لاجرم أن المسلم يسعى ليجعل من بيته منارةً فيها يحمي قلبه ودينه وأهله من دنايا الدنيا وفتنتها وما يجرّ فيها إلى معصية الله، ويتخذ الأسباب التي يعمُر بها قلبه وعقله على حد السواء، تماما كما يحتمي فيه من حرّ وقرّ لجسده ….وعلى هذا فالمؤمن مأمور بحماية أهله وصيانتهم بتيسير أسباب الطاعة امتثالا لقول الله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ)، فلما كانت هذه هي الغاية وهي واجبة كما نرى، كانت السبل لتحقيق هذه الغاية ملزمة لربِّ الأسرة لتحقيقها على أكمل وجه وأتَّمه
أما الشريعة فقد أشارت إلى هذا بإشارات يحسُن بالمؤمن أن يقف عندها، ويلتزم بها سواء أكان هذا في عمارة القلب أم عمارة العقل
جاءت السنة بالأمر باتخاذ مصلى في البيت – أمرَ ندبٍ واستحباب – يصلى فيها الفرد نافلته ويؤم أهله، ولعل أول من اتَّخذ مصلى في بيته هو الصدِّيق أبو بكر رضي الله عنه وكان ذلك قبل الهجرة، فعن عَائِشَةَ رضي الله عنه قالَتْ: لَمْ أعْقِلْ أبَوَيَّ إلَّا وهُما يَدِينَانِ الدِّينَ، ولَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إلَّا يَأْتِينَا فيه رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، طَرَفَيِ النَّهَارِ: بُكْرَةً وعَشِيَّةً، ثُمَّ بَدَا لأبِي بَكْرٍ، فَابْتَنَى مَسْجِدًا بفِنَاءِ دَارِهِ، فَكانَ يُصَلِّي فيه ويَقْرَأُ القُرْآنَ، فَيَقِفُ عليه نِسَاءُ المُشْرِكِينَ وأَبْنَاؤُهُمْ، يَعْجَبُونَ منه ويَنْظُرُونَ إلَيْهِ، وكانَ أبو بَكْرٍ رَجُلًا بَكَّاءً، لا يَمْلِكُ عَيْنَيْهِ إذَا قَرَأَ القُرْآنَ، فأفْزَعَ ذلكَ أشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ المُشْرِكِينَ…الحديث
ثم جاء الأمر بذلك صريحا عَنْ عائشة رضي الله عنها، قَالَتْ: “أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ وَأَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ»”.
قال الحافظ بن رجب الحنبلي مساجد البيوت هي أماكن الصلاة منها، وقد كان من عادة السلف أن يتخذوا في بيوتهم أماكن معدة للصلاة فيها، وهذه المساجد لا يثبت لها شيء من أحكام المساجد المُسبَلة – أي المتخذة وقفاً –. إ.هـ
وهذا المسجد مظهر من مظاهر التربية، فإن الرجل ربما يصلى بأهله المكتوبة الفائتة أو يصلي بهم التراويح، ثم إنه يصلي فيها الرواتب حتى إذا رآه الأهل كان قدوة لهم، مصداقا لحديث النبي صلى الله عليه وآله سلم : (اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا)
وليس هذا المصلى شأنه أن يكون منفصلا أو ذا بناء يشبه المسجد، وإنما تكفي زاوية من زوايا البيت او تُفرَّغ غرفة، هكذا فحسب بلا كلفة
ولهم ان يقرؤوا فيه القرآن أو يجتمعون فيه للمدارسة، وللأهل ان يشابهوه المسجد في الطهارة و التعطيركأن يجعلوا فيه رفًّا للمصاحف وموضعا يُعلق فيه قميص الصلاة والخمار وموضعا يوضع فيه السواك وهكذا حتى يكون أشبه بالمسجد، على أنه لا يأخذ حكم المسجد فلا يغني عن صلاة الجماعة، ولا يأخذ حكمه من إيجاب تحية المسجد وغيرها من أحكام المسجد التي تخص الجنب والحائض، بل هو شبيه له ومحفز للأهل ومظهر من مظاهر التربية والتشجيع كما سلف.
هذا في عمارة النفوس والقلوب، أما عمارة العقول فإن من السبل المفضية إليه إنشاء مكتبة ورقية مما يحتاجه المسلم صغيرا كان أو كبيرا، ذكرا أو أنثى، يجتهد الولي في تكوينها مع الأيام والليالي، ينتقي فيها الأنفع والأهم
فعلاقة المرء بالكتاب ينبغي أن تُرعى وتُحفظ وتصان حتى تثبت في رُوعه وتنمو، فكلما وُجِد العشق بينهما تنزّه عن رفقاء السوء ممن يحيطون به. ففي الكتاب مِسحة قداسة تجعله مخلصا إن خُذلت، والكتاب نافع ابدا، قلّما نظرت في كتاب إلا أفدتَ منه ولو كلمة، او كما قال الامام احمد .
الكتاب يعلم الصبر في نيل العلم ؛ فانك تقرؤه وقد تضطر لتكراره وتلخيصه، بله الاستعانة بكتاب آخر لتوضيح مُشكِله وتفصيل مُجمَله. في رحلةٍ بين الكتب لو رُزقت متعتها؛ رجعتَ على الصّحب والناس بالسَّآمة منهم .
لكن كل ماذكرتُ لك لم يعد كما وصفتُ، فهذه الرقمية التي غزت العالم حتى غدت الاصل له ، منها المصدر واليها المورد،.زاحمت الكتاب ودفعته حتى قضت عليه أو كادت…
وصارت البيوت خالية من الكتب، فإن سألت عن سبب ذلك قالوا: إن في الكتب المصورة غنية، وإن حملها في هاتف صار ميسورا، فما الحاجة الى الورق المثقل؟؟، وهذه كلمة ظاهرها الحق وتؤيدها التكنولوجيا، ولكن من ورائها التدليس والمغالطة…
قد صار الباحثون من “جوجل”ينهلون، وبه يستعينون، والحق يقال انه كان لهم نعم المعين، فقد قرّب لهم ما بَعُدَ وجمع لهم ما تفرّق في بطون الكتب واختصر لهم ما بسطته الموسوعات .
وهنا خرجت لنا فئة من الناس احتالت مع الرقمية فأخذوا منها الصبغة التي تُلمِّع حقيقتهم التافهة، لستُ أعيبها ولا أنكر نفعها ولا أغمط فوائدها . ولكني أستاء من سوء استخدامها وأن نجعلها حدّ السكين الذي نمزق به الكتاب..
وصار الناس يبحثون عن المعنى السريع بلا صبر، والجواب المباشر من دون إطالة بحث، والمختصر بلا استطالة وتشعُّب…وهذا من آثار الرقمية المدمرة
حتى الكتب المصورة صار البحث فيها يسيرا سريعا، وهذه السرعة مذمومة في أصلها، ونفعها استثناء لا أصلٌ مطلوب،
الكتاب يعلمك الصبر في التصفح، وربما مررت على الفائدة تتلوها أختها حتى تصل إلى المراد، وربما عقلت اسم الدار والمحقق وعدد الصفحات، ونظرت في الهوامش كل ذلك بصبرٍ وتؤدة حتى تاتي على بغيتك، وهذا ما لا توفره لك الرقمية بل العكس هو الحاصل، الوصول السريع مع حرمان آليات البحث ودقايق التصبر
وهذا ما ينبغي تربية الجيل عليه، بل إن رؤية المطالع وقلب الصفحات والاستعانة بكتبل آخر مظهرٌ من مظاهر التربية وربما امرت ولدك بجلب كتب فيرسخ عنوانه في ذهنه، وربما استعنت به – متعمدا – في البحث عن معلومة أو ترجمة أوصفحة – كل ذلك تربية منك له
المكتبة في البيت ليس مجرد زينة بل هي منارة لعمارة العقل
وبعدُ:
فالمصلى والمكتبة سِماكان يضيئان بيت المسلم بهما يعمُر القلب والعقل فيكتمل بناء الأسرة وكلما احسنت الأسرة استغلالهما وتوجيه االابناء إليهما رأيت أثرهما عاجلا، وكلما أحسنا التعامل مع هذه الوسائل الحديثة وأحكمنا القبض على المنافع ودرءنا عن اهلنا مضارها مع هذين السِماكين أوشك المجتمع على الفلاح
والسلام
سِماكا: السِماكان مثنى سِماك وهما نجمان في السماء سُميا كذلك لارتفاعهما والسموك الارتفاع
المكتبة و المصلى نجما البيت