حصريا

في الأبعاد المقاصدية للقوامة الأسرية- د. رشيد كهوس-المغرب-

0 613

في الأبعاد المقاصدية للقوامة الأسرية

الأستاذ الدكتور رشيد كُهُوس

أستاذ بكلية أصول الدين–جامعة عبد المالك السعدي-تطوان-المغرب

 

لقد أقام الإسلام العلاقات داخل الأسرة على دعائم ثلاث: المودة والرحمة والسكن. كما ضمن للأسرة أحكامها الخاصة، ونظَّم العلاقة بين عناصرها، وحدد حقوقهم وواجباتهم مما يستلزم منهم القيام بها لتحقيق رسالتهم في الحياة، والمحافظة على سلامة الأسرة من الانحرافات والمشكلات الداخلية وتأمين سعادة عناصرها، حفاظا على المقاصد العليا للشريعة الإسلامية.

وأجمل أهم الأبعاد المقاصدية لقوامة الرجل فيما يأتي:

 

1.تحقيق المساكنة الزوجية والسكينة النفسية:

يقول الله تبارك وتعالى في هذا المقصد: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾(الأعراف: 189)، ويقول عز من قائل: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الروم: 21). ويقول عز اسمه: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾(البقرة: 187).

تتحدث هاتان الآيتان عن أهم مقصد من مقاصد الزواج وبناء الأسرة المسلمة؛ إنه مقصد المحبة والمودة والرحمة التي تحقق ذلك السكن الوجداني والقلبي النفسي بين الزوجين الذي تقوم عليه الحياة الزوجية ولا يمكن الاستغناء عنه، وعلى ذلك فإن الحياة الزوجية إذا غيبت فيها هذه الخصال الودية والتراحمية والمحبة الصادقة والإخلاص الدائم فإنها تكون أشبه بجسد بلا روح، وبقفل على خربة، وبباب بلا دار، لا معنى لهذه الحياة ولا مستقبل لها، ولا خير يرتجى منها، لأن تلك الأسس التي تبنى عليها الحياة قد اندثرت فلا شك أن هذا البناء –الذي بني بلا أساس- سينهار في أية لحظة.

وهاهنا سر دقيق لا تقوم الحياة الزوجية إلا به، فالآيات الكريمة لم تشر إلى ذلك السكن الغريزي، لكنها أشارت إلى السكن الروحي والوجداني بين الزوجين. “والسكن أمر نفساني وسر وجداني يجد فيه المرء سعادة الشمل المجتمع، وأنس الخلوة التي لا تكلف فيها وذلك من الضرورات المعنوية التي لا يجدها المرء إلا في ظل المرأة.

وقد ألقى الله تعالى في كل منهما سر الحنين إلى صاحبه، فهو يدلي إليها بمودته ورحمته، وهي تدلي إليه بمثل ذلك”[1].

فسياق الآية الكريمة يدل على السكن الوجداني والاستقرار العاطفي ليسكن إليها ولم يقل ليسكن معها، مما يؤكد معنى الاستقرار في السلوك والهدوء في الشعور، ويحقق الراحة والطمأنينة بأسمى معانيها، فكل من الزوجين يجد في صاحبه الهدوء عند القلق، والبشاشة عند الضيق.

إن من مقاصد الشريعة الإسلامية فيما يخص قوامة الرجل، مقصد تحقيق السكن والمودة والرحمة في الأسرة، “حتى لا تنحصر العلاقة بين الزوجين في صورة جسدية بحتة فقد نبهت الشريعة أن مقاصد هذه العلاقة أن يسكن كل من الزوجين إلى الآخر، وأن يكون بينهما مودة ورحمة. وشرعت لتحقيق هذا المقصد أحكاما للمعاشرة بالمعروف بين الزوجين وآدابا للجماع، وغير ذلك من الأحكام التي توفر الجو العائلي المملوء دفئا وحنانا، ومشاعر إنسانية راقية”[2].

إن المرأة في حقيقة الأمر جزء من الرجل، “وكل جزء دليل على أصله فالمرأة دليل على الرجل، والرجل دليل عليها، فحب الزوج لزوجته وحنينه إليها من باب حنين الكل إلى جزئه، لأن الله اشتق من الرجل شخصا على صورته سماه المرأة، فظهرت صورته، فحن إليها حنين الشيء إلى نفسه وحنت إليه حنين الشيء إلى وطنه”[3].

بيد أنه إذا وجدت هذه المحبة والمودة والرحمة فإن أغلب المشكلات ستندثر وتذوب، ولا تسمع حقي وحقك وهذا لي وذاك لك وهذا رئيس وذاك مرؤوس، بل يصبحان كالجسد الواحد لا يمكن أن تفصل أحد أعضائه عنه، كل منهما يؤثر الآخر على نفسه.

السكن والمودة والرحمة، مشاعر هي المقصد من القوامة الأسرية لا المشاحنات والمشاجرات والأحقاد. السكن اطمئنان شق البشرية للشق الآخر، ومودة ورحمة تكامل من أجل استمرار النسل البشري وتحقيق الاستخلاف في الأرض، وليس صراع بين طرفين أسسا بنيانهما على شفا جرف هار فهو مهدد بالانهيار، فإذا كان أساس البنيان هشا سرعان ما تفتح الأبواب على مصراعيها أمام الممارسات الخاطئة مما يهدد كيان الأسرة والأمة معا بحيث يستعمل كل طرف ما يبيحه لنفسه من أسلحة ليظهر قوته ويثبت ذاته، فالرجل من جانبه يشهر في وجه المرأة سلاح القوامة والدرجة والطاعة، والمرأة في المقابل تستعمل سلاح الحيل والمكائد والشعوذات لتحمي نفسها.

فهل المنطلق عند أخذ القرار والاختيار هو المودة والرحمة والسكينة؟ أم أن الزواج كان هدفا في حد ذاته لم يستحضر فيه الأصل: عمارة الأرض وعلاقة مودة ومحبة في الدنيا تمتد إلى الآخرة لمن كانت التقوى باعثهما ورضى الله منيتهما وما عند الله خير وأبقى لهما.

2- حفظ التماسك الأسري:

إن الأسرةهي المرعى الأول والمحضن الطبيعي الذي يتولى حماية الناشئة ورعايتها وتنمية أجسادهاوعقولها وأرواحها، وفي ظل هذا التفاهم والتعاون والتشاور والتشارك بين الزوجين يستقرُّ بينهما الوئام،وينشأ الوفاق؛ بالتقاء مشاعر الحبِّ والوداد والرحمة والتكافل، فتستقر الأسرة وتستمر الحياة في جسدها.

وباستقرار الأسرة يستقر المجتمع لكونها اللبنة الأساس فيه، وصورة مصغرة له، بصلاحها يصلح، وبفسادها يختل وينهار.

ذلك بأن إن المجتمعات الإنسانية ما قامت إلا على استقرار وتماسك في الأسرة التي تحفظ القيم. وإنها ما سقطت إلا لما تخلت الأسرة عن وظيفتها التربوية والاجتماعية والحضارية.

بيد أن الأزمات والمشكلات التي حلت بمجتمعاتنا كان سببها غياب التماسك الأسري، فغاب عنه الاستقرار فأصبح أشبه بجدار متهدم أقيم على سيل جارف مندفع من فوق جبل مرتفع. فلا الجدار يصمد، ولا السيل يرحم، ولا الناس يمكنهم الفرار بعد أن أحكم عليهم الحصار بأنواع البلايا والرزايا والخطوب.

إن القوامة تحفظ أمن الأسرة وتماسكها وتكاملها؛ وذلك بترسيخ قيم الأمن فيها وحمايتها من الآفات التي تهدد أفرادها، حتى تبقى الأسرة آمنة مستقرة يسودها التعاون والوفاء، وترفرف عليها أعلام المحبة، وتسري في أوصالها مشار الود والتراحم.

وخلاصة القول: إن التماسك الأسري الذي تقصد إليه القوامة هو حالة الانسجام الروحي والعاطفي والتكاملي بين أفراد الأسرة، سواء في مجال تدبير العلاقة الشخصية بينهم، أو تدبير أمور الأسرة المعيشية والتربوية. مما ينعكس إيجابا على الحياة المجتمعية بأسرها.

 

3- حفظ الكليات الخمس:

إن المقصد الأعلى للشريعة الإسلامية تحقيق مصلحة الإنسان في الدنيا والآخرة، وعن هذا المقصد الأعلى تتفرع مقاصد أخرى. وكل أحكام الشريعة في كلياتها وجزئياتها جاءت لتحقيق هذه المقاصد…

وبينت الشريعة الغراء نصا واجتهادا مقاصد تطبيقها سواء فيما يتعلق بالفرد أو الأسرة أو المجتمع.

فإذا قام الرجل بقوامته -داخل الأسرة- على أحسن وجه وبما أمر الله تعالى، حقق بذلك أهم المقاصد العامة للشريعة الإسلامية بحفظه للضرورات الخمس التي تنص عليها الآيات القرآنية وتقررها السنة النبوية.

وتتجلى مقاصد القوامة فيما يأتي:

-حفظ الدين: إن مهمة كل من القوامة هي عبادة لله تعالى قبل كل شيء، وذلك بتعاون الرجل والمرأة في رحلتهما الدنيوية وعبرها إلى ما يرجوان من أعلى الدرجات عند مليك مقتدر في جنات الخلد. وإن حفظ الدين هو أول ما تتطلبه  القوامة الأسرية الملقاة على عاتق الرجل، حفظ بإقامة شرع الله في البيت، وبالمحافظة على الحقوق الزوجية، وبتعاون كل أفراد الأسرة على عبادة الله تعالى ومعرفته.

وهذا المقصد رأس المقاصد وغاية الغايات، بل هو خلاصة الدعوة النبوية، وزبدة الرسالة الإلهية.

-حفظ العرض والنسل: بحفظ العرض وصونه يتجلى صفاء الدين وجمال الإنسانية، وتدنيسه وهوانه ينزل الإنسان إلى مستنقعات الرذيلة.

فالرجل القوام مسؤول –إضافة إلى المرأة الحافظة- عن أسرته، وجب عليه تحصينها من المؤثرات الخارجية وتحذيرها من الفتن والشهوات ما ظهر منها وما بطن، وبنائها على تقوى الله والإيمان وكريم الأخلاق وطيب الأنساب.

حفظ النفس: بالقوامة الأسرية يتحقق حفظ النفس؛ ويكون حفظ نفس أفراد الأسرة من جانب الوجود وجانب العدم، فمن جانب الوجود له معنيان؛ حفظ باطن وآخر ظاهر، أما حفظ الباطن فيقصد حفظها بتنشئة أفرادها على أخلاق الإسلام وقيمه ومبادئه وعلى ما يقون به أنفسهم من النار ولا يدعوهم هملا فتأكلهم النار…. أما حفظ الظاهر فيكمن في حفظها من متاعب الحياة ومشكلاتها وبتوفير حاجيات الأسرة من مسكن وملبس ومطعم وتعليم وعلاج.

أما من جانب العدم فحين يكون الابن منعدما في الوجود، حيث حدد الشرع لحفظه باختيار الزوج الصالح والزوجة الصالحة[4]، وبالزواج الشرعي والابتعاد عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ثم حفظه جنينا برعاية أمه الحامل به صحيا ونفسيا وعاطفيا، وتوفير حاجياتها، واجتناب كل ما يمكن أن يعود على الجنين بالضرر أو يؤثر على مسار نموه…

حفظ العقل: وهو سعي الرجل القوام في تنمية عقول وأفكارهم من تحت مسؤولياته من الأبناء والبنات بالتعليم، وتقوية ملكتهم، وحفظ عقولهم مما يتربص بهم؛ لأن أكبر قتل لأبنائها هو أن نتركهم عرضة للجهل وموجات التغريب والانحلال .

حفظ المال: فالرجل القوام مسؤول عن الإنفاق على أسرته وتوفير العيش الكريم لها، وكل ما لا تقوم حياتهم إلا به.

وعليه، فإذا قام الرجل الزوج بمسؤوليته (القوامة) على وجهها حقق بذلك الغاية الاستخلافية العمرانية والتعبدية التي خلق من أجلها الإنسان.

 

مجمل القول:

إن الأبعاد المقاصدية للقوامة تتجلي في تحقيق المساكنة الزوجية والسكينة النفسية والتكامل الوظيفي وحفظ التماسك الأسري والكليات الضرورية (الدين، النفس، النسل، العقل، المال).

وعلى ذلك فحين تنشأ الأسر على أسس هشَّة من الجهل بالقوامة الأسرية ومقاصدها السامية؛ يكون السقوط السريع والمُرِيع عند أول عقبة في مسالك الحياة ومجالاتها.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

 

 

([1]) الإسلام والمرأة المعاصرة، البهي، ص70-71.

([2]) نحو تفعيل مقاصد الشريعة، جمال الدين عطية، ص150.

([3])ما يجوز وما لا يجوز في الحياة الزوجية، عبد العزيز بن الصديق، ص255-256.

([4])ولقد اشترط الإسلام في اختيار الزوجين أمرين اثنين: الدين والخلق، ولم يشترط الكفاءة في مال ولا نسب ولا حسب ولا حرفة ولا في وظيفة… لقول رسول الله r في الحديث الذي رواه  أبو هريرة t: «إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض» الترمذي، السنن، مصدر سابق، كتاب النكاح، باب من إذا جاءكم من ترضون دينه فزوجوه، حديث رقم: 1084، ج3، ص394.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله:”والذييقتضيه حكم رسول الرسول r اعتبار الكفاءة في الدين أصلا وكمالا، فلا تزوج مسلمة بكافر، ولا عفيفة بفاجر، ولم يعتبر القرآن والسنة في الكفاءة أمورا وراء ذلك، فإنه حرم على المسلمة نكاح الزاني الخبيث، ولم يعتبر نسبا ولا صناعة، ولا غنى ولا حرفة”انظر: زاد المعاد في هدي خير العباد، 4/22.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page