حصريا

الحج والأسرة- د.زبيدة الطيب -الجزائر-

0 338

الحج والأسرة

تمهيد:

يقدم الحج،بوصفه مناسك عملية،نموذج الأسرة التي تستلهم تكوينها ورؤيتها من العقيدة الإسلامية. وهو بذلك يكشف للمسلمين عنصرا مهما في العملية التربوية؛ وهو الجانب العملي أو القدوة التي تتعالق فيها العقيدة مع الشريعة والأخلاق بصورة يشكل فك الارتباط بينها خللا في العملية التربوية برمتها. وضمن هذا المنظور نحاول الوقوف عند أركان الحج، وأبرز مناسكه بغرض النظر فيها وتأمل عناصرها وأسسها وعلاقتها بالأسرة. وسيتم التركيز على بناء الكعبة والطواف والسعي والأضحية.

أولا-بناء الكعبة:

الكعبة هي بيت الله الحرام التي أمر الله تعالىالنبي إبراهيم عليه السلام ببنائها بالاشتراك مع ابنه إسماعيل عليهما السلام.وفي هذا العمل المشترك من الدلالات ما يجب أن نتوقف عنده لنداوي بعض جراح العلاقة بين الآباء والأولاد اليوم.

يقول الله تعالى في محكم التنزيل«وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» [ البقرة/ 127] لقد تم البناء من الطرفين، واشترك الأب والابن في العملية. ولا شك أن منظر الأب والابن يشتركان في العمل من المناظر؛ التي تثلج القلوب وتريح النفوس، لأن فيه ما يدل على التعاون والحب والحوار والتشجيع على العمل وتثمين عمل الصغار والأولاد.

إن تهميش الأولاد وعدم إشراكهم في الأعمال؛ التي تخص البيت والأسرة سلوك يوحي بالكثير من الأحاسيس السلبية في نفس الأولاد؛ فهو يوحي بأنه لا يعول عليه ولا قيمة لوجوده ويشعره بالتهميش. وعلى النقيض من ذلك فإن إحساس الولد أن له دورا وأنه يكلف بالأعمال الخاصة بالأسرة هو من الأمور التي تصقل شخصيته وتعده لتحمل المسؤولية؛ ذلك أن من أصعب ما يكسر شخصية الولد داخل الأسرة هو إحساسه بالتهميش من قبل الأب أو الأم، وهو ما يدفعه في أحيان كثيرة إلى هجر الأسرة ليذهب إلى البحث عن أجواء التشجيع وتثمين العمل عند الغير، وهو ما يجعله فريسة سهلة لكل أنواع الفواحش والمنكرات. وفي أحسن الأحوال يدفعه إلى الانطواء والعزلة، وترك هموم البيت ومشاكلها ومسائلها سواء تعلق الأمر بالأفراح أو بالمشاكل التي تحصل في البيوت والأسر عادة، وهو ما يفضي في أحيان كثيرة إلى أمراض نفسية نلحظها ونعيشها في كثير من البيوت تعرف بحالات الاكتئاب.

ثانيا- الطواف بالبيت: إن الطواف في لغة العرب هو الدوران حول الشيء، وهو، وإن كان يشي بنوع من الانغلاق داخل تلك الدائرة وعدم الخروج منها؛ إلا أن ذلك يمكن حمله على معنى إيجابي في العلاقة مع الأولاد والأسرة؛ يعني ضرورة الطواف والدوران بالبيت والأسرة والتركيز عليها والاهتمام بها، وجعل الأسرة هي المحور والمركز الذي يستحق أن تطوف حوله؛ فلا خير فيمن يتفاخر بخدمة الغير في مقابل التفريط بالأسرة والأولاد. وهو كثير سواء تعلق ذلك بعلاقة الزوجة بالزوج أو علاقة الزوج بالزوجة أو علاقتهما بالأولاد؛ فإن من أكثر ما يسبب تآكل وفساد العلاقات داخل الأسرة، هو ذلك الاهتمام الذي يبديه أحد أفراد الأسرة بالغير في مقابل التفريط وعدم الاهتمام بأهل البيت. فالطواف حول بيتك أولى.وفي قوله عليه الصلاة والسلام: [ وليسعك بيتك] ما يدل على ذلك.

ثالثا–السعي بين الصفا والمروة: ترك سيدنا إبراهيم عليه السلام زوجته وابنه ؛ في منطقة قاحلة لا ماء ولا زرع . قال تعالى على لسان سيدنا إبراهيم: « رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ »[إبراهيم/ 37] لكن ترك فيهم الحب والإيمان والمشاعر الطيبة. فالمشكلة تحصل ويكون الوجع حين تعيش الأسرة في قصور فخمة وأبنية فاخرة لكن بقلوب خاوية من الحب والاحترام والاحسان، والشعور بالأمن والأمان. بيوت مقفرة وموحشة كأنها قبور لا صخب أطفال ولا حب بين الزوجين ولا إحساس بالأمان. لقد ترك سيدنا إبراهيم ابنه وزوجته في الأرض القاحلة، لكن بقلوب عامرة مؤمنة تتوجه إلى الله تعالى بالدعاء والصلاة. ولذلك كانت النتيجة تلك الفرحة بخروج الماء وتعمير الأرض. وفي ذلك ما يعني أن الله تعالى يقول لنا إزرعوا الحب والإيمان واتركوا الأمر لله تعالى وحده.  فالبيوت لا تعمر بالأثاث الفاخر والتكنولوجيات الحديثة بل بالحب والإيمان الذي يجلب الخير والأمان.

رابعا- الذبح والأضحية:وفيها ما يوحي بأمرين عظيمين يكثر الحديث عنهما في هذه المناسبة؛ أولاهما: الاستجابة المطلقة لأمر الله تعالى من قبل سيدنا إبراهيم عليه السلام، ونجاحه في هذا الامتحان الصعب. قال تعالى:« فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ.  «[ الصافات/ 102]فأن يستجيب الأب لنداء الله تعالى بذبح الإبن فهذا يحتاج إلى إيمان وصلابة وقوة؛ يتمكن بها الأب من لجم كل عواطف الأبوة وكل مشاعر الحب الفطرية وكل أشكال التعلق بفلذة الكبد.

إن الناس اليوم ترى تلك المواقف الإبراهيمية الحقيقية وتشهد الإيمان الإبراهيمي في غزة وفي عموم فلسطين المحتلة،غير الإبراهيمية التي يتم الترويج لها؛ فشتان بين إبراهيمية تعلي كلمة الله تعالى وتسعى لتحرير الإنسان والمقدسات وبين إبراهيمية يراد منها إذلاله والتفريط في مقدساته وأرضه. بين إبراهيمية تعلم الناس أن لا قيمة لحياة الرفاهية (والأمان) فوق أرض مسلوبة وإرادة مرهونة وبين إبراهيمية تروج للسلام الذي يرهن الإرادة ويسرق الأرض ويغتصب المقدسات ويذل الإنسان.

وأما الأمر الثاني؛ فهو أن النبي إسماعيل عليه السلام علمنا، وهو طفل، كيف نقبل أن نذبح في سبيل الله تعالى ونحن راضون !! وكيف نذبح حتى لا تسرق أرضنا ولا تغتصب مقدساتنا ولا تنتهك حرماتنا. كيف نذبح حتى يعيش أهلناوأمتنا وشعبنا، بل كيف نذبح كي يعيش أحرار العالم ممن يستحقون الحياة الكريمة؛ فقبول الذبح واستقبال الأمر بذلك الرضى يفوق كونه طاعة الابن لأبيه فقط، بل هو في الواقع ينطوي على عنصر مهم جدا، ونعني به التضحية في سبيل المبادئ الإسلامية والقيم الإنسانية العليا.

إن الخطاب الإسلامي اليوم يركز على مسألة طاعة سيدنا إسماعيل لأبيه النبي إبراهيم عليهما السلام، ولا شك أن قبول الابن أمر الذبح من غير تردد أو تلكؤ يوحي بتربية وتكوين عال من قبل الأب؛ فهذا القبول هو نتيجة طبيعية لتربية راقية، ولا نتصور أنه كان سيحدث لولاها. وهنا من الضروري لفت الانتباه إلى نقطة مهمة، وهي ضرورة أن تقدم لابنك التربية والإيمان والحب والاحتواء ليقدم لك الطاعة، وضرورة أن تعرف أن الأبوة ليست استعبادا أو تفضلا ولا مزية تقدمها لابنك. إن الأبوة متعة ونعمة يجب أن تقابل بالشكر. والشكر في هذا الموضع هو تربيته. وهذا ينسحب على الأمومة؛ إنها ليست تفضلا؛ فالحمل والرضاعة والسهر لا يخولك استعباد الأولاد بدعوى الطاعة.  فإن إبراهيم عليه السلام قدم الإيمان والحب فوجد مقابله؛ لأن الجزاء من جنس العمل وتلك سنة إلهية وقاعدة عدلية. وسنن الله تعالى لا تحابي ولا تتغير.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page