حصريا

الآباء الموتى-د. مها الجيلاني-الأردن-

0 642

بسم الله الرحمن الرحيم

الآباء الموتى

مضطربة وعلى عجل، كانت تحضّر أغراضها لسفرٍ مفاجيء، يا فلانة وفلانة لقد رتبت لكم أموركم في الأيام القليلة حين أغيب، المال مع أختكم الكبيرة، وإن نقص عليكم منه شيء فاتصلوا بصديقتي فلانة!
قاطعتها إحدى المتحلقات من الصغيرات حولها: ولماذا نطلب من صديقتك ،أوليس أبانا حياً يرزق ،  حتى لو كنتما منفصلين؟!

لحظة الوجوم التي عكستها صفحة وجوههم وجو الارتباك والضيق التي ساد المكان أنهته إجابة بسيطة من الأم: وهل لو طلبتم منه سيعطيكم؟!

النظرة الحزينة الواشية بالرفض والخذلان على وجوه الحور الصغيرة كانت كفيلة بأن تكمل الأم إجابتها بحسم: إذن فهو في حكم الميت!

كم من الآباء موتى في حيوات أبنائهم سواء بالغياب التام بسبب سفرٍ أو انفصال أو لأسباب أخرى..

في مسلسل الحياة الواقعي يتحاشى الكثير من الرجال القيام بدورهم الحقيقي وقد لا يدرك الكثير منهم أنّ مهمتهم المقدسة تكمنُ  في أن يكون صُلباً للبيت وأهله، وظهراً وسنداً لعرائش تنمو في غيابه، تتكيء عليه في الغياب والحضرة وتتفيأ ظلاله إن غاب!
ورغم ذلك تجد أنّ العديد من الرجال ينتهجون نهج التخلي، فيكتفي بعضهم بالمال تعويضاً عن دورٍ لا يعي كيف يقوم به، وبعضهم يكتفي باليد واللسان والحزام دلالة على وجودِ كيانٍ اسمه الأب.

فيما لا يتوانى بعضهم عن الاختفاء في الظل كالأشباح، مكتفين بأنهم قد أدّوا وظيفتهم البيولوجية في إنجاب الأبناء والبنات وتسميتهم، إلى هنا وينتهي الدور، لذا تجد في بيوتنا المقفلة على أوجاعها أيتاماً والأب حيّ، يشكون قلة ذات اليد أو قلة ذات القلب، لتقوم الأم بمهمة مضاعفة قد تفلح فيها وقد لا تفلح، وقد تنجو ولا ينجون وقد لا تنجو ولا ينجون، فتكبر الإناث ومفهوم الرجل مزعزع في كيانهم ونظرتهم للرجل مشوهة أو غامضة أو ظمأى لأي رجل يمارس دور الأبوة الحانية أو مستسلمة لرجل يمارس دور القسوة والتعنيف مكرّرة دور اليتم والانفصال والأطفال الذين يقفون في الزاوية ناظرين إلى والدة فاجأها أمر طاريء: لتقول لهم: إن احتجتم أمرًا ما فاطرقوا باب الجيران ولا تطرقوا باب والدكم لأنه لن يجيب!

ويكبر الفتى ومفهوم الرجل والأب والرعاية الأبوية لديه غائب أو مشوّه، قد يسدّه وجود ذكرٍ آخرَ في العائلة من الأقارب المسؤولين الذين ما زالت منحة العائلة الممتدّة تكرمنا بنماذج طيبة منهم، وقد لا يسدّه، وكل ذلك تبع لحالات ومتغيرات ألمّت بأسرنا كلها، فلا يصدُق وصفٌ على ابن فقد دورَ والده التربوي والقيمي في حياته، فلا هو باليتيم ولا هو بالولد لأبٍ حيّ، ويظل امتداد هذا الفقد مؤثرًا عليه حين تشكّل رجولته وتشكيله عائلته الخاصة.

ولا شكّ أنّ علاج المشكلة من أساسها أجدى أثرًا من علاج المشاكل المتفاقمة المترتبة عليها، لذا لا بد من البحث عن أسباب هذا التخلي وعلاجه، وهل هو أثر من آثار هذا العصر المادي الذي انتشرت فيه صور النرجسيّة وأطيافها بين أفراده، أم هو أثر لاختلال آنية الرجل والمرأة والاختلاط بين وظيفتيهما؟!

وتحديد مفهوم القوامة في مظاهر شكلية أكثر من إدراك مدى سعة معناها وسمو أشكال تطبيقاتها لو أُدّيت على الوجه الصحيح.

هذه القوامة القائمة على معنى الرجولة لا الذكورة فحسب، يستندُ بناء الأسر فيها إلى وضوح مفهومها وتجلّيه لدى كلٍ من الرجل والأنثى، وقلّ أن رأيت بيتًا يدرك فيه الرجل مفهوم رجولته وتدرك فيه المرأة حدود أنوثتها إلا وكان هذا البيت منتجًا لأفراد سليمين نفسيًا ومجتمعيًا.

كلُّ هذا الشقاء بصوره المنتشرة في المجتمع لم يكن إلا بُعدًا عن الدين وفروضه وتخلّي لأصحاب الأدوار فيه عن أدوارهم، والرعاة عن رعاياهم، واسألوا أروقة المحاكم عن قضايا النفقة والنزاعات التي تجري فيها النساءخلف دراهم معدودة، وقد تحصّلها أو لا تحصّلها، تبعًا لمنظومة القضاء وآليات تطبيقه!

والحاجة ماسّة للتأكيد على أنّنا بحاجة لآباء بارّين بأسرهم على الرغم من مشاكل الحياة التي لا تنتهي، وأن توضع صحة الأولاد النفسية في محل الاعتبار في باب الخلافات فلا يستخدموا ورقة للضغط أوالابتزاز، حتى يصلح أمرهم ويقوموا هم أنفسهم برعاية ذاوتهم وينطلقوا بأدوارهم في مجتمعاتهم بمفهومٍ صحيح غير مريض، وهذا سبيل لأن يبروا هؤلاء الآباء بدورهمحين تتبدل الأدوار.

ونحن بحاجة كذلك إلى إحياء مفهوم الودّ والتراحم الذي يقوم في بناء الأسر، مقام العمود، فيحمل المكروهات ويشدّ عضد المرغوبات ترجمانًا لفهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين تساءل، متعجّبًا من سوء الفهم والتقدير: “أوكل البيوت تُبنى على الحب، فأين الرعاية وأين التذمّم؟!”

حمى الله أسرنا وأسركم من فيروسات النرجسية والتّخلي وعدوى الفردانية التي ضربت عددًا لا يُستهان به من النساء والرجال فتشتتوا عن أدوارهم الرئيسية في المجتمع، وانساقوا خلف شهواتهم ورغباتهم أيًا كانت، فضلّوا وأضلوا وحزِنوا وأحزنوا، وفقدوا أسرهم وأفقدوا رعاياهم ومن يعولون معنى الأمن والطمأنينة والشعور بكيانات لا يسدّ محلها أحد، فصاروا أيتامًا بأبوين.

والسلام

مها ياسين الجيلاني

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page