نساء في حياة الأنبياء…
عائشة بنت الصدّيق.. الزوجة العالمة والمبلّغة الفاهمة
د. سهام داوي
هي الصدّيقة بنت الصدّيق.. قطعة من الصاحب والرّفيق .. أحبّها حبين: حبّا من حب أبيها .. وحبّا لما رأى ووجد فيها .. وتميّزت عن سائر نسائه بأن كانت البكر الوحيدة، والراوية الرشيدة، والفقيهة السديدة، تركها ولم تبلغ العشرين، وعمّرت بعده طويلا شاهدة الخلافة الراشدة وشيئا من حكم الأمويين.
********
كانت لعائشة بنت الصديق رضي الله عنها ميزة وخصوصية بين أمهات المؤمنين، فقد تزوجها الرسول صلى الله عليه وسلم صغيرة بإشارة ووحي، أما الإشارة فمن خولة بنت حكيم التي ربطته بسودة، رعاية للبيت والأولاد، واقترحت عائشة تجديدا للمشاعر ومسحا للحزن عنه بعد رحيل خديجة.. وكانت حينها صغيرة فخطبها وتركها عند والدها إلى أن بلغت الحلم ولم يكن في ذلك حرج لمن يقيس حالهم على حالنا.. فكان زواج الصغيرة مألوفا في المجتمع العربي، بل إنها في تلك السن التي خطبها فيها كانت مخطوبة إلى جبير بن مطعم بن عدي، ولكنه أعرض عن هذا الزواج بسبب الإسلام، فكانت من نصيب النبي صلى الله عليه وسلم، وأمّا الوحي فكان من خلال الرؤيا التوجيهية، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: رأيتك في المنام يجيء بك الملك في سرقة من حرير، فقال لي هذه امرأتك، فكشفت عن وجهك الثوب، فإذا أنت هي، فقلت: إن يك هذا من عند الله يمضه”[1]
وقد كانت صغيرة لم يشتد عودها بعد فأرجأ الدخول بها إلى أن يحين الأوان، ومرّت سنوات ثلاث على الرسول صلى الله عليه وسلم بزوجة واحدة هي سودة .. ترعى بيته، وتنظر في حاجته، وتملأ عليه شيئا من فراغ خديجة.. كان له فيها دفع جديد في الدعوة بعد رحلة الإسراء والمعراج، ونقلة فارقة في مسارها بالهجرة إلى المدينة مع أبي بكر تاركين الأهل خلفهما، حتى إذا استقرا أرسلا من يحضرهنّ جميعا، فكانت في أهل النبي صلى الله عليه وسلم سودة بنت زمعة، وكانت في أهل ـأبي بكر رضي الله عنه عائشة بنت الصديق، ورأى الوالد بعد الاستقرار أنّ الفرصة أصبحت مناسبة للبناء بها، فتمّ ذلك، ودخلت الصبية بيت الزوجية، منضمة إلى ضرة ليس في بالها المنافسة ولا الكيد، بل كانت امرأة بقلب كبير تتجاوز لها عن كلّ خطأ وتقصير، مراعية سنها، وقلة خبرتها، وحُفظت العلاقة بينهما على الود والتقدير..
وتصف عائشة رضي الله عنها تفاصيل البناء بها فتقول:” جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيتنا، فاجتمع إليه رجال من الأنصار ونساء، فجاءتني أمي وأنا في أرجوحة بين عذقين، فأنزلتني، ثمّ سوّت شعري، ومسحت وجهي بشيء من ماء، ثمّ اقبلت تقودني حتى إذا كنت عند الباب وقفت بي حتى ذهب بعض نفسي، ثمّ أدخلتني ورسول الله جالس على سرير في بيتنا، فأجلستني في حجره وقالت: هؤلاء أهلك فبارك الله لك فيهن، وبارك لهن فيك. ووثب القوم والنساء فخرجوا، وبنى بي رسول الله في بيتي، ما نُحرت عليّ جزور، ولا ذُبحت من شاة، وأنا يومئذ ابنة تسع سنين، حتى أرسل إلينا سعد بن عبادة بجفنة كان يرسل بها إلى رسول الله”[2]
كانت لعائشة من يومها حجرتها الخاصة، ومكانتها الخاصة، ولم يذهب بها لهو البنات بعيدا، فسرعان ما عرفت حقيقة العلاقة الزوجية، وحقيقة المهمة النبوية، فأعطت لمحمد الزوج حبا ودلالا، ومنحت محمدا الرسول اقتداء وانتباها، حتى صارت من أكثر الصحابة رواية للحديث، وأقدر النساء على الفتيا في الدين.
كانت عائشة الأثيرة لميزات كثيرة فيها، ولكنها لم تتخلص من نار الغيرة بعد توالي الوافدات على بيت النبوة، فلم ترض لنفسها بالشريكات، رغم يقينها بأنها في مرتبة لا تبلغها الأخريات.. لقد جاءت بعدها (حفصة بنت عمر بن الخطاب)، وجاءت بعدها زوجات شريفات امتلأت بهن الحجرات التسع، “كانت فيهن (زينب بنت جحش) الشابة الجميلة، و(أم سلمة بنت أبي أمية) الحسناء الأبية المترفّعة، و(جويرية بنت الحارث) التي تأخذ العين بملاحتها، و(صفية بنت حيي) سليلة اليهود الناعمة الساحرة، و(أم حبيبة بنت أبي سفيان) زعيم مكة وقائد جيشها، ثمّ كانت هناك (مارية) المصرية الجذابة، أمّ إبراهيم ابن محمد.. “[3] وما كان لهذه الغيرة أن تقنع بسياسة الفرد في مقابل الجماعة، ولكنها اتبعت سياسة الجبهات، فكوّنت حلفا مع سودة الحنونة المشفقة وحفصة القريبة الأريبة في مواجهة البقية.
لقد فعلت الغيرة فعلتها بها رضي الله عنها، وكان لها من المواقف الكثير مع ضرائرها دفاعا عن حبّها للرسول صلى الله عليه وسلم، ويقينا في مكانتها عنده، وهي الصغيرة المدلّلة، النبيهة المكرّمة، التي دخلت بيته طفلة، وسرعان ما نضجت، ووعت، وأضحت بأحكام الشرع من العالمات، ومضى بها العمر بعده فروت المواقف، وعلّقت عليها حنينا لزمن فات، وتوثيقا لمرويات تداولتها الأمة جيلا بعد جيل.
عائشة الطاهرة في مواجهة الابتلاء العظيم
لم تواجه واحدة من أمهات المؤمنين ما واجهته عائشة الصديقة من ابتلاء الاتهام في عرضها وشرفها، فقد عانت وتألّمت، وتعذبت وهي تواجه التهمة، بعد أن شاعت وذاعت دون علمها، فلم يجرؤ الزوج الممتحن، ولا الوالد ذو الشرف الممتهن، ولا حتى الوالدة القائمة عليها في مرضها على إخبارها بالذي يجري والذي يقال عنها، ولكنها بإحساس الزوجة المحبة أحسّت من زوجها التغيير، وتفطّنت لوجود خطب خطير، وعلمت بعدها الذي قيل عنها، فكانت الصدمة قوية وكان الموقف صعبا، ولكنها لم تستكن، ولم تستغرق في التماس التصديق ممن حواليها، بل لم تجب النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما دعاها إليه من التوبة إن فعلت، وأعلنتها كما أعلنها أبو يوسف من قبل (فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون).. وكان الله في عونها، فأكرمها بوحي يثبت البراءة، ويلقن المجتمع بأسره درسا في التثبت، والتورع عن الأعراض، مع جملة من الآداب حفلت بها سورة (النور) التي برّأتها ورفعت قدرها بين المشكّكين.
حدث ذلك في نحو السنة السادسة للهجرة، حيث أقرع الرسول صلى الله عليه وسلم بين نسائه وهو يتأهب للخروج إلى غزوة بني المصطلق، وكان السهم لعائشة، ففرحت، وانضمّت للخارجين تحت راية النبي الأمين، وزاد من غبطتها ما كان من النصر المؤزر، والعودة الميمونة إلى الديار، وكانت تسير معهم في هودج لها مستورة بداخله، محفوظة من الأذى، حتى إذا ما وصلوا وأناخوا بعيرها تفطّنوا إلى أنها ليست في الداخل، وما هي إلاّ ساعة من نهار لفّتهم فيها الحيرة عليها حتى أطلّت من بعيد على بعير يقوده الصحابي (صفوان بن المعطل) حيث تخلّف عن الجيش لجمع بقايا المخلّفات على ما جرت عليه العادة، وصادف أن افتقدت عقدا لها بالمكان فخرجت تطلبه دون أن يشعر بها أحد، حتى إذا عادت إلى حيث تركت هودجها وجدتهم قد ذهبوا، وفي تفاصيل ذلك تقول:” خرجتُ لبعث حاجتي قبل أن يؤذن في الناس بالرحيل، وفي عنقي عقد لي فيه جزع “ظفار” ــ مدينة باليمن ــ فلمّا فرغتُ انسلّ من عنقي ولا أدري، فلمّا رجعتُ إلى الرحل ذهبتُ ألتمسه في عنقي فلم أجده، وقد أخذ الناس في الرحيل، فرجعتُ إلى مكاني الذي ذهبتُ إليه فالتمسته حتى وجدته، وجاء القوم ــ وأنا بعيدة ــ فرحلوا بعيري، وأخذوا الهودج وهم يظنون أني فيه ــ إذ كنت خفيفة لم يثقلني اللحم ــ فاحتملوا الهودج، فشدوه على البعير ولم يشكّوا أني فيه. ثمّ أخذوا برأس البعير فانطلقوا به، فرجعتُ إلى العسكر وما فيه من داع ولا مجيب، قد انطلق الناس…
“فتلففتُ بجلبابي” ثمّ اضطجعتُ في مكاني، وعرفتُ أن لو قد افتُقدتُ لرُجع إليّ. فوالله إني لمضطجعة، إذ مرّ بي (صفوان بن المعطل السلمي)، وقد كان تخلّف عن العسكر لبعض حاجته فلم يبت مع الناس، فرأى سوادي فأقبل حتى وقف عليّ، فلمّا رآني قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ظعينة رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ما خلفك يرحمك الله؟
فما كلمته، ثمّ قرّب البعير فقال: اركبي. واستأخر عني فركبت، وأخذ برأس البعير فانطلق سريعا يطلب الناس، فوالله ما أدركنا الناس وما افتُقدتُ، حتى أصبحتُ، ونزل الناس، وطلع الرجل يقود بي”[4]
وما كان من الصديقة البريئة وقد وصلت إلاّ أن ركنت للراحة، أمّا المرجفون والمنافقون فكان منهم العجب، حيث نفثوا بخبثهم في الحادثة، وساروا بها في مسار يطعن في عفتها وشرفها، واتّهموها في عرضها، وسرى الخبر بين الناس فهوى مرضى النفوس وتورّطوا، وأصيب النبي صلى الله عليه وسلم في عرضه، فزُلزل زلزالا شديدا متجرّدا من خصوصيات النبوة إلى طبيعة البشر التي تصدّق ما قام عليه الدليل، وكان يكفي الناس دليلا في ذلك أنها تخلّفت عن الجماعة، وأقبلت فريدة بعدهم مع رجل غريب عنها. وكان هذا ينطلي بمعزل عن التفاصيل والحجج، وأرادوا له ذلك، فلم يستفسروا عن السبب، واكتفوا بإثارة العجب، وبلغ الحديث مسامع النبي صلى الله عليه وسلم، كما بلغ أبا بكر وأمّ رومان ــ والدتها ــ فما تجرّأ أحد منهم أن يفاتحها في الأمر لما رأوا بها من عوارض المرض، فظلوا بذلك يحترقون، وظلت عما يجري حولها غافلة لا تدري الذي يقول الناس والذي يفترون، إلاّ ما ظهر لها من تغيّر معاملة الرسول صلى الله عليه وسلم لها، فلم يكن يزيد وهو يدخل عليها في مرضها على أن يقول:” كيف تيكم؟”
كان هذا التغيّر همّا في قلب عائشة المريضة، تظنّ أنه لشاغل خارجي لا يريد أن يشغلها به في مرضها، ومع ذلك فلا تتحمّل أن تجد منه هذا الجفاء، ولذلك فقد طلبت منه السماح لها بالانتقال إلى بيت والديها لتمرّضها أمّها، فوافق، ومكثت هناك إلى أن برئت بعد ما يزيد عن العشرين يوما وهي لا تدري عن الوضع شيئا، ولا تعلم من التهمة طرفا، لتعرف بالصدفة الفريّة القاتلة لكلّ أنثى شريفة، فكيف وهي بنت الصديق، وزوجة الرسول الكريم؟ تقول:” فخرجتُ ليلة لبعض حاجتي ومعي (أم مسطح بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف)، وكانت أمها بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم خالة أبي بكر، فوالله إنها لتمشي معي إذ عثرت في مرطها فقالت: تعس مِسطح. قلت: بئس لعمر الله ما قلتِ لرجل من المهاجرين قد شهد بدرا. فقالت: أو ما بلغك الخبر يا بنت أبي بكر؟ قلت: وما الخبر؟ قالت: نعم والله لقد كان ..
فوالله ما قدرتُ على أن أقضي حاجتي، ورجعتُ فما زلتُ أبكي حتى ظننتُ إنّ البكاء سيصدع كبدي، وقلتُ لأمي: يغفر الله لك، تحدّث الناس بما تحدّثوا به ولا تذكرين لي من ذلك شيئا؟ قالت: أي بنية: خفضي عليك الشأن، فوالله لقلّما كانت امرأة حسناء، عند رجل يحبّها، لها ضرائر، إلاّ كثّرن وكثّر الناس عليها” . وما كان هذا الردّ ليمسح على قلبها ما تجد، ولا ليطيب خاطرها أو يضمّد قلبها المجروح، فقد استمرّت تبكي لا تقوى على غير ذلك. وما كان يسعفها الحال أن تقف في الناس معلنة براءتها، ولا أن تدعوهم ليسألوا المتّهم معها، أو أن تدعو الرسول صلى الله عليه وسلم وتكاشفه بما كان من أمرها فلن يكونوا لها من المكذّبين. ولكن الوضع مزج عليها انكسارا، بكبرياء البريئة المنتقمة لشرفها بصمت يمليه اليقين في البراءة، وظهور دليلها ولو بعد حين.
أمّا الرسول صلى الله عليه وسلم فلم يكن اقلّ معاناة منها، لأنه متّهم في عرضه كذلك، ولأنها في اعتباره ليست مجرّد “واحدة” من الزوجات، يمسحها من حياته ويمضي، ويجد عنها العوض في الباقيات، بل كانت قرّة العين، وحبيبة القلب، وابنة الحبيب الذي يحبّها لحبّه، ولذلك فقد قام في الناس خطيبا، وعرض عليهم الحال بعيدا عن سمع عائشة وبصرها، بحثا عن الحلّ دون أن يجرح مشاعرها، فحمد الله تعالى واثنى عليه ثم قال:” يا أيها الناس، ما بال رجال يؤذونني في أهلي، ويقولون عليهم غير الحق؟ والله ما علمتُ عليهم إلاّ خيرا، ويقولون ذلك لرجل والله ما علمتُ منه إلاّ خيرا، وما يدخلُ بيتا من بيوتي إلاّ وهو معي”
وتمضي عائشة رضي الله عنها في وصف محنتها فتقول:” ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليّ، فدعا علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد فاستشارهما، فأما أسامة فأثنى عليّ خيرا وقال: يا رسول الله أهلك، ولا نعلم منها إلاّ خيرا، وهذا الكذب والباطل. وأما علي فإنه قال: يا رسول الله، إنّ النساء لكثير، وإنك لقادر على أن تستخلف، وسل الجارية فإنها ستصدقك. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم جاريتي (بريرة) ليسألها، فقام إليها (علي بن أبي طالب) فضربها ضربا وهو يقول:” اصدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فتقول بريرة:” والله ما أعلم إلاّ خيرا، وما كنت أعيب على عائشة شيئا إلاّ أني كنت أعجن عجيني فآمرها أن تحفظه، فتنام عنه، فتأتي الشاة فتأكله”
وبعد كلّ هذا الألم، وهذه المشاورات، جلس إلى صاحبة الشأن أخيرا ليحدّثها في الموضوع، على ما يميزه صلى الله عليه وسلم من لين وتفهّم، وتحكّم في النفس، فقال:” يا عائشة، إنه قد كان ما بلغك من قول الناس، فاتقي الله، وإن كنت قد قارفتِ سوءا ممّا يقول الناس فتوبي إلى الله، فإنّ الله يقبل التوبة من عباده” وكان عجبها من ذلك كبيرا، فلربما نسيت أنه بشر يصدّق ما يرى، أو ما يسمع بدليل، وفي محنتها هذه قد نزعت منه صفة النبوة جانبا، وتُرك ببشريته أمام الابتلاء، تأكيدا لمن حوله، ولمن بعده إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها أنه لا يخبر إلاّ بما يكلّف، وأنّ النبوة لم تسلبه بشريته، بل وأنه لا يستطيع التحايل والكذب ليخرج نفسه من المأزق، لأنه الصادق الأمين.
كان الموقف ــ ولا شكّ ــ عظيما، وكان الجرح غائرا، وتوقف دمعها إذ لم يعد يسعف للتعبير، والتفتت إلى والديها الصامتين في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم، فقالت:” ألا تجيبان؟” فردّا عليها فاقدين للحيلة:” والله ما ندري بم نجيب”، فعادت الدموع تنهمر حسرة على وضع لم تكن تتوقّعه وهي الأثيرة الطاهرة، وتحاملت على جرحها بكلام تفرغ به غيض قلبها، وقالت:” والله لا أتوب إلى الله مما ذكرتَ أبدا، والله إني لأعلم لئن أقررتُ بما يقول الناس، والله يعلم أني بريئة لأقولن ما لم يكن، ولئن أنكرتُ ما يقولون لا تصدّقونني”. فلم يبرح رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه عندها حتى تغشّاه ما كان يتغشّاه عند نزول الوحي .. ثمّ سُرّي عنه، فقال:” أبشري يا عائشة، فقد أنزل الله براءتك”، وفرح الأبوان لحلول الفرج، وبادرت (أم رومان) بدعوة ابنتها إلى القيام لزوجها، فردّت بما يكون من المظلومة المشكوك فيها، وتدلّلت على طريقة خاصة على من تعلم مقامها عنده، دلالا لا يشبه دلال التقرّب، بل هو في هذا المقام دلال العتاب على موقف الحياد، وكان جديرا به حسبها أن يصدّقها من أوّل يوم، ولا يشاور، ولا ينتظر، ولا يترك هنّا كهذا يسيطر عليه شهرا كاملا… ردّت إذن في شموخ البريئة:” والله لا أقوم إليه، فإني لا أحمد إلاّ الله عزّ وجلّ، هو الذي أنزل براءتي”، والتفتت إلى أبيها بعده توجّه له عتابا خاصا وهو يقبل عليها ليقبّل رأسها:” يا أبتاه هلاّ كنت عذرتني؟” فأجاب:”أيّ سماء تظلّني، وأيّ أرض تقلّني إن قلتُ بما لا أعلم؟”
وأما الزوج المتألّم فقد تفهّم موقفها، وأطرق صامتا فرحا بزوال المحنة، ونقاء التي لم يكن يعلم عنها غير ذلك، وخرج على الناس يتلو عليهم ما نزل فيها من سورة النور:” إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (18) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19)” (سورة النور 11 ــ 19) ونزل مع براءتها ما يشرّع للقذف، وينهى الأعراض، ويحفظ الآداب العامة في المجتمع.
لقد طالت بهذا الابتلاء المدّة، وتأذّى المجتمع المسلم بأسره ممّا أصاب النبي صلى الله عليه وسلم في عرضه، يقينا في البراءة، وعجزا عن الإثبات، مع بعض الاستثناءات في القلوب المريضة التي اغتنمت الفرصة لنفث السموم، ولنا أن نقيس التأثر النفسي في عدّة اتّجاهات[5]:
ــ أمّا بالنسبة للرسول صلى الله عليه وسلم، فهو صاحب الرسالة، وهو الزوج، ومثل هذه الشائعة كفيلة بأن تجعله يعيش لحظات نفسية عصيبة. لكن مع هذا وجدناه النبي الصابر، رابط الجأش، الذي لا يمنعه ذلك كلّه من القيام بواجب الرسالة تجاه زوجته، ثمّ تجاه دعوته إلى الله.
ــ وأمّا بالنسبة لـ (صفوان بن المعطل) وهو المتّهم، فموقف الصابر والمتّهم البريء.
ــ وأمّا أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها ــ وهي المتهمة أيضا ــ فهي لا يقرّ لها دمع.
وعن موقف المجتمع:
فأمّا المؤمن فما كان ينبغي أن يتناقل مثل هذا الحدث إلاّ بعد التثبّت، وقد كان الأولى أن يظنّ بالمؤمن خيرا، وفي هذا ما فيه من العلاج النفسي للشخصية المؤمنة، وصقلها بمشاعر ضبط النفس، وعدم انجرارها وراء الأخبار التي تتلقّفها الألسنة دون أن تمرّر على العقول.
وأما المنافق فقد كان دافعه لذلك نفسي ناشئ عن حبّ إشاعة الفاحشة في الصف المؤمن.
وأما ردود الفعل حول هذا الحدث فلا بدّ أن تكون منسجمة مع سمو التشريع الرباني، إنه تشريع للمجتمع لا للفرد فحسب، وإنّ المبدأ فيه يجب أن تذوب حظوظ النفوس الشخصية في سبيل ذلك السمو التشريعي.
وأما العلاج للنفوس المؤمنة من بقايا تلك الآثار النفسية تجاه من يمسّها في أعراضها فقد تدرّج بها حتى طلب إزالة أي أثر نفسي ولو كان بسيطا:” وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ“[6]
أما التشريعات الوقائية التي صحبت الآيات فقد كانت استجابة للنفوس العفيفة الطاهرة، إذ كرامتها تأبى مثل هذه الشائعات، وإذا فلا بدّ من عقاب على من يسلك طريقا كهذا للاتّهام دون دليل، إنه تشريع فيه استجابة نفسية، ووقائية سلوكية.
الفراق المرّ
كان لا بدّ لهذه العشرة أن تنتهي جريا على سنة الله تعالى في الحياة، فلا دوام لحال، ولا ضمان لطول الوصال، وكان يكفي عائشة من حياة محمد صلى الله عليه وسلم سنوات عشر قضتها معه في المدينة، في صميم الدعوة والجهاد وتأسيس دولة الإسلام، مع ضبط المجتمع بالتشريعات التي وعتها وفقهتها، ونال الأمة من شهاداتها وفقهها فيها نفع عظيم.
ولما عاجل المرض النبي صلى الله عليه وسلم ثقل عن التنقل بين حجرات زوجاته، وعلمت منه سائر النسوة ما يبغي فتنازلن طائعات لعائشة ليمرض عندها، ويبقى في رعايتها، فلم تدخر جهدا في السهر عليه، والعناية به، تخفيفا من الحمى، ومؤانسة في ظرف المرض العصيب مع زيارات دائمة لباقي زوجاته وابنته فاطمة عيادة واطمئنانا.
وفي هذا الظرف العصيب كانت عائشة القلب القريب إلى النبي الحبيب صلى الله عليه وسلم، وهو يتألّم، وبالكاد يتكلّم، ورغم أنه أعطى الإشارة للأمة بخلافة أبي بكر رضي الله عنه من بعده في الإمامة الصغرى إيحاء بأنه الأنسب للإمامة الكبرى، إلاّ أنها كانت مشفقة على أبيها من فراغ كبير لا يملك أن يشغله، ولا يؤمن أن يتشاءم الناس منه بسببه، حيث جاء في روايتها لهذا الفصل من فصول الرحيل:” لما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم مرضه الذي مات فيه، قال: مروا أبا بكر فليصلّ بالناس. فقلتُ: يا رسول الله، إنّ ابا بكر رجل رقيق أسيف، إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه، وإذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس، فلو أمرت غيره ليصلي بالناس يا رسول الله.
قالت: والله ما حملني على ذلك إلاّ” أنني خشيت أن يتشاءم الناس بأبي بكر، لأني علمتُ أنه لن يقوم أحد مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاّ تشاءم الناس به، فأحببت أن يعدل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي بكر إلى غيره. قالت: فراجعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعاودتُه مرتين أو ثلاثا، ليكلّف غير أبي بكر، ولكنه قال: مروا أبا بكر فليصلّ بالناس، وإنّكنّ صواحب يوسف”[7]
وجاءت لحظة الفراق الصعبة، فشهدتها عائشة بقوة وصلابة، وروت الحال فقالت:” وجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم يثقل في حجري، فذهبت أنظر إلى وجهه، فإذا بصره قد شخص، وهو يقول:” بل الرفيق الأعلى من الجنة” فقلت: خُيّرت واخترت والذي بعثك بالحق، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بين سحري ونحري، فمن سفهي حداثة سني أنه صلى الله عليه وسلم قبض وهو في حجري ثم وضعت رأسه على وسادة وقمت ألتطم مع النساء وأضرب وجهي”، إنها الصدمة، وإنه الحدث الجلل العظيم، لم يصمد فيه حتى عمر بن الخطاب وهو يرفض تصديق وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، فكيف تصمد عائشة الرقيقة التي لم تهيء نفسها لتعيش من دونه؟ وكيف تستوعب الذي حصل في لحظته؟ ولكنها بعد الهدوء سلّمت بالقدر المحتوم، وحمدت الله تعالى على فضل لم تنله سواها، لقد مات في حجرها، وزيادة في الكرامة دفن عليه الصلاة والسلام في حجرتها ليبقى قريبا منها محيطا طيفه بها في عمرها المديد بعده، وكانت بحق قطعة باقية منه، فقد نالت منه علما أهّلها لأن تكون المرجع الأول في الحديث والسنة، والفقيهة الأولى في الإسلام. قال هشام بن عروة عن أبيه:” ما رأيتُ أحدا أعلم بفقه ولا بطبّ ولا بشعر من عائشة”[8]
كانت هذه عائشة الزوجة، على مدى ما يناهز عشر سنوات فقط من عمرها، أوحت لنا من ثرائها أنها على الأضعاف من ذلك، وتركها المصطفى صلى الله عليه وسلم فكانت على أنضج ما تكون النساء، وأوفرهن علما، حيث تربّى في حجرها العديد من أبناء الصحابة أمثال عروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وعمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية.. وصار بيتها محجا لطالبي الفقه والرواية، مع قصدها في الاستفتاء والاستعلام عن خصوصيات حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وعاصرت الخلافة الراشدة إلى منتهاها، وشيئا من خلافة بني أمية حيث توفيت سنة سبع وخمسين وقد أتمت من عمرها ستا وستين سنة.
[1] ــ فتح الباري شرح صحيح البخاري.
[2] ــ صحيح مسلم، كتاب النكاح، رقم الحديث: 1442.
[3] ــ تراجم سيدات بيت النبوة، ص274.
[4] ــ حديث الإفك مروي كاملا في الصحيحين، وكتب السنن، وكتب السيرة بالرواية ذاتها.
[5] ــ التعبير القرآني والدلالة النفسية، عبد الله محمد الجيوسي، ص419 ــ 420.
[6] ــ سورة النور الآية 22.
[7] ــ البداية والنهاية، 5/231.
[8] ــ الاستيعاب، 4/1885.