍﻟﻨﺒﻮﻳﺔ ﻭﻣﻔﺘﻴﻬﺎ، ﻭﺃﺣﺪ ﺃﻛﺎﺑﺮ ﻋﻠﻤﺎﺀ ﺍﻷﻣﺔ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ .

٢ – ﺃﻡ ﺍﻹﻣﺎﻡ ﺍﻟﺸﺎﻓﻌﻲ

ﻣﺎﺕ ﺯﻭﺟﻬﺎ ﺑﻌﺪ ﺃﻥ ﻭُﻟِﺪَ ﺍﻟﺸﺎﻓﻌﻲ ﺑﺰﻣﻦ ﻗﺼﻴﺮ، ﻓﻨﺸﺄ ﺍﻟﺸﺎﻓﻌﻲ ﻳﺘﻴﻤًﺎ، ﻭﺃﺻﺒﺢ ﻣﺼﻴﺮﻩ ﻣﺮﺗﺒﻄًﺎ ﺑﺘﺼﺮُّﻑ ﺃﻣﻪ . ﻭﻛﺎﻧﺖ ﺃﻡ ﺍﻟﺸﺎﻓﻌﻲ ﻓﺎﻃﻤﺔ ﺍﻻﺯﺩﻳﺔ ﻛﺎﻧﺖ ﺫﺍﺕ ﺣﺬﻕ ﻭﺫﻛﺎﺀ،

ﻭﺗﻔﻘُّﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻳﻦ، ﻭﻣﺜﻞ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﻡ ﺍﻟﻔﺎﺿﻠﺔ ﻻ ﻳُﺘَﻮَﻗﻊ ﻣﻨﻬﺎ ﺇﻻ ﺃﻥ ﺗﺤﺴﻦ ﺭﻋﺎﻳﺔ ﻭﻟﻴﺪﻫﺎ، ﻭﺗﺴﻬﺮ ﻋﻠﻰ ﺗﻨﺸﺌﺘﻪ ﺗﻨﺸﺌﺔ ﺻﺎﻟﺤﺔ، ﻭﺗﺨﺘﺎﺭ ﻟﻪ ﺍﻟﻄﺮﻳﻖ ﺍﻟﻘﻮﻳﻢ .

ﺍﺭﺗﺤﻠﺖ ﺑﻪ ﺣﻴﻦ ﺑﻠﻎ ﻋﺎﻣﻴﻦ ﻣﻦ ﻋﻤﺮﻩ ﻣﻦ ﻏﺰَّﺓ – ﻣﺴﻘﻂ ﺭﺃﺱ ﺍﻟﺸﺎﻓﻌﻲ – ﺇﻟﻰ ﻣﻜﺔ، ﺣﻴﺚ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﻭﺍﻟﻔﻀﻞ، ﻭﺣﻴﺚ ﺍﻟﺒﺎﺩﻳﺔ ﺣﻮﻟﻬﺎ، ﻭﺍﻟﺘﻲ ﻓﻴﻬﺎ ﻳﻘﻮَّﻡ ﻟﺴﺎﻥ ﺍﻟﻐﻼﻡ ﻭﺗﺼﺢ ﻟﻐﺘﻪ،

ﻓﺄﺻﺒﺢ ﺍﻹﻣﺎﻡ ﺍﻟﻌﻼﻣﺔ ﺍﻟﻔﻘﻴﻪ ﻭﺍﻟﺸﺎﻋﺮ ﺍﻟﻔﺼﻴﺢ ﻭﻣﻦ ﺃﺋﻤﺔ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﻭﻫﻮ ﺛﻤﺮﺓ ﺟﻬﻮﺩ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﺮﺃﺓ ﺍﻟﻔﺎﺿﻠﺔ .

٣ – ﺃﻡ ﺍﻹﻣﺎﻡ ﺃﺣﻤﺪ ﺑﻦ ﺣﻨﺒﻞ ﺻﻔﻴﺔ ﺑﻨﺖ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻤﻠﻚ ﺍﻟﺸﻴﺒﺎﻧﻴﺔ :

ﻭﻟﺪ ﺍﻹﻣﺎﻡ ﺃﺣﻤﺪ ﻓﻲ ﺁﺧﺮ ﺍﻟﻘﺮﻥ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﻓﻲ ﺑﻐﺪﺍﺩ، ﻭﻋﺎﺵ ﻓﻲ ﺑﻴﺖٍ ﻓﻘﻴﺮ، ﻣﺎﺕ ﺃﺑﻮﻩ ﻭﻫﻮ ﻃﻔﻞ، ﻓﺘﻜﻔﻠﺖ ﺃﻣﻪ ﺑﺘﺮﺑﻴﺘﻪ . ﻗﺎﻝ ﺃﺣﻤﺪ ﺭﺣﻤﻪ ﺍﻟﻠّﻪ : ﻓﺤﻔﻈﺘﻨﻲ ﺃﻣﻲ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻭﻋﻤﺮﻱ ﻋﺸﺮ

ﺳﻨﻮﺍﺕ، ﻓﺤﻔﻆ ﻛﺘﺎﺏ ﺍﻟﻠّﻪ ﻭﺍﺳﺘﻮﻋﺎﻩ ﻓﻲ ﺻﺪﺭﻩ، ﺭﻋﺘﻪ ﻭﺍﻟﺪﺗﻪ ﺣﻖ ﺍﻟﺮﻋﺎﻳﺔ، ﻭﻗﺎﻝ ﺭﺣﻤﻪ ﺍﻟﻠّﻪ : ﻛﺎﻧﺖ ﺃﻣﻲ ﺗﻠﺒﺴﻨﻲ ﺍﻟﻠﺒﺎﺱ، ﻭﺗﻮﻗﻈﻨﻲ، ﻭﺗﺤﻤﻲ ﻟﻲ ﺍﻟﻤﺎﺀ ﻗﺒﻞ ﺻﻼﺓ ﺍﻟﻔﺠﺮ ﻭﺃﻧﺎ ﺍﺑﻦ ﻋﺸﺮ

ﺳﻨﻮﺍﺕ . ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺘﺨﻤﺮ ﻭﺗﺘﻐﻄﻰ ﺑﺤﺠﺎﺑﻬﺎ ﻭﺗﺬﻫﺐ ﻣﻌﻪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺴﺠﺪ؛ ﻷﻧﻪ ﺑﻌﻴﺪ، ﻓﺎﻧﻈﺮﻭﺍ ﺭﺣﻤﻜﻢ ﺍﻟﻠّﻪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺮﺃﺓ ﺍﻟﺼﺎﻟﺤﺔ ! ﻗﺎﻝ : ﻓﻠﻤﺎ ﺑﻠﻐﺖ ﺍﻟﺴﺎﺩﺳﺔ ﻋﺸﺮﺓ ﻣﻦ ﻋﻤﺮﻱ، ﻗﺎﻟﺖ ﻟﻲ ﺃﻣﻲ

: ﺍﺫﻫﺐ ﻓﻲ ﻃﻠﺐ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ، ﻓﺈﻥ ﺍﻟﺴﻔﺮ ﻓﻲ ﻃﻠﺐ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻫﺠﺮﺓ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻠّﻪ ﺍﻟﻮﺍﺣﺪ ﺍﻷﺣﺪ، ﻗﺎﻝ : ﻓﺄﻋﻄﺘﻨﻲ ﻣﺘﺎﻉ ﺍﻟﺴﻔﺮ ﻋﺸﺮﺓ ﺃﺭﻏﻔﺔ ﺷﻌﻴﺮ، ﻭﻭﺿﻌﺖ ﻣﻌﻬﺎ ﺻﺮﺓ ﻣﻠﺢ، ﻭﻗﺎﻟﺖ : ﻳﺎ ﺑﻨﻲ

ﺇﻥ ﺍﻟﻠّﻪ ﺇﺫﺍ ﺍﺳﺘُﻮﺩﻉ ﺷﻴﺌﺎً ﻻ ﻳﻀﻴﻌﻪ ﺃﺑﺪﺍً، ﻓﺄﺳﺘﻮﺩﻋﻚ ﺍﻟﻠّﻪ ﺍﻟﺬﻱ ﻻ ﺗﻀﻴﻊ ﻭﺩﺍﺋﻌﻪ، ﻓﺄﺻﺒﺢ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﻤﺤﺪﺙ ﺍﻟﻔﻘﻴﻪ ﺍﻟﺸﺠﺎﻉ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻖ ﻭﺇﻣﺎﻣﺎ ﻣﻦ ﺃﺋﻤﺔ ﺍﻟﺴﻨﺔ .

٤ – ﺃﻡ ﺍﻹﻣﺎﻡ ﺍﻟﺒﺨﺎﺭﻱ ﻭﻟﺪ ﺍﻹﻣﺎﻡ ﺍﻟﺒﺨﺎﺭﻱ ﺭﺣﻤﻪ ﺍﻟﻠﻪ ( 194 ﻫـ ) ﺑﺒﻠﺪﺓ ﺑﺨﺎﺭﻯ . ﻣﺎﺕ ﺃﺑﻮﻩ ﻭﻫﻮ ﺻﻐﻴﺮ ﻓﻜﻔﻠﺘﻪ ﺃﻣﻪ ﻭﺃﺣﺴﻨﺖ ﺗﺮﺑﻴﺘﻪ .

ﺫﻫﺒﺖ ﻋﻴﻨﺎﻩ ﻓﻲ ﺻﻐﺮﻩ، ﻓﺮﺃﺕ ﻭﺍﻟﺪﺗﻪ ﺍﻟﺨﻠﻴﻞ ﺇﺑﺮﺍﻫﻴﻢ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴﻼﻡ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻨﺎﻡ، ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻬﺎ : ” ﻳﺎ ﻫﺬﻩ ! ﻗﺪ ﺭﺩ ﺍﻟﻠّﻪ ﻋﻠﻰ ﺍﺑﻨﻚ ﺑﺼﺮﻩ ﺑﻜﺜﺮﺓ ﺩﻋﺎﺋﻚ ” ﻓﺄﺻﺒﺢ ﻭﻗﺪ ﺭﺩ ﺍﻟﻠّﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﺑﺼﺮﻩ،

ﻓﺘﺒﺪﻝ ﺣﺰﻧﻬﺎ ﺳﺮﻭﺭﺍ، ﻭﻛﺎﻧﺖ ﺃﻣﻪ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﺍﻟﺪﻋﺎﺀ ﻟﻪ ﻭﺍﻟﺒﻜﺎﺀ ﻋﻠﻴﻪ . ﺭﺑﺘﻪ ﺃﻣﻪ ﺃﺣﺴﻦ ﺗﺮﺑﻴﺔ، ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺬﻫﺐ ﺑﻪ ﻟﻠﻤﺴﺠﺪ، ﻭﻛﺎﻧﺖ ﺗﺮﺳﻠﻪ ﻟﻠﻌﻠﻤﺎﺀ ﻭﺣﻠﻘﺎﺕ ﺍﻟﻌﻠﻢ،

ﻓﺄﺻﺒﺢ ﺍﻟﺤﺎﻓﻆ ﺍﻟﻔﺬ ﺇﻣﺎﻡ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻭﺻﺎﺣﺐ ﺃﺻﺢ ﻛﺘﺎﺏ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﺑﻌﺪ ﻛﺘﺎﺏ ﺍﻟﻠّﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ .

دون أن نغفل عن دور الأب، وهو مركزي أيضا ولكن يأتي بعد دور الأم وهما يشتركان في التربية والتنشئة.

3/ شروط ومواصفات المرأة التي تصنع الإنسان:

هذه المرأة التي تستطيع أن تصنع الإنسان، وتخرج للأمة أفرادا صالحين مصلحين، لا تأتي من فراغ، بل لا بد أن تتوفر فيها شروطا وأن تتصف بمواصفات تؤهلها لتلك المهمة.

أ/ الشروط: أن تعرف ترتيب أولوياتها، تبدأ بالاشتغال على نفسها : تحسن علاقتها مع ربها : تعرف ربها جيدا، تحاول الفهم عنه، توطد علاقتها بالقرآن والسيرة، وأن تتخلق بأخلاق الإسلام مظهرا وخبرا.

في ضبط علاقتها مع الله، احتساب تعب الامومة عند الله.

ثم تعمل على البناء النفسي والفكري لذاتها: ، وذلك بتصحيح كثير من المفاهيم في حياتها: مفهوم الزواج ومقاصده، مفهوم السعادة، مفهوم العمل،  مفهوم الإنجاز، مفهوم المتعة، مفهوم الامومة، مفهوم المسؤولية ، مفهوم العبودية (ليست مجرد شعائر، بل امتثال الامر، ومنه والمرأة في بيتها راعية وهي مسؤولة).  مفهوم الحياة الدنيا ، قيمة الصبر، قيمة العطاء، قيمة …

ثم تكتسب قدرا كافيا من العلم، فالمرأة الجاهلة أو نصف المتعلمة لا يمكن أن تبني نفسها ناهيك عن أبنائها. العلم الشرعي: عقيدة وشريعة وسلوكا، ثم العلوم الأخرى التي تحتاجها في وظيفتها كصانعة أجيال.

لا بد من العلم النافع والوعي العام بدورها الخطير في بناء الجيل.

ضرورة وعيها بما يدور في الساحة من مؤامرات على المرأة والأسرة المسلمة، من دعوات العلمانية والتحرر وحقوق المرأة والنسوية التي تستهدف الفطرة وتسعى لإسقاطها، حتى لا تكون ضحية تلك الحركات الهدامة.

ثم المسؤولية الثانية هي أسرتها قبل أي شيء: بحيث تقتنع قناعة تامة أن أول مسؤوليتها أمام ربها بعد نفسها هي أسرتها، وليس شيئا آخر، ((وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ) فعند تزاحم الفرائض والواجبات والسنن، تقدم الأولى، تنظر الى أعظمها أجرا وتقدمها ولا يكن التقصير في الجهة التي ستسأل عنها يوم القيامة.

ومن ثمة على المرأة العاملة أن تعيد ترتيب أولوياتها ، وتحرص على تقديم الأولى الذي تُسأل عنه يوم القيامة، فلا تقصر في تربية أبنائها لأنهم أولى مسؤولياتها بعد نفسها أمام الله عز وجل، كما أن الماكثة في البيت عن جهل لا تنفع كثيرا، (خاصة في زماننا نتيجة كثرة الملهيات لها والمفسدات لفطرتها) الماكثة مع غياب المقصد ووضوح الفكرة لا تفيد عائلتها كثيرا. بل لا بد من المكوث عن علم، عن هدف، عن قناعة، عن خطة عمل واضحة، ورؤية شاملة.

وفي هذه المسؤولية هناك مفاهيم خاطئة تحتاج إلى تصحيح: (مفهوم العبودية لله، مفهوم تحقيق الذات ، مفهوم تحقيق الطموح، مفهوم الاستقلالية والحرية….)

ثم مسؤولياتها تجاه مجتمعها وأمتها. : سواء العمل الوظيفي، والذي يكون حسب ظروفها وحالتها الاجتماعية، أو العمل الدعوي.

ب/المواصفات: ينبغي أن يتوفر في المرأة المسلمة الصانعة للإنسان جملة من المواصفات:

  • أن تكون نيتها في تكوين أسرة هو رضى الله وليس لأغراض دنيوية بحتة، قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الأنعام: – ١٦٢
  • أن يكون هدفها من الإنجاب هو طاعة لله وعقد العزم على أن تكون ذريتها خالصة لله، وجعل إنجاب الأطفال مشروعا لله، وليس تحصيل حاصل للزواج، وقد أرشدنا القرآن الكريم إلى ذلك إرشادا عمليا متجليا في قصة أم مريم زوجة عمران حين قالتإِذۡ قَالَتِ ٱمۡرَأَتُ عِمۡرَٰنَ رَبِّ إِنِّي نَذَرۡتُ لَكَ مَا فِي بَطۡنِي مُحَرَّرٗا فَتَقَبَّلۡ مِنِّيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ  آل عمران: ٣٥-
  • أن تعتمد في تربيتها للنشء على الله وحده، لا على جهدها ولا علمها ولا شيء آخر، وأن تستعين به في ذلك وتتبرأ من حولها وطولها،{فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍآل عمران: ٣٦ – ٣٧،

نوتها لله وأوكلت أمرها إليه واعتمدت عليه، فكانت النتيجة: (فتقبلها ربها.).أي  قبل النذر.

  • تكون ذات يقين تام في الله وفي معيته لها في مهمتها وهذا ما علمتنا إياه السيدة هاجر عليها السلام (فقالت : يا إبراهيم ، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي ، الذي ليس فيه إنس ولا شيء ؟ فقالت له ذلك مرارا ، وجعل لا يلتفت إليها ، فقالت له : آلله الذي أمرك بهذا ؟ قال نعم ، قالت : إذن لا يضيعنا ، ثم رجعت…). ولمسناه في أم موسى حين قال لها مولاها واستجابت وقلبها يقطر حسرة على فراقه وخوفا عليه ولكن يقينها في ربها أكبر{ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَو نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9) وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ القصص: ٧ – ١٠
  • أن تتفرغ لتربية أبنائها وتجعل ذلك أولى أولوياتها، ولا يشغلها شاغل عنه، لأن احتواء الطفل وصناعته يحتاج إلى راحة نفسية والطمأنينة وراحة بال ، والمرأة العاملة تفتقر لذلك لأنها في حد ذاتها مفتقدة لذلك المخزون من الهدوء والراحة النفسية والطمأنية الروحية والسلام الداخلي بسبب تشتتها الذهني والنفسي نتيجة انقسامها بين عدة مهام متشعبة في الداخل والخارج، لأن الفاقدة للاستقرار كيف تعطي الاستقرار، الفاقدة للأمان كيف تعطي الأمان ، الفاقدة للراحة النفسية كيف تعطيها، الفاقدة للسكينة والهدوء النفسي كيف تعطيه، المسحوقة تحت وطأة الاعباء والتكاليف المضاعفة من اين لها القوة لتمنحها لأبنائها؟

 

 

 

 

 

 

4– منهج المرأة المسلمة في التنشئة السليمة للجيل

أ/ اختيار الزوج الصالح.

ب/  غرس العقيدة الصحيحة في نفوس الأبناء: معرفة الله والفهم عنه، حقيقة الحياة الدنيا وأنها دار امتحان لا متعة، التزام منهج القرآن والسنة الثابتة، والاقتداء بسيرة النبي ﷺ وتمثلها في حياتنا.

ج/ الاحتواء، كاحتواء خديجة لمحمد ﷺ حين نزل من الغار يرتجف، وشك في نفسه، واهتزت ثقته بنفسه، هي من هدأت روعه، وأعادته الى جادة الطريق، بتثبيته وتوضيح الرؤية حين أزالت غشاوة الصدمة، وعرفته بحقيقة جوهره….الاحتواء هو توفير الحضن الدافئ، توفير الأمان، توفير الراحة النفسية ، المساعدة على تجاوز المشاكل والعقبات، توفير الحب اللامشروط، ولا تستطيع ذلك امرأة فاقدة لتلك الراحة والطمأنينة النفسية…..الاحتواء لا يكون إلا من امرأة متفرغة لأبنائها مؤمنة برسالة صناعة الإنسان، لأن الفاقدة للاستقرار كيف تعطي الاستقرار، الفاقدة للأمان كيف تعطي الأمان ، الفاقدة للراحة النفسية كيف تعطيها، الفاقدة للسكينة والهدوء النفسي كيف تعطيه، المسحوقة تحت وطأة الاعباء والتكاليف المضاعفة من اين لها القوة لتمنحها لأبنائها؟

فاقد الشيء لا يعطيه.

الاحتواء ، قوة، رزانة، راحة نفسية، رباطة جأش، هدوء، طمأنينة…من لم يمتلك هذا….لا يمكن ان يحتوي….والمرأة العاملة فاقدة لكثير من ذلك نتيجة الضغوطات التي تعيشها، فلا يمكن أن تحتوي….فاقد الشيء لا يعطيه…فهي بذاتها محتاجة الى الاحتواء أكثر من غيرها.

الأبناء منذ المراحل الأولى من أعمارهم حتى سن الشباب يحتاجون دوما إلى السند المعنوي والحضن الدافئ الذي يحتويهم ويخفف عنهم مخاوف الحياة ومشاكلها، وهذه مهمة الأم بالدرجة الأولى، لأن الأب مكلف بالسعي عليهم وتوفير لقمة العيش لهم بحكم ما أعطاه الله من قدرات ومسؤوليات.

د/  غرس الرسالية في الأبناء، بأنهم خلقوا لهدفين: عبودية الله وتحقيق عمارة الأرض والخلافة. وكل أعمالهم تصب في هذين المهمتين: الدراسة والتفوق، والوظيفة والعلاقات والمال.

ه/تربية  الطفل على المسؤولية: التكليف، بأعباء تناسبهم، الاعتماد على النفس، تحميل الذكور رعاية الإناث وحمياتهم، حتى ينشؤوا على مفهوم القوامة ، وتعليم البنات احترام الرجل أبا وأخا وزوجا وعدم الخروج على طاعتهم ما دامت في طاعة الله.

و/ زرع الثقة في نفس الأبناء: بالتقبل، المدح، التشجيع، تجنب المقارنة. الحزم في رحمة.

ز/ غرس المفاهيم الصحيحة في أولادها، لأن الإعلام والتكنولوجيا شوهوا كثير امن المفاهيم، ومنها مفهوم النجاح لأن له أثرا كبيرا على دوره في الأمة وفي علاقاته، مفهوم النجاح الخاطئ التفوق الدراسي، في حين هو كيف تكون انسانا فاعلا في الحياة ، في دراستك، في عملك، في ممارساتك، في تواصلك مع الاخرين، في تقديم النفع للناس، في حسن معاشرة أهلك، في حسن تسيير حياتك، الفلاح في الاخرة.

حين نحصر النجاح في الدراسة، قد ينجح المرء ويتفوق في الدراسة ولكنها يفشل على أكثر من مستوى: على مستوى تربية الاولاد، على مستوى العلاقات الزوجية، العلاقات الاسرية، التواصل مع الاخرين، في عمله، مع خالقه.

ومن تلك المفاهيم: مفهوم المتعة، مفهوم الأسرة، مفهوم العلاقات الأسرية، مفهوم الانتماء لهذه الأمة. مفهوم الزواج وبناء أسرة. مفهوم الصداقة، مفهوم الحياة الدنيا.

ح/ العمل على توفير الراحة النفسية والعقلية والجسدية للطفل.

5/ رؤى استشرافية للعودة بالمرأة إلى دورها ورسالتها المنوطة بها

المرأة مهمتها الأولى بيتها الذي يتخرج منه الصالحون والمصلحون، وهذا ما كانت عليه المرأة منذ بدء الخليقة، أما هذا الذي نراه، من الخروج الصارخ للمرأة ومزاحمتها للرجال في كل ميدان، خروج غير مسبوق، لم تعرفه البشرية لا الكافرة ولا المؤمنة إلا منذ بداية القرن العشرين.

هي  مصيبة حلت بالبشرية لم تعرفها منذ نزول سيدنا آدم إلى الأٍرض حتى القرن العشرين،  ألا وهي خروج المرأة من بيتها للعمل هذا الخروج غير المسبوق، حيث كانت قبل هذا القرن تستقر في بيتها من أجل تربية أبنائها والقيام بشؤون بيتها، وذلك عبر كل أرجاء المعمورة، لا فرق بين مسلم وكافر، أبيض وأسود، غني وفقير، حتى جاءت الثورة الصناعية  التي دفعت بالمرأة للخروج من بيتها للعمل وذلك راجع لعدة أسباب: اقتصادية واجتماعية وأيديولوجية.  مما انعكس انعكاسا خطيرا على الأسرة وبالدرجة الأولى على الأبناء، حيث لم تعد المرأة قادرة على السيطرة على المهمتين: مهمة رعاية الأسرة ومهمتها خارج البيت، والنتيجة الفادحة هي خسارة صناعة الإنسان، الذي هو ذلك الطفل الذي كان ضحية أم تخلت وأبا مشغولا.

ولعلاج هذه النازلة وجب التفكير في حلول جذرية وأخرى مؤقتة  حتى نتجاوز مرحلة الخطر:

  • ضرورة ايجاد حل للمعادلة الصعبة: تكوين المرأة تكوينا جيدا ثم طلب مكوثها في البيت، ولا يكون ذلك بالإكراه ولا من باب الحلال والحرام ، وانما من باب الوعي بحجم المسؤولية.
  • ضرورة السعي للتغيير في مناهج التعليم والتكوين لإعداد الأم المنتجة للإنسان الفاعل، الصالح المصلح وفي انتظار بلوغ تلك الغاية نسدد ونقارب. كل من زاويته، المجتمع بالمساعدة، الاسرة، الرجل، المرأة، وذلك بترتيب الاولويات في المسؤوليات، حسب الطاقة، فكل ميسر لما خلق له.
  • تبني الحكومات لنمط تعليمي خاص بالمرأة لإعدادها إعدادا يؤهلها لتكوين النشء.
  • انتهاج المؤسسات الدعوية والفكرية حملة توعية واسعة النطاق لإبراز دور المرأة المسلمة الفعال والخطير في صناعة الإنسان وكيف يكون ذلك وضرورة  توعيتها بخطر التخلي عن مسؤوليتها في بيتها.
  • السعي إلى إيجاد حلول توافقية للمرأة العاملة من أجل مساعدتها في مرافقة الأبناء، بحيث يراعى نوع الدوام ومدته بما يوافق تمدرس الأولاد ، مراعاة قرب أماكن عملها من تواجد الأبناء، قصر الدوام على فترة زمنية قصيرة لا تستغرق كامل اليوم، وما إلى ذلك من الإجراءات التي تخدم مقصد التربية والتنشئة.
  • مراعاة خصوصية الحالات الاستثنائية ومساعدتها على تكييف ظروف عملها مع وظيفة الأمومة: الأرملة الساعية على أبنائها، المطلقة، غير ذات الأولاد، الساعية على والدين أو إخوة…
  • العمل على تثمين صورة المرأة الماكثة بالبيت وإعطائها قيمة أكبر ماديا ومعنويا، وتصحيح الصورة النمطية السائدة، بكونها صورة المرأة العاطلة عن العمل، المرأة المتخلفة، المرأة المنعزلة عن المجتمع، المرأة الأمية، المرأة غير المتحضر، بحيث يجب العمل على تقديمها على أنها المرأة النموذج لانتاج أسرة  أصيلة فاعلة، فهبي في بيتها تشغل عدة وظائف: مربية، مدرسة، ممرضة، معالجة نفسية ،منظفة، طباخة، منظمة حفلات ،محاسبة، منشطة ترفيهية للأولاد وسكن لزوجها ، إنها مؤسسة متكاملة مجموعة في شخص واحد.

باختصار شديد: إن عمل المرأة في المنزل هو عمل لا يمكن حساب ثمنه مع أن قيمته مرتفعة للغاية، ولذا فهو ليس (عملاً) ، حتى إنه أصبح من الشائع الآن أن تجيب ربة البيت عن سؤال بخصوص نوعية عملها بقولها: «لا أفعل شيئاً فأنا أمكث في المنزل» ، بمعنى أن وظيفتها كأم (برغم أهميتها) وعملها كأم (برغم المشقة التي تجدها في أدائه) هو (لا شيء) ، فهو عمل لا تتقاضى عليه أجراً، ولا يتم في رقعة الحياة العامة، وهنا تأتي المؤتمرات (الدولية) التي لا تنتهي عن المرأة وعن تحديد النسل وحركة (تحرير) المرأة التي تهدف إلى تفكيك الأسرة وإلى تحرير المرأة من أدوارها التقليدية مثل (الأمومة) ، وهي أدوار ترى حركة التمركز حول الأنثى أن المرأة سجينة فيها”[13]

“ومن ثم تدعو الاتفاقية إلى القضاء على تلك الأدوار النمطية أو الجامدة، وإلى اعتقاد أن هناك إمكانية واسعة لتبادل الأدوار باعتبارها محايدة. والنمط الجامد هو وصف يطلق على دور المرأة في المجال الأسري، وذلك بهدف القضاء على دور الأم المتفرغة لرعاية أسرتها، وأن الأمومة وظيفة اجتماعية، فهي ليست وظيفة لصيقة بالمرأة (صفة بيولوجية) بل هي (وظيفة اجتماعية) يمكن أن يقوم بها أي إنسان آخر، لذا نادى تفسير الأمم المتحدة لاتفاقية (السيدوا) بضرورة وضع نظام إجازة آباء لرعاية الأطفال بالإضافة لدور الحضانة حتى تتفرغ الأم لمهمتها الأساسية وهي العمل بأجر خارج البيت (في رقعة الحياة العامة.”[14]

 

[1] – انظر: تهذيب اللغة (5/ 149)، المحكم والمحيط الأعظم (3/ 505)، لسان العرب (4/ 221)، معجم اللغة العربية المعاصرة (1/ 580).

[2] – انظر: العين (1/ 304- 305)، جمهرة اللغة (2/ 888)،

[3] – التحرير والتنوير، محمد الطاهر بن عاشور،

[4] – تهذيب اللغة، الأزهري،  (2/ 24).

[5]– التفسير الوسيط ، الواحدي (3/ 207)

[6] – تفسير السمعاني، أبو المظفر السمعاني، (3/ 331)

[7] – تفسير القرطبي، محمد بن أبي بكر القرطبي،  (11/ 198)

[8] – اللباب في علوم الكتاب، أبو حفص النعماني،  (13/ 246)

[9] – نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، البقاعي،  (12/ 289)

 

[10] – أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى : واتخذ الله إبراهيم خليلا، ح 3200 .

[11] – أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب بر الوالدين وأنهما أحق به – حديث:‏4728‏ ،وأبو داود في سننه ، كتاب الأدب، أبواب النوم –  باب في بر الوالدين، حديث:‏4494‏، واللفظ لمسلم.

[12] – متفق عليه، أخرجه البخاري في  كتاب العتق، باب كراهية التطاول على الرقيق  – حديث:‏2436‏ وفي غيره، ومسلم في  كتاب الإمارة،  باب فضيلة الإمام العادل  – حديث:‏3496‏ ومالك في الموطأ، رواية أبي مصعب الزهري، باب ما يكره من الصدقة، 2/182.

[13] – التحيز في المصطلح، أحمد صدقي الدجاني ، ندوة إشكالية التحيز، رؤية معرفية وعودة للاجتهاد، (١٩ ـ ٢١ فبراير ١٩٩٢م) ، القاهرة: نقابة المهندسين والمعهد العالمي للفكر الإسلامي، ص (١) .

[14] – مصطلحات الأمم المتحدة الخاصة بالمرأة والجمال الاجتماعي، عمرو عبد الكريم سعداوي، مقال عن موقع  https://shamela.ws/book/1541/5959،

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page