فريحة بوشباط / الجزائر . طالبة دكتوراه “لا تؤذني في أمي ! ”
هذه هي العبارة التي قالها أحمد عند تقدمه لخطبة زينب. _ “طبعا يا حبيبي، ما يعنيك يعنيني وما يؤذيك يؤذيني، وخدمة أمي عائشة هي عبادة في ديني ” هكذا ردت زينب على خطيبها ، كان صوتها كعصفورة مبحوحة وهي تنظر نحو الأسفل وقد لطخت فرشاة الحياء وجنتيها بلون الفرولة. مضت الأيام الأولى من زواجهما تقطر عسلا ، تفيض سعادة ، تنبض محبة ، فأحمد يشعر بسعادة لا مثيل لها عند رؤية زوجته تجالس أمه لساعات ، تستمع إليها دون ضجر وهي تردد نفس القصة في اليوم أكثر مما يردد القلب نبضاته ، ومع هذا فإن زينب كثيرا ما تضحك حين تضحك الوالدة دون أن تستوعب ما تقوله بصوتها المتقطع ، المليء بتجاعيد الثورة ، فقد التصقت به صرخات الشهداء ، وامتزج به أنين الجرحى ، واختلطت به آخر صيحة للقتلى.
يدخل أحمد إلى البيت فيلاحظهما جالستين كما يجلس طالب العلم لشيخه ، وكثيرا ما يتقدم نحوهما ويتطفل على حديثهما كما يغرس أشعب أنفه وسط قوم يجهلهم ويجهلونه ، فتدفعه أمه بحنان مرددة :” يا فلذة كبدي ، أحاديث النساء ليست في متناول الرجال ” ، فيضحك للحظات وهو يتأمل تلك التجاعيد التي ترسبت كتضاريس بلاده على وجهها الذي يعكس تاريخ وطنه ، ثم سرعان ما يرمي بنفسه في حضنها الدافئ وهي تلاعب شعره قائلة ” طفلي الحبيب”
وتأتي أيام غير باقي الأيام ، كأنها الشتاء بعد فصل الدفء ، كأنها الجحيم بعد حياة على نهر الجنة ، زينب لا تطرق باب الوالدة ، وهي لا تخرج من غرفتها ، إنها جالسة على كرسي المرحوم لخضر تبكي تارة وتسبح تارة أخرى ،الأيام متشابهة ، براء تتعاقب في شاشة عينيه علامات الاستفهام ، يسأل زينب فتجيبه : ” اسأل أمك ما خطبها ؟ أطرق بابها دون جدوى ، أمك يا حياتي تحتاج فحصا طبيا ” يسأل أمه فلا تجيبه ، ترفع رأسها إليه ببطء كما ترفع دجاجة جناحيها محاولة الطيران ،تعانقه بنظرة يتيم ثم تعود للتسبيح رامية بأسئلته المتكررة في سلة المهملات داخل قلبها المثقل بالهموم ، هي تعاني ، تعاني من ظلم زوجته ، من معاملتها القاسية مؤخرا ، تتذكر آخر كلام قالته لها :” أنت عبء علي دون سواي من زوجات أولادك ، حرمتني من خلوة ليوم واحد مع زوجي ، زوجي لم يقل عني كما قال الرسول صل الله عليه وسلم ” لا تؤذني في عائشة ” وهي زوجته ، بل قال ” لا تؤذني في أمي ! ”
تتذكر الخالة عائشة هذا الكلام الذي أعاد ذاكرتها التي ظنت أنها شاخت لعز شبابها، فينزل الدمع من عينيها الغائرتين ثم تمسحه قبل أن يسقط على الأرض ويتبخر في شكل أحزان تسود البيت، هي أم والأم هي الرحمة ، لا يمكنها أن تصارح ولدها بما يحدث وتعكر صفو حياته الزوجية ، هي تلتمس لزوجة ابنها سبعين عذرا، تلك الزوجة التي تقوم بتغيير المكان عند رؤيتها ، هل يعقل أنها كانت تمثل دور قطرة العسل في شهر العسل ؟ هي متأكدة أن ولدها لن يتفهم ما يحدث ،لكنها حكيمة وخبيرة، فهي تعلم أنها أعراض الحمل لا أكثر ، وأن حفيدها سيشبهها كثيرا.