حصريا

ثقوا بأبنائكم “هكذا علمني أبي” – مريم عبدالله النعيمي -الجزائر-

0 335

ثقوا بأبنائكم “هكذا علمني أبي”
بقلم : مريم عبدالله النعيمي
هذه أول مرة أكتب فيها عن أبي بعد رحيله رحمه الله منذ سنوات، الآن وبعد مرور زمن طويل صار بإمكاني أن أكتب عنه، الرجل الذي أهداني الله إياه ليكون أبي، ولعلني يوما أكتب كتابا كاملا عن ذكرياتي معه فهو بالنسبة لي أمة وحده،ألم يقل شاعرنا العربي:كل فتاة بأبيها معجبة.لقد صدق الشاعر في كل حرف قاله.

من الطبيعي أن تعجب الفتاة بأبيها، لكن أن يعجب الأب بابنته الصغيرة ، وأن يخبرها بأنه معجب بها فهذا ما قد تفوز منه بنات،  وتحرم منه أخريات!!

أما عني فلقد حظيت بإعجاب أبي مبكرا جدا، لكنني فقط أنقل لكم عبارة قالها أبي أتمنى من كل الآباء والأمهات أن يفكروا بها كثيرا لأنها رافقتني إلى يومي هذا، وأثرت علي عظيم التأثير.

لقد كانت تلك العبارة العظيمة الدلالة، المفعمة بالحب الكبير، والتقدير لشخصي البسيط، والقليل التجربة في الحياة حينها قيمة تربوية عظمى، والتي قالها أبي في لحظة كان يدافع فيها عني أمام أمي .

لا أذكر القصة، لا أذكر سؤال أمي لي، لكنني حين أجبتها لم تقتنع بالإجابة،التفتت فورا إلى أبي وقالت له بغضب عظيم :انظرإلى ما تقول ابنتك ، انظر إلى ما تقول مريم ،ثم نقلت له العبارة التي قلتها.

كان جوابه رحمه الله:إن قالت مريم هذا فقد صدقت، لو قال الناس جميعا إن الشمس تشرق من المشرق، وقالت ابنتي إن الشمس تشرق من المغرب لكذبتهم جميعا وصدقتها.

لم أعرف ماذا أقول ، فتحت عيني على آخرها، حاولت أن ابتلع ريقي، دهشت، ذهلت، إن أبي لثقته الكبيرة بي مستعد ليكذب العالم كله ويصدقني.

كان هذا في لحظة دفاع كاملة عني أمام أمي التي لا أذكر فيم أغضبتها.

لقد كانت إجابته ضخمة، فاقت أكبر توقعاتي.

أعلم أن أبي رحمه الله ينزلني في نفسه منزلة سامية .لكن إلى هذا الحد، إن أبي يقدرني ويثق بي ثقة عظيمة جدا، وهذا الأمر هو عطاء ابوي كبير لفتاة صغيرة ناشئة.

كيف نطق هذه الجملة.اي حب هذا، اي براعة في التعبير عن ثقته الكاملة بابنته التي لم تكن تتجاوز الاثنتي عشرة عاما بعد؟!!

ثم ماذا عني كيف سأحمل شرف هذه الثقة الضخمة، ماذا يجب أن أفعل طيلة حياتى حتى لا أخيب ثقة من أراه دائما  رمزا كبيرا في حياتي؟!!

يا لله، هل يثق أب بابنته إلى هذا الحد، ثم مالذي يترتب على هذه الثقة الكبيرة والغالية من أبي الذي نادرا ما كان يفصح عن مشاعره ؟!!

لم يكن أبي رحمه الله رجلا يغدق عبارات الحب على أبنائه وبناته.

لقد كان من النوع التقليدي الذي يعبر بأفعاله عن حبه أكثر مما يعبر بكلماته وأقواله .

كيف قالها، بل كيف وجدني وأنا مازلت طفلة صغيرة لم تتجاوز الاثنتي عشرة عاما من عمرها بعد أهلا لثقته الكبيرة ؟

حتى أمي صمتت لم تستطع أن تكمل حديثها.

هي الأخرى وجدت في ردة فعل أبي العاطفية والفياضة نبعا من حنان جعلها تختار الصمت، فهي لم تسمع من أبي قط عبارات الإطراء والثناء على هذا النحو اللافت وبهذا المستوى الرفيع من الرحمة والحنان!!

شكرا أبي بمقدار الأرض والسماء.شكرا بمقدار هذا الكوكب المليئ بانعدام الثقة بالأبناء والبنات.

إن الآباء والأمهات لو يعلمون قيمة إعطاء الثقة لمن يربون لأغدقوا عليهم أنواع العبارات المفعمة بالتفاؤل والفخر بهم بدلا من التحول لدور القاضي الذي يحاكم ويجازي ويحاسب، وينتقد.

إن  أطفالكم في طور التربية، ومن هو في طور التربية يخطئ، بل وكيف سيتعلم إن لم يخطئ لذلك أهدي هذه القصة التي كانت من أعظم هبات التربية التي جاد بها علي خالقي العظيم حين منحني والدا رباني والثقة بي تملأ قلبه.

كم أنت كبير أيها المربي الذي رحلت وما فارقت مكانتك قط، تغمدك الله بواسع رحمته، وغفرك لك حتى ترضى.

كانت هذه القصة فقط لتنبيه الأبوين على مقدار النجاح التربوي الذي يمكن أن يتحقق فيما لو رفعوا من مستوى ثقتهم بأبنائهم.

لا تقل لابنك:  أنا لم أرك تصلي إذن أنت لم تصلي.

لا تقولي لابنتك: أنا لا أثق بعلاقتك مع مواقع التواصل.

لا تجعلي ابنتك تحلف اليمين حتى تصدقيها

لا تتجسسوا على أبنائكم وبناتكم وكأنهم مجرمون في قفص الاتهام.

فقط اجعلوا المنزل مكانا صحيحا للتربية على فضائل الأخلاق

كونوا أنتم أيها المربون نموذجا للصلاح، ومنكم سوف يتعلمون معنى القدوة.

نادوهم بأحب أسمائهم إليهم، امنحوهم الاحترام مع الحب، لا تشككوا في أقوالهم، وامنحوهم فرصا كافية للتعبير عن أنفسهم.

أبناؤكم الصغار هم  في طور التربية لذا فالأحكام القاسية سوف تكون أداة لهدم نفوسهم من الداخل .

بالحب تبنى الأواصر، وترتقي المشاعر، وبالحرمان من الحب تتحول البيوت لأماكن للسجال، والخصومات والتربية المتأرجحة.

ثمة فرص عظيمة لتربية الشعور بالخير والجمال والقيمة للإنسان فيما لو كان سلوك الأبوين، وأقوالهما باتجاه تربية قائمة على التقدير والثقة، ورفع سقف التوقعات  تجاه ما يمكن أن ينجزه الأبناء والبنات في مستقبل الأيام

(نهاية المقال)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page